ما ان انفض جمع زعماء الدول التسع عشرة الاعضاء في حلف شمال الاطلسي (الناتو) عقب احتفالهم قبل ايام في واشنطن بالذكرى الخمسين لتأسيس الحلف , حتى تصاعدت التكهنات بشأن احتمالات غزو بري وشيك تشنه قوات الناتو على اقليم كوسوفو, وبين مؤيد ومعارض, ذهبت تحليلات المحللين الى القول بأن المواجهة الارضية مع القوات الصربية في الاقليم ــ الذي يفرغ يوما بعد آخر من سكانه الالبان ــ ستقطع الطريق على اية تسوية (سلمية) مع الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش. اما الخبراء الاستراتيجيون الذي يتابعون تطورات الصراع في البلقان فيرون ان ارسال قوات برية الى كوسوفو قد يكون حتميا بعد فشل الضربات الجوية المكثفة التي تشنها طائرات الناتو منذ خمسة اسابيع في اخضاع ميلوسيفيتش واجباره على اعلان الاستسلام والقبول بخطة السلام التي وضعها المفاوض في رامبوييه في مارس الماضي, ويؤكد المؤيدون لهذه النظرية ان الغزو البري يمثل الامل الوحيد المتبقي امام حلف الناتو لانقاذ من يمكن انقاذهم من بقايا سكان كوسوفو الالبان الذين نزح ــ ومازال ينزح ــ عشرات الالاف منهم الى الحدود مع الدول الاوروبية المجاورة (خاصة البانيا ومقدونيا) هربا من جنود ميلوسيفيتش المسعورين, كما ان التدخل العسكري على الارض سيمنع القوات الصربية من الاستمرار في لعبة القط والفأر (المأساوية) مع النازحين المسلمين باغلاق الحدود امامهم معظم الوقت وفتحها احيانا لتحقيق مرادهم بتفريغ الاقليم ذي الاغلبية الالبانية من سكانه وتمكين الاقلية الصربية من السيطرة عليه. يقول جيم جوداه الخبير البريطاني في شؤون البلقان وصاحب احدث المؤلفات المنشورة في مكتبات اوروبا عن الصرب (ان التدخل البري في كوسوفو اصبح ضرورة والا لبدا وكأن قوة بلقانية من الصفيح هزمت جيوش الناتو الفولاذية, لقد تمكن الصرب بالفعل من التخلص من اكثر من نصف سكان كوسوفو (الالبان), ومالم يتم تصحيح هذا الوضع, فسوف يحتفل ميلوسيفيتش بانتصاره على الناتو.. وهي كارثة ان حدثت, لان احدا لن يصدق قادة الحلف بعد ذلك) . وعلى الرغم من ان قضية الغزو البري لكوسوفو لم تكن مطروحة على الاجندة الرسمية في احتفالات الناتو باليوبيل الذهبي لتأسيسه, فإن خطط العمليات البرية نوقشت في كواليس القمة الاحتفالية بواشنطن حسب تأكيدات المراقبين, وتشير مصادر مطلعة الى ان فرنسا وبريطانيا كانتا اكثر الدول تأييدا للغزو البري, بينما ظهر الاحباط على عدد من القادة العسكريين في دول الحلف بسبب التباطؤ الواضح في دحر الجيش الصربي. على صعيد آخر تتزايد الانتقادات الموجهة الى استراتيجية الناتو المطبقة حتى الان في البلقان الى حد اتهام الحلف بانه يشن حربا (تلفزيونية) ضد ميلوسيفيتش تعتمد فقط على ضربات جوية (محسوبة) غير قادرة على ايقاع اصابات مؤثرة, فمثل هذا الاسلوب (الجراحي) الذي ينتهجه الناتو قد يهدىء من مخاوف الشعوب الغربية, لكنه لا يمكن ان يجبر عدوا عنيدا شديد التكبر مثل ميلوسيفيتش على الركوع والاستسلام. تأخر خطوة الحرب البرية يكمن في الخوف من الخسائر المحتملة التي ستكون ــ دون شك ــ اكثر بكثير من سقوط طائرة شبح او فقدان مروحية حديثة من طراز اباتشى (اثناء مهمة تدريبية) ووقوع ثلاثة جنود امريكيين في الاسر, اذ يتوقع المراقبون ان يكون رد فعل الصرب عنيفا ضد اي عمل عسكري على الارض, بل ان الانباء تفيد باتخاذ القوات الصربية استعدادات عملية لوصول القوات الغربية باستدعاء عدد اكبر من القوات الاحتياطية ورفع درجة استعداد اكثر من 1300 دبابة ومدرعة مخبأة حاليا بشكل جيد. لذلك فإن ارسال اي قوات برية من جانب الناتو الى المنطقة الساخنة في البلقان لابد وان يتنكر في ثياب المهمات الانسانية كما يؤكد عضو المؤسسة الملكية للشؤون الدولية في لندن كريس كفيتش (الكرواتي الاصل) قائلا اعتقد ان الناتو سيلجأ الى ارسال قوات برية تحت مظلة عمليات مساعدة اللاجئين الالبان. وفي الواقع هناك العديد من الدلائل التي توضح حجم الاستعدادات التي اتخذتها قوات الناتو على الارض, اذ ينتشر نحو 12 الف جندي في مقدونيا تحت اسم قوات دولية لحفظ السلام, كما وصل ثمانية الاف جندي مؤخرا الى البانيا ايضا بمسمى مساعدة اللاجئين على الحدود, وتؤكد التقارير ان هناك المزيد والمزيد من القوات الاوروبية في طريقها الى الحدود اليوغسلافية علاوة على قيام البنتاجون الامريكي باستدعاء اكثر من ثلاثين الفا من قوات الاحتياط لدعم القوات المنتشرة في البلقان. وحين تسمع تصريحا من مسؤول عسكري كبير كالقائد البريطاني لقوات الناتو في مقدونيا سير مايكل جاكسون يقول فيه انه (يأمل ان تتحرك قواته باتجاه الشمال قريبا) لاتملك الا ان تستنج التوجه المستقبلي لقيادة التحالف الغربي في البلقان, حتى القادة العسكريين الايطاليين الاكثر تحفظا في اطلاق التصريحات, يؤكدون مرة بعد اخرى ان قواتهم مدربة ومستعدة لخوض المعركة (البرية). ومهما كان قرار زعماء الناتو في المرحلة المقبلة, فان اغلب المراقبين يتفقون على ان الغزو البري لن يحدث بين عشية وضحاها, فيقول ستيفانو سيلفستري مدير احدى ادارات معهد الشؤون الدولية في روما: في الوقت الراهن يعمل الناتو على كسب تأييد عام, لكن من السابق للاوان الحديث عن عملية برية. ويؤكد سيلفستري ان من المهم قبل ارسال قوات برية ان يتخذ الزعماء السياسيون والقادة العسكريون القرار الحاسم بشأن كيفية دخول كوسوفو, مضيفا نقطة الانطلاق (بريا) المنطقية ستكون من مقدونيا, لكن هذا التحرك سيحتاج الى موافقة كل من مقدونيا واليونان وهو امر مشكوك في امكانية تحقيقه, البديل سيكون عبر الاراضي الالبانية, لكن الطرق المعبدة قليلة والظروف صعبة مما قد يترتب عليه صعوبات لوجيستية متعددة. المؤكد ايضا ان نقطة الاقتحام التي سيختارها الناتو سيتقرر على ضوئها حجم القوات المطلوبة لتنفيذ الهجوم البري, فاذا اختار الناتو بدء الهجوم انطلاقا من دولة محايدة ونجح قبل ذلك في انهاك قوات الصرب البرية عن طريق تكثيف الضربات الجوية, فان 40 الى 50 الف جندي سيكون رقما كافيا حسبما يرى الخبراء الاستراتيجيون, اما اللجوء الى غزو صربيا نفسها تمهيدا لتحرير كوسوفو فسيتطلب اعدادا اكبر من المقاتلين قد تصل الى 250 الفا حسب بعض التقديرات ويعقب سيلفستري على الاحتمال الاخير بقوله (تجميع هذا الحشد الكبير من القوات سيحتاج الى وقت طويل) . يقول استاذ التاريخ بكلية بيربيك في لندن البروفيسور اورلاندو فيجس (وهو خبير في السياسة الروسية) ان منظر قصف حلف الناتو لمنطقة النفوذ الروسي سابقا.. والاسوأ من ذلك مشاهدة القوات الامريكية على التراب الصربي.. قد يكون سببا كافيا لوصول القوميين وحلفائهم الشيوعيين الى السلطة في موسكو خلال الانتخابات المقبلة وفي اقل تقدير, يمكن ان نتوقع ان تتجه روسيا بأنظارها الى الشرق نحو العراق والصين.. اذا ما احست بانعزالها عن اوروبا. لقد حذر بعض المحللين من ان خزائن السلاح الروسي مازالت عامرة بأحدث تقنيات التدمير النووي والتقليدي, رغم الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه من كانت يوما ــ غير بعيد ــ القوة العظمى الثانية في العالم, ويذهب هؤلاء المحللون الى توقع ان تلجأ روسيا الى تزويد الصرب باحدث الطائرات والدبابات وربما بقوات برية في حال تصعيد الحرب التي تشنها قوات الناتو منذ اسابيع. وفي رأي الخبير الايطالي سيلفستري فإن التهديدات الروسية بحرب عالمية ثالثة مجرد فقاعات هواء لتخويف الناتو ولتهدئة ثائرة القوميين الروس, فيقول من الواضح ان يلتسين يتعرض لضغط داخلي رهيب لاتخاذ موقف.. لكن الروس في الواقع اصبحوا معتدلين الى حد كبير, ليس في تصريحاتهم بالطبع وانما في افعالهم, فقد اعترفوا صراحة بانهم غير مستعدين لمساعدة صربيا سياسيا او حتى عسكريا. يقول المحلل الكرواتي الاصل كريس كفيتش ان ميلوسيفيتش يتخبط حاليا خاصة في الجبل الاسود (الجمهورية الثانية التي تشكل مع صربيا الاتحاد اليوغسلافي).. لكن استراتيجيته دفاعية في جوهرها, لقد صورته بعض وسائل الاعلام الغربي بطريق الخطأ(ربما المتعمد) على انه يتحكم في زمام المعركة مع الناتو, وزاده غرورا على غرور التكهنات التي اطلقها البعض بامكانية ان تنتهي المواجهة في البلقان بانتصاره لكن هذا ليس صحيحا على الاطلاق, لان بلاده تحولت بالفعل الى انقاض.. وسوف يخرج خاسرا دون شك والسؤال الوحيد المطروح حاليا: متى تعلن هزيمة ميلوسيفيتش رسميا؟ ــ خدمة وورلدنيوزلينك روما ــ كلير بدريك