دخلت العمليات الجوية والصاروخية التي يقوم بها حلف الناتو ضد القوات الصربية اسبوعها الخامس, تم خلالها تدمير الكثير من المؤسسات والمنشآت والمواقع العسكرية اليوغسلافية وطالت حتى مقر الحزب الحاكم ومبنى التلفزيون هناك ومن المنتظر ان تشهد هذه العمليات خلال الفترة المقبلة تكثيفاً في الضربات اذ زيد عدد الطائرات المقاتلة الى نحو الف طائرة في حين كانت وقت بدء العمليات 400 طائرة فقط, والملاحظ انه على الرغم من كل هذه الضربات والطلعات الجوية التي يرى المراقبون انها اقتربت من 10 آلاف طلعة جوية, احدثت خسائر جسيمة في البنية التحتية والعسكرية اليوغسلافية.. رغم ذلك فإن الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش لم يتراجع عن موقفه وما زال مصراً على رفضه لكل الشروط التي وضعها الحلف حتى تتوقف الضربات والداعية الى انسحاب قوات من اقليم كوسوفو وعودة الالبان اللاجئين اليه, والموافقة على وجود قوات من حلف الناتو داخله, وتجاوز ميلوسيفيتش هذا الرفض الى حد القيام بحملة ابادة وتطهير عرقي وتهجير لألبان كوسوفو بحيث اوشكت ان تصبح خالية تماماً من كل سكانها.. هذا الوضع القائم حالياً جعل الجميع في مأزق, الناتو ليس امامه سوى الاستمرار في المشوار حتى نهايته, وألبان كوسوفو تقطعت بهم السبل كلاجئين في الدول المجاورة, وروسيا تريد ان تحفظ ماء وجهها بجعل المجتمع الدولي يشعر ان لها دوراً. هذا المأزق يبحث الجميع حالياً عن وسيلة للخروج منه, ولذلك يدور جدل حالياً حول التدخل البري لقوات الناتو في كوسوفو من اجل انهاء الصراع الدائر حالياً, فهناك من يرى امكانية قيامه بهذا الدور بعدما ثبت ان الضربات الجوية والصاروخية لم تستطع حتى الآن ان تجبر ميلوسيفيتش على قبول ما يريده الناتو, وهناك اخرون يرون ان الفرصة ما زالت قائمة لان تحقق الضربات الجوية اهدافها وينصاع الرئيس اليوغسلافي لمطالب الناتو. (البيان) اشركت معها عدد من الخبراء الاستراتيجيين في هذا الجدل بغية الحصول على تصور لما يمكن ان تسير عليه الامور في الفترة المقبلة والاجابة على التساؤل حول هل يظل الخيار البري العسكري هو الوحيد الكفيل بانهاء الحرب التي تدور حالياً؟ خطأ ألبان كوسوفو بداية يؤكد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم ان احتمالات استخدام قوات برية لانهاء الحرب التي تدور حالياً بين قوات حلف الناتو والقوات الصربية ضعيفة جداً لعدة اسباب اهمها ان التدخل البري المطلوب لحسم معركة بهذا الحجم يحتاج الى قوات كبيرة تزيد على 200 الف جندي, بالاضافة الى قوات الامداد والعون التي ستقوم بمساعدتهم, ومطلوب ان يتجمع كل هذا العدد من القوات وينتشروا في المناطق المحيطة بكوسوفو تمهيداً لبدء الهجوم البري, وهذا امر صعب للغاية ويحتاج لوقت طويل قد يصل لعدة شهور, وعندها سيكون الصرب قد استطاعوا القضاء على أهالي كوسوفو نهائياً سواء بحملات الابادة او التهجير, السبب الآخر هو ان التدخل البري سينتج عنه خسائر بشرية كبيرة وهذا الامر من المؤكد انه يقلق قادة حلف الناتو كثيراً, ويجعلهم يفكرون الف مرة قبل الاقدام على هذه الخطوة وخاصة ان الخسائر البشرية لن تكون بسيطة ولكنها ستكون مجزرة فالصرب معروف عنهم مقاومتهم الشديدة والعنيفة وقد ظهر ذلك اثناء الحرب العالمية فقد ابدوا مقاومة عنيفة للقوات النازية وكبدوها خسائر بشرية كبيرة, وتساعدهم في ذلك طبيعة الاراضي اليوغسلافية الجبلية وهي تعطي فرصة لمعارك العصابات وبقوات محدودة, لذلك فالقوات الصربية باعتبارها صاحبة الارض وهي التي تعودت على القتال عليها تستطيع ان تلحق بالقوات البرية لحلف الناتو في حال تدخلها خسائر كبيرة.. الناتو لن يكسب المعركة البرية الا بخسائر كبيرة جداً في الجانب البشري وهذا ما يجعلني ارى ان احتمالات التدخل البري ضعيفة جداً, وهناك سبب آخر يرجح استمرار الضربات الجوية واستبعاد التدخل البري لحسم المعركة وهو أن الهدف الواضح حتى الآن لحلف الناتو من هذه الحرب هو اضعاف القوة العسكرية ليوغسلافيا من اجل اجبار (سلوبودان ميلوسيفيتش) على القبول بالشروط التي وضعها الحلف وهذا الهدف ممكن تحقيقه باستمرار الضربات الجوية مع تكثيفها وهذا ما تقوم به حالياً قوات الناتو, ضرب مكثف موجع وفي اماكن مؤثرة وبحيث يتم تدمير البنية الاساسية والتحتية ليوغسلافيا واضعافها وبحيث يتم احتواؤها ومنعها من نشر التمرد داخل اوروبا وهذا ممكن تحقيقه بالضربات الجوية ودون تدخل بري. دور مباشر ويرى اللواء طلعت مسلم ان روسيا لن يكون لها دور عسكري مباشر اذا حدث التدخل البري واقصى ما يمكن ان تفعله هو ان تحاول دعم الصرب بالاسلحة وتهرب لهم الذخيرة وتمدهم بالخبراء العسكريين, اما التدخل المباشر لدعم القوات الصربية فأعتقد ان ظروفهم الحالية لا تسمح كما لا يسمح البعد الجغرافي بحشد قوات روسية الى يوغسلافيا لعدم وجود حدود مشتركة بينهما ويكمل: رغم تعاطفي الشديد مع شعب كوسوفو وخاصة في ظل ما يتعرض له حالياً من حملات ابادة وتهجير, فإنني اشعر أن البان كوسوفو قد أخطأوا في ادارة الصراع أخطأوا التوقيت والأسلوب, فقد فاتهم فرصة كبيرة كان الاولى بهم ان يطالبوا بالاستقلال عندما كانت يوغسلافيا مشغولة في موضوع البوسنة ولكنهم انتظروا حتى حسمت يوغسلافيا امورها في البوسنة واستقرت الاوضاع ثم بدأوا في المطالبة بالاستقلال.. فكرة الاستقلال وان كانت جذابة وتجد قبولاً من الجماهير الالبانية في كوسوفو ولكن كان واجباً عليهم ان يدركوا انها ستقابل من يوغسلافيا بشدة, اما الخطأ الآخر الذي وقع فيه البان كوسوفو هو اعتمادهم على حلف الناتو لكي يساعدهم في الحصول على حقوقهم ونيل استقلالهم ولكن الواقع يشير الآن الى ان البان كوسوفو قد هجروا ديارهم مجبرين وتعرضوا للكثير من المجازر, فقدوا ارضهم وديارهم واصبحوا لاجئين في مناطق كثيرة دون ان يستطيع حلف الاطلسي وحتى الآن ان يفعل لهم شيئاً. استبعاد التدخل البري ويتفق اللواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس الوحدة العسكرية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام مع الرأي السابق ويستبعد تماماً قيام حرب برية بالمعنى المفهوم بأن يكون هناك قتال ضار وتدخل بقوات برية كبيرة, ولكن التدخل البري الذي سيحدث سيكون وبعد انتهاء الضربات الجوية التي يقوم بها حلف الناتو... الحرب ستظل الى نهايتها تقوم على توجيه الضربات الجوية المكثفة, اما الدخول البري سيكون في النهاية بعد ان تحقق الضربات الجوية أهدافها وسيكون لحصد واقرار نتائج الحرب الجوية, وليس كمرحلة جديدة للحرب. تشيرنوميردين ورقة رابحة ومن المتوقع ان يكثف الناتو في الفترة المقبلة ضرباته خاصة بعد ان حشد الكثير من العتاد والافراد في الفترة الاخيرة الموقف الآن دخل مرحلة تصعيد كبيرة بالنسبة لحجم الضربات الجوية حيث تم زيادة عدد الطلعات الجوية الى الضعف كما تضاعفت اعداد الطائرات هذا كله يدل على ان حلف الناتو جاد في استمرار الضربات الجوية المكثفة والمؤلمة للنظام اليوغسلافي وانه لن يتراجع عن ذلك حتى يذعن (ميلوسيفيتش) لمطالب الناتو بالموافقة على سحب قواته من كوسوفو ورجوع اللاجئين الألبان الى ديارهم, ودخول قوة دولية لحماية الاقليم.. بل الواضح انه كلما تأخر ميلوسيفيتش في الموافقة على شروط الناتو من الممكن ان تضاف على هذه الشروط شروطاً اخرى مثل محاكمة المسؤولين عن المجازر التي حدثت ضد ألبان كوسوفو امام محاكم دولية, وامتداد الحظر على النظام اليوغسلافي كما حدث مع النظام العراقي.. يجب على (ميلوسيفيتش) ان يعلم جيداً ان الضربات الجوية سوف تحقق اهدافها وان يتعامل مع الموقف من هذا المنطلق وخاصة انه تم فرض الحظر على الواردات اليوغسلافية من البترول وهذا من المؤكد انه سيصيب الآلة العسكرية اليوغسلافية بشلل تام كما سيؤثر على جميع مناحي الحياة هناك.. الفرصة الاخيرة للرئيس اليوغسلافي كانت هي وجود المبعوث الروسي (تشيرنوميردين) في المنطقة في محاولة لايجاد حل يحفظ ماء الوجه للرئيس اليوغسلافي ولروسيا في الوقت نفسه وللناتو مصلحة في ان يكون لروسيا صوت مسموع على الدول الاوروبية فهو لا يريد اذلالها كما يردد البعض لانه من الممكن ان يؤدي الى حدوث قلاقل داخل روسيا وهذا قد يؤدي الى عدم استقرار القارة كلها, انا لست مبالغاً اذا قلت ان جزءاً من اسباب تجنب الناتو الغزو البري منذ البداية هو عدم احراج روسيا لان الغزو البري يحتاج الى اكثر من 200 الف جندي, بالاضافة الى ما يطلق عليه (الذيل الاداري) لهذه القوات من افراد اشارة وخدمات طبية وغيرها, وحجمه يوازي نفس القوة التي ستقوم بالهجوم اي سيكون في اوروبا وعلى مقربة من الحدود الروسية هناك نحو 500 الف جندي, فهذا يحرج روسيا وخاصة امام القوى الداخلية. خسائر بشرية هائلة ويرى محمد عبد السلام الخبير الاستراتيجي انه من المؤكد ان قادة الناتو وقبل ان يبدأوا معاركهم كان لديهم بعض السيناريوهات ومنها السيناريو الخاص بالتدخل البري, ولكن هذا السيناريو تم ربطه بشروط اهمها: ان يتم التأكد تماماً من ان الضربات الجوية التي يقوم بها الناتو لم تحقق الاهداف المطلوبة منها في اجبار (ميلوسيفيتش) على التراجع عن موقفه والقبول بشروط الحلف, ولكن الواضح حتى الان ان هذه الضربات تحقق اهدافها الخاصة بتدمير المواقع الهامة والمؤثرة في يوغسلافيا, ولذلك فالتدخل البري ليس وارداً في هذه الفترة, وان كان هذا لم يمنع حلف الناتو من ان يقوم ببعض الاجراءات التي تمثل تهديداً واضحاً باللجوء الى الخيار البري مثل نشر قوات برية في مقدونيا والبانيا بحجة القيام بعمليات الاغاثة للاجئين ولكنها في الوقت نفسه قوات هجومية, كما تم تحويل مركز ادارة العمليات لحلف الاطلسي في مقدونيا تدريجياً الى مركز لادارة عمليات شاملة للحلف وليس في مقدونيا فقط, وهناك تجهيزات ومعدات وهي امور يراها المحللون العسكريون تنبأ عن شيئين اما الاستعداد للتدخل البري لانهاء الحرب القائمة حالياً, او خلق حالة من الضغط على الرئيس اليوغسلافي ليقبل بشروط الاطلسي ويبدأ في تقديم التنازلات, واوضح محمد عبد السلام انه في حالة اقدام حلف الناتو على التدخل البري ستكون هناك خسائر بشرية كبيرة, هذه الخسائر من الممكن ان تقل تبعاً لسيناريو التدخل, فمثلاً اذا كان كل التدخل سيتم بالقوات الميكانيكية المحمولة فهذا سيقلل الخسائر البشرية, اما اذا تم التدخل باستخدام قوات برية على الارض وهذا امر مستبعد فان الخسائر البشرية ستكون رهيبة لان المقاومة الصربية ستكون عنيفة وخاصة انهم يمتلكون اسلحة متطورة. وفيما يتعلق بالموقف الروسي في حالة حدوث التدخل البري يقول محمد عبد السلام: لن يختلف موقف روسيا كثيراً عن موقفها الحالي بالنسبة للحرب الجوية المستمرة, فروسيا ليس لديها الاستعداد لان ترهن مستقبلها بمستقبل دولة اخرى حتى ولو كانت يوغسلافيا, فلابد ان يكون هناك موقف روسي اكثر شدة حتى لا تتأثر مصالحها بشكل مباشر, واعتقد انه لا توجد مصالح مباشرة بين يوغسلافيا وروسيا تؤدي بها لان تأخذ مثل هذا الموقف, فليست الروابط العرقية وحدها كفيلة بأن تتورط روسيا في صراع مثل الموجود حالياً.. كان يمكن ان يحدث هذا ايام الحرب الباردة, اما الان فمن غير الممكن ان يتطور الموقف الروسي عما هو عليه حالياً. كما يجب الا نغفل نقطة هامة وهي ان حجم المصالح الروسية مع الغرب كبير ولن تجازف روسيا باتخاذ موقف معين يعرض هذه المصالح للخطر. توسيع دائرة الحرب ويعتقد احمد ابراهيم الخبير بالوحدة العسكرية بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان مسألة التدخل البري تعتبر واحدة من اهم التعقيدات المحيطة بعملية القصف الجوي والصاروخي ضد يوغسلافيا, بشكل عام فان مسألة التدخل البري كانت مطروحة منذ البداية في الاوساط الاكاديمية, لان تحقيق اهداف الحملة يبدو غير ممكن وغير واقعي بدون مشاركة قوات برية في العمليات العسكرية. على الجانب الاخر فان موقف الولايات المتحدة ودول حلف الناتو القائم على الاكتفاء بالضربات الجوية والصاروخية كان ينطلق من خشية دول الناتو وبالذات الولايات المتحدة من وقوع خسائر ضخمة في صفوف القوات الغربية المشاركة, وهو ما يصادف حساسية شديدة في اوساط الرأي العام الغربي, ومن ناحية اخرى فانه حتى لو افلحت دول حلف الناتو في تخطي هذه العقبة فان مشاركة قوات برية في العمليات المضادة ليوغسلافيا قد تؤدي لتوسيع نطاق الصراع المسلح بحيث تمتد الى منطقة البلقان بأسرها, من دون الاقتصار على يوغسلافيا وحدها. ويكمل احمد ابراهيم انه ولهذه الاسباب ظلت دول الناتو ترفض بشدة خيار التدخل البري في كوسوفو, الا ان هناك العديد من المتغيرات التي يمكن ان تطرح هذا الاحتمال بقوة خلال الفترة المقبلة , اهمها انه بات واضحاً ان الضربات الجوية والصاروخية غير كافية على الاطلاق لتحقيق الاهداف التى وضعتها دول الحلف, مما يجعل مصداقيتها محل تهديد خطير, الامر الذي يمكن ان يتيح للرئيس اليوغسلافي تحقيق انتصار سياسي في هذه المواجهة. ويشير احمد ابراهيم الى ان هناك العديد من العوامل التي يمكن ان تسهل عمليه التدخل البري وابرزها انه اذا نجح الحلف في القضاء على الفاعلية القتالية للقوات اليوغسلافية من خلال الضربات الجوية والصاروخية, فان ذلك يمكن ان يجعل التدخل البري مأمونا, بالاضافة الى ان الموقف الروسي والدولي يعتبر هاماً في مسألة التدخل البري في كوسوفو, فاذا تمكنت الولايات المتحدة من ضمان سكوت روسيا فان ذلك يمكن ان يكون عاملاً مشجعا في هذا الشأن, وفي جميع الاحوال فان التدخل البري سوف يكون في حالة حدوثه قاصراً على التدخل الاطلسي في اقليم كوسوفو عبر الاراضي الالبانية, ولن يستهدف الاطاحة بنظام ميلوسيفيتش بقدر ما يستهدف حماية الالبان في كوسوفو مع عدم المساس بالتكامل الاقليمي للدولة اليوغسلافية. القاهرة ــ صالح الفتياني اللواء طلعت مسلم