أصيبت المعارضة اليمنية بوعكة ديمقراطية خلال اليومين الماضيين جراء النتيجة التي خرج بها المؤتمر العام التاسع للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري, وما ساد اعماله من تباينات غير متوقعة في فترة ينظر اليها في اليمن انها فترة اشتداد المواجهات الساخنة بين السلطة والمعارضة حول ترسيخ الممارسات الديمقراطية, وايجاد ضمانات كفيلة بتسوية الملعب الانتخابي . فالتنظيم الوحدوي الناصري ينظر اليه غير قليل من المراقبين انه ثالث ثلاثة أحزاب فاعلة في المعارضة اليمنية, ويأتي بعد تجمع الاصلاح اليمني والحزب الاشتراكي وهو ثاني أحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة, أما في خارطة الأحزاب القومية, فيمثل الوحدوي الشعبي الناصري, أهم أربعة أحزاب ناصرية صغيرة في اليمن يتهم بعضها بدعم السلطة والبعض الآخر بدعم الحزب الاشتراكي لعلاقات جبهوية تعود الى عهد التشطير, وللوحدوي الناصري نصيب من الحملات الموسمية التي تشنها السلطة ضد أحزاب المعارضة من خلال الصحف الرسمية أو تصريحات بعض مسؤولي الحكومة. جاء المؤتمرالعام التاسع للتنظيم الناصري بعد سلسلة طويلة من التحضيرات وتأجيل موعده لمرتين, وعقب مؤتمرات فرعية في المحافظات اليمنية سادها خلاف ساخن في القواعد الناصرية, تركزت حول أهمية اعادة البناء التنظيمي للحزب وتعديل في برنامجه السياسي والنظام الداخلي, وأهمية الممارسات الديمقراطية داخل التنظيم واعتماد الشفافية للموارد, ووقفت المؤتمرات الفرعية في محافظات تعز والحديدة أمام انتقادات شديدة لاداء الحزب تجاه المساومات مع السلطة, ورأت أهمية المواجهة الساخنة للأوضاع المتردية, واعادة الاعتبار لقيادات التنظيم والشهداء الذين سقطوا في المحاولة الانقلابية التي قام بها التنظيم في عام 1978م وفشلت, وتحولت المؤتمرات الفرعية للتنظيم في محافظات تعز وإب الى تظاهرات نقدية شديدة اللهجة, ورفعت صور الشهداء للتنظيم في الشوارع, ما أدى الى مواجهات اعلامية واتهامات متبادلة بين قيادات عليا في الدولة والتنظيم, وصفت التنظيم الناصري بالكهنة, والمخربين, وأنصار التحالفات مع قوى التخلف والشيطان, وتزامنت الحملات والاتهامات المتبادلة مع الحملة التي شنت ضد الحزب الاشتراكي عقب نجاح المؤتمر العام له مطلع ديسمبر الماضي, الأمر الذي عزز من التقارب بين الوحدوي الناصري والحزب الاشتراكي من جهة, واستطاعت قيادة التنظيم امتصاص الحملة والاتهامات, وفضلت عدم الدخول في مهاترات اعلامية مع السلطة حول قضايا تعود الى فترات سابقة من جهة أخرى, وبررت ذلك بالسعي الى انجاح السير الى المؤتمر العام التاسع للتنظيم وتحقيق الحد الأدنى من ضمانات نجاحه, وأفادت مصادر قيادية في التنظيم الناصري ان المهام الملحة والأساسية التي تركزت قبيل انعقاد المؤتمر هي اعادة ترتيب الأوضاع التنظيمية للحزب, وترتيب أوراقه للمزيد من الفاعلية كحزب معارض الى جانب أحزاب المعارضة في اطار مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة بالنظر الى استحقاقات هامة وقضايا جوهرية تغتلي بها الساحة منها الاستحقاق الدستوري للانتخابات الرئاسية, والمحليات, ومواجهة مشاريع تعديلات قوانين تعنى بالحريات, والمسيرات, والمظاهرات, وحرية الرأي والتعبير, اضافة الى القضايا الاقتصادية, واخفاقات التنفيذ لمشروع برنامج الاصلاحات الاقتصادية والادارية الذي تنفذه الحكومة بتوصيات واشراف صندوق النقد والبنك الدوليين. وقف المؤتمر العام للوحدوي امام ثلاث قضايا رئيسية نجح في حسم واحدة واخفق في البقية, بحيث انعكس هذا الاخفاق على الخروج ببلاغ صحفي, دون البيان الختامي عن نتيجة أعمال المؤتمر. القضية الأولى: هي التعديلات بالنظام الداخلي للتنظيم والتي تركزت على أهمية توسيع المشاركة في القرار وادارة التنظيم, بحيث تعطي الصلاحيات لأمين عام التنظيم اضافة الى استحداث منصب رئيس اللجنة المركزية, وشملت التعديلات ايضا توسيع صلاحيات ادارة الفروع وممارسات ديمقراطية تتجاوز بعض سلبيات الماضي, وتجاه التعديلات في النظام الداخلي اخفقت المداولات في التوصل الى التوفيق في وجهات النظر والخلاف الذي ساد قاعة المؤتمر, واتخذ المؤتمر قرارا بعدم الخوض في التعديلات, وبذلك تنازل المؤتمر العام عن صلاحياته كأعلى سلطة, فيما واصل المؤتمر مناقشة التعديلات في البرنامج. القضية الثانية: تقرير لجنة الرقابة والتفتيش والذي استمرت المداولات حوله أكثر من ثماني ساعات, واتهمت قيادات داخل المؤتمر عملية التطويل في النقاش كمحاولة للهروب من ملامسة قضايا المحاسبة لبعض الخروقات والتجاوزات التي حدثت خلال فترة العمل السابقة. القضية الثالثة: الجانب المالي والتقرير المحاسبي للتنظيم, وهو ما ركزت عليه الكثير من قيادات الفروع, لكن عملية النقاش لم تستمر أكثر من عشر دقائق وبررت رئاسة المؤتمر اغلاق النقاش بهذا الجانب, بأن الظروف غير مواتية للكشف عن أسرار خاصة بالتنظيم, في ظروف لم تكتمل بعد معادلة العلاقة بين التنظيم والواقع المحيط به الى حد التعامل بالشفافية. وهذه النقطة أدت الى اختلالات في أعمال المؤتمر وانسحبت بعض القيادات منها رئيس المؤتمر الذي أدار غالبية جلساته, وادت ايضا الى عزوف بعض القيادات عن ترشيح نفسها الى عضوية اللجنة المركزية. وأدت هذه القضايا الى انفضاض أعمال المؤتمر, واتخذت بعض القيادات قرارها بعقد جلسة ختامية تعلن فيها انتهاء المؤتمر دعت فيها قيادات بعض الأحزاب, ولم تعلن البيان الختامي, وتأخرت عملية فرز الانتخابات للجنة المركزية لمدة ثلاث أيام عقب جلسة الاختتام, وأعلنت بعض القيادات استقالتها, وجمدت قيادات أخرى نفسها بحجة اعادة ترتيب الأوراق بعيداً عن الارباكات التي سادت اعمال المؤتمر, وأخطر قضايا الاختلاف هي الاتهامات المتبادلة بالمناطقية, واستبعاد بعض المحافظات القبلية من المشاركة في الهيئات القيادية, فقد تمخضت النتيجة المعلنة عن استحواذ محافظة واحدة هي محافظة تعز على 83% من قوام اللجنة المركزية وعددهم 74 عضوا, فيما حظيت بقية المحافظات بتمثيل لا يزيد على عضو واحد الى عضوين, وانعكست النتيجة ايضا على ما يسمى بتشبيب القيادات, فنسبة 51% من اللجنة المركزية من الشباب والطلبة الذين لم يمض على انتمائهم الى التنظيم من 3- 5 سنوات حسب مصادر قيادية في التنظيم, واحتلت المرأة نسبة في قوام اللجنة المركزية (سبع سناء من اجمالي 74 عضواً). وسادت انتخابات اللجنة التنفيذية (المكتب السياسي) خلافات عكستها خلافات انتخاب اللجنة المركزية نفسها وما ساد جلسات المؤتمر من ارباكات, فتم تعديل قوام المكتب السياسي من 25 عضوا في السابق, الى 11 عضوا فقط, وحضور الاعضاء الجدد في المكتب السياسي 4 فقط من اجمالي (11) الأمر الذي رأت فيه قيادات تاريخية نقطة ايجابية, وتلافيا لبعض الاختلالات, فتعديل قوام المكتب السياسي من (25) الى (11) قد قطع الطريق عن استحواذ الشباب المستجد على أغلبية في المكتب السياسي, ما يساعد على مهمة اعادة ترتيب أوراق التنظيم. وقالت مصادر قيادية في التنظيم الوحدوي الناصري ان بعض الارباكات التي وقعت قد تأثرت الى حد كبير بثلاث مسائل اساسية, أولها الخلافات والتباينات التي سادت نشاط ومواقف أحزاب مجلس التنسيق تجاه الموقف من اللجنة العليا للانتخابات, والتباين في المواقف بين الاشتراكي والوحدوي الناصري, وثانيها الخلافات وعمليات التباين وفشل الحوار بين الوحدوي الناصري وتجمع الاصلاح, أما آخرها تركيز السلطة ودورها في احداث الاختلالات داخل التنظيم ومندوبي المؤتمر العام. ويرى الكثير من المراقبين السياسيين ان المؤتمر العام للوحدوي الناصري قد اصاب الخارطة الحزبية للمعارضة بنكسة لا تساعد على ترتيب أوراق المعارضة في استحقاقات دستورية مقبلة منها الانتخابات الرئاسية, ويفسرون ذلك بأن أحزاب المعارضة منها الاشتراكي والوحدوي قد وضعت نفسها أمام مهمة اعادة ترتيب أوراقها الداخلية, الأمر الذي لا يساعدها على بلورة وتثبيت مواقف قوية وثابتة تجاه القضايا العامة. صنعاء ــ عبد الله سعد