لا يزال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي تمكن من البقاء في الساحة السياسية الدولية رغم الصعوبات, يمثل رمزا للتاريخ الفلسطيني المعاصر بكل تطلعاته . فبعد أن كان عرفات لسنوات عديدة في نظر الكثيرين رمزا للصراع الفلسطيني الاسرائيلي أصبح يمثل الان المسعى الفلسطيني للتصالح مع من كان في السابق عدو الفلسطينيين اللدود. ورغم أنه كان دائما الزعيم الذي ثار حوله الجدل غير أنه تمكن بشكل أو بآخر في السنوات الثلاثين الاخيرة من الاحتفاظ بالسلطة والتغلب على العقبات والتصدي لمتحديه حتى عندما بدا سقوطه مؤكدا. والان أصبح عرفات الذي يعرف على المستوى العالم العربي باسمه الحركي أبو عمار, يقترب من قيادة الفلسطينيين إلى حلمهم الاسمى وهو قيام دولة مستقلة. وقد يظل الغموض يغلف الكثير من الامور التي تحيط بالقائد الثوري الذي تحول إلى رجل دولة. وشكل عرفات حركة فتح في أواخر الخمسينات وقادها إلى واجهة الصراع الفلسطيني وإلى ان تصبح الحركة التي تقود رسميا منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969. وأثبت عرفات من خلال هذا الدور قدرته الغريزية على البقاء وحنكته السياسية الحادة وقاد بشكل شبه منفرد مأساة الفلسطينيين من الغموض إلى مقدمة الضمير العالمي. ورأى الفلسطينيون ومؤيديهم في كافة أنحاء العالم الوسيلة الممتازة لتعبير الفلسطينيين عن الذات في إيماءات وكلمات عرفات والعلامات التي تميزه وهي الكوفية واللحية وزيه العسكري البالغ الترتيب والمسدس الذي يحمله في حزامه. واستطاع عرفات الخروج من الحرب الاهلية التي عرفت باسم أيلول الاسود عام 1970 والتي قمع خلالها الجيش الاردني المقاتلين الفلسطينيين الذين كانوا يتمركزون في الاردن. ورغم حملات ضد اسرائيل والطيران العالمي شنتها فصائل فلسطينية لكن عرفات كسب الرأي العالمي للقضية الفلسطينية عندما ألقى كلمة أمام الامم المتحدة في عام 1974. وقال في كلمته تلك إنه يحمل غصن زيتون وبندقية المقاتل من أجل الحرية ودعا الحاضرين إلى ألا يدعوا غصن الزيتون يسقط من يده. وكان ذلك بداية إصلاح تدريجي للسياسة الفلسطينية مكنتها من الانتقال من ميثاق عام 1968 الذي يدعو إلى التدمير الكامل لدولة إسرائيل إلى إعلان المبادئ عام 1993 (اتفاق أوسلو) التي ألزمت فيه منظمة التحرير الفلسطينية نفسها بالتعايش مع الدولة العبرية وحل الخلافات بالطرق السلمية. غير أن هذه الرحلة كانت مملوءة بالعنف كان أشدها المشاكل التي وقعت في لبنان عندما أقامت منظمة التحرير الفلسطينية (دولة ضمن دولة) . فقد تعرضت المنظمة أولا للطرد من لبنان على أيدي القوات الاسرائيلية التي اجتاحت البلاد عام ,1982 وأخيرا الانشقاقات التي أضعفت حركة فتح كبرى فصائل المنظمة.إلا ان عرفات تمكن بشكل ما من الصمود بفعل الدعم العربي. وعزز من موقف عرفات الانتفاضة التي بدأها فلسطينيو الداخل ضد الاحتلال الاسرائيلي في الاراضي المحتلة في أكتوبر من عام 1987. ودفعت الانتفاضة عرفات إلى الاعلان الرمزي في تونس نوفمبر 1988 عن قيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن فصلا جديدا قاتما بدأ في قصة منظمة التحرير الفلسطينية بعد انحياز عرفات إلى جانب العراق في حرب الخليج عام 1990 وفشل الانتفاضة في تسجيل تغير سياسي كبير على الارض. ويعتقد عدد كبير من المراقبين أن تلك كانت نقطة الضعف التي أجبرت عرفات على قبول المقترحات الاسرائيلية للتوصل إلى تسوية مبنية على إقامة أولية للحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق في غزة وأريحا. وعاد الرجل, الذي قال أعداؤه وحتى مؤيدوه مرات عديدة أنه انتهى, إلى غزة منتصرا في يوليو عام ,1994 وفي انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في ينايرعام 1996 انتخب عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية بعد أن كسب 89 في المائة من الاصوات.