بذور نضج التجربة: دلالات الانتخابات وتراجع الايديولوجيا الحزبية: بقلم- د. محمد وقيع الله

لم يكن الغرض من اطلاق حرية الاحزاب السياسية, وانشاء النظام الانتخابي, ان تتحول تركيا في النهاية الى دولة ديمقراطية, انما صمم نظام التعددية السياسية كديكور للجهاز السياسي الاوتقراطي التركي الحاكم, والذي بدأ يشكل بشموليته احراجاً عميقا للانظمة الديمقراطية ــ الاوروبية المتحالفة مع تركيا. لذا ضغط الامريكان في سبيل البدء بمظاهر شكلية ديمقراطية بتركيا عقب الحرب العالمية الثانية. واذا كان الضغط الامريكي على اليابان قد افلح في ظرف عقد واحد من السنوات, عقب الحرب العالمية الثانية, في تشكيل نظام ديمقراطي حقيقي في اليابان, لا يتمتع الجيش بأي وسيلة ضغط عليه, فان ذلك لم يتحقق في تركيا, لان الحلفاء لم يقصدوا ان ينشؤوه أصلا, انما كان المطلوب نظام ديمقراطي شكلي, يرعاه الجيش, ويوجهه, كما بدا الامر في دول اخرى. التحول غير المطلوب انسياقا مع تلك الحقيقة القديمة اراد حراس النظام الديمقراطي من العسكر, ان يجمدوه بلا تطور, ليبقى في جوهره على ما ابقاه عليه اتاتورك, وتبعا لذلك استمر حزب الشعب الجمهوري يؤدي دور الواجهة الوفية التي تمضي ارادة المؤسسة العسكرية, التي ظلت منبعاً للايديولوجيا الاتاتوركية الصارمة, التي وضعت نصب عينيها انجاز هدف التحديث والتغريب, ونقل تركيا من عالم ما قبل الحداثة, الى حداثة اوروبية ولكن بغير ديمقراطية! غير ان تكرار الممارسات الانتخابية الشكلية, اخذ يجر بالتدريج الى ممارسات شبه ديمقراطية, والى تفاعلات وتحولات في الرأي العام, حول القضايا الكبرى التي لم يترك امر انجازها للجيش منفرداً, ذلك مع ملاحظة ان الجيش التركي يتمتع باحترام الشعب وثقته, الى حد كبير, ولعل ذلك يرجع في الاصل الى ولع الاتراك, بـ (العسكرتاريا) وما تجسده من بطولات, والى احساسهم التاريخي بضرورة وجود جيش قوي يحمي الوطن, وهو الاحساس الذي ما برح يتعمق ويتطور منذ ان ألمت بتركيا اقدار الانحلال وما لحق بها من هزائم قبل وبعد الحرب العالمية الاولى. الى جانب الجيش اخذت تنشأ احزاب سياسية قوية. وهي وان كانت ما تزال تحذر الجيش وتخشى بطشه, وتلجأ الى مهادنته, ومصانعته, ولا تفكر مطلقا في تحديه او مقاومته, حتى عندما يتعدى حدوده الدستورية, ويتدخل تدخلا سافراً في مواجهة العمل السياسي, الا انها مع ذلك ظلت تواصل نموها, ولم تفلح محاولات الجيش في لجمها او اجهاضها او وأدها, رغم انه اضطر مرتين لتنفيذ الانقلاب على الوضع السياسي برمته, والتهديد بانقلاب ثالث في العام الماضي وهو الانقلاب الذي حال دون تنفيذه الضغط الدولي. ورغم استبسال الجيش في ضبط الوضع السياسي في الاطار الفكري الكمالي الا ان الايديولوجية الاتاتوركية, ممثلة في حزب الشعب الجمهوري ظلت تتراجع (وان ظلت حية في اوساط الجيش) , وقد كانت تلك هي ابلغ الدلالات التي كشفت عنها الانتخابات الاخيرة, ومع ذلك فهي لم تستوقف اكثر المحللين, لقد فقد حزب الشعب الجمهوري جدواه السياسية, اذ تحول من حزب اوحد او حزب... حاكم, او غالب, ايا كانت التسميات, الى حزب معارض, وان استهوتنا تلك التسميات مرة اخرى, فقد اصبح حزب معارضة غير برلمانية, كما يحلو لبعض الاحزاب التي تحتضر, ان تفتخر, وتعلن انها موجودة ولو في هامش المسرح السياسي, او خلف ستائره! لم يتمكن حزب الشعب الجمهوري بكل تاريخه, الذي هو تاريخ تركيا الحديثة, وبكل بقايا الجحفل من كوادره المناضلة, ان يحصل على 10% من أصوات الناخبين, وهو الحد الادنى الذي يكفل له ان يتمثل بالبرلمان, وخبت بالتالي اطروحاته التأسيسية, ذات الصبغة العلمانية الصارخة, التي تفوق كل علمانيات اوروبا, والتي يمكن ان تسمى عن جدارة بأنها كانت (ستالينية يمينية) اصطلى بها الشعب التركي نصف قرن من الزمان.. ولازم ذات القدر من الفشل حزب تركيا الديمقراطي, الذي أحياه رئيس الجمهورية, سليمان ديميريل, ورأس عليه جيندروق, ليؤدي نفس الدور. البحث عن المشترك اما احزاب الايديولوجيا الاخرى كحزب الوطن الام, وحزب الطريق المستقيم التي حازت مجتمعة على 40% من اصوات الناخبين, في انتخابات عام 1997, فقد تراجعت نسبتها, لتصل الى 27% من أصوات الانتخابات الاخيرة.. فشل حزب الام لانه اعلى نداء الايديولوجيا الى اقصى حد, متناسيا القضايا الواقعية العملية الاهم. لقد كان الحزب يتقرب الى العسكر بالمزايدة بحرب الاسلام, ولاجل ذلك خاض عراكاً عنيفا ضد مظاهر دينية شعبية عادية, ظن انها ذات صلة بحزب الرفاة السابق, فجلبت عليه تلك المعارك سخط الشعب وانعكس ذلك على نصيبه من انتخابات هذا العام. هذا مع ملاحظة ان حزب الرفاة سابقا, (وحزب الفضيلة حالياً) , مع انه تكوين ايديولوجي في الاساس, الا انه يتجنب اعلاء شأن الايديولوجيا, خوفا من العسكر من جانب, ومراعاة للمزاج العام النافر من الايديولوجيا من جانب اخر, لم يطالب اي من حزب الرفاة او الفضيلة بقيام دولة اسلامية في تركيا, او تطبيق الشريعة الاسلامية, او حتى اعتبار الشريعة مصدراً من مصادر التشريع, كما تطالب الاحزاب والحركات الاسلامية في بقية انحاء العالم الاسلامي, فمطالبات مثل تلك في تركيا تعتبر مطالبات ايديولوجية عالية الصوت, وغير مأمونة المردود, والرأي العام في قطاعه العلماني, ومعظم النخبة السياسية غير مهيأة اصلا لسماع خطاب مثل ذلك, فضلا عن مناقشته, او الاستجابة اليه. وهكذا تعمد حزب الرفاة, ويتعمد حزب الفضيلة, الان الا يستفز احدا, ولا يأتي بخطاب جديد واتجه عوضا عن ذلك الى تفعيل وتحريك المبادئ المشتركة التي تجمعه بالاخرين وهي السياسة التي سماها احد قادة الحزب بسياسة مبادئ واصول الفطرة. ولكن عسكر تركيا المستفزين بطبيعتهم, اثاروا في وجهه, وفي وجه المجتمع قضايا ازياء النساء وكأنها قضايا سياسية كبرى, تهم الامن القومي. والان فان العسكر قد جنوا ثمار اثارتهم لتلك القضايا التي لم تكن قضايا كبرى في منظور اصحاب الشأن (حزب الفضيلة) ولكنها اصبحت كبرى لما عدها العسكر كذلك.. فها هما سيدتان محجبتان تقتحمان البرلمان, ولا يدري العسكر ولا الكماليون القدامى ما هم فاعلون ازاءهما! ربما ادى ظهور السيدتين بالحجاب في البرلمان التركي الى نشوب معركة صغيرة يضخمها الغلو, والغريب ان احدى السيدتين لا تنتمي الى حزب الفضيلة وانما الى حزب الحركة القومية, وهي نسرين اوتال التي فازت عن دائرة انتاليا, والاغرب انها لم تجعل من موضوع حجابها موضوعا ذا بال في حملتها الانتخابية, ولم يثر اي جدل جدي حوله بين ناخبي تلك الدائرة, ولكن ربما يثار ذلك الجدل لاحقا, بكثافة, ومن قبل من لا يعنيهم الامر اي من قبل العسكر, وكهنة الكمالية القدامى, وذلك مع انه جدل لا يسنده اي منطق قانوني, اذ ان المادة 56 من لوائح البرلمان التركي, لا تشير في شأن زي المرأة الى موضوع غطاء الرأس من عدمه, لانها ركزت على شكل الرداء والازار من دون الخمار, الذي لم يكن امر قدومه الى حيز البرلمان وارداً في الحسبان. ان دلالة بروز سيدة محجبة من حزب الحركة القومية دلالة هامة اخرى من دلالات الانتخابات التركية الاخيرة, اذ ان ذلك الحزب رغم علمانيته, الا انه لا يعادي الدين, شأن حزب الوطن الام, والاحزاب المتشددة الاخرى, وهي دلالة على اقتران النجاح في الانتخابات الاخيرة بالانحسار الايديولوجي للاطروحات الصارخة, فقد آثر الحزب ان يضم وجوها دينية غير صارخة, كما اثر ان يطعم برامجه ببعض الشعارات الاسلامية العامة شأن (بسم الله) و(الله اكبر) وذلك من غير ما تركيز على برامج او وعود دينية.. وربما اكتفى بعدم التصادم مع ضمير الشعب التركي المسلم كسياسة عامة له متفاديا بذلك حماقات وتهور كل من حزب الشعب الجمهوري, والوطن الام, وحزب تركيا الديمقراطي. الورقة القومية سمة واحدة من سمات الايديولوجيا ينتظر ان تنحسر او تعتدل بمرور الزمن, في تيار حزب الحركة القومية, وهي سمة الغلو ضد الاكراد. فما زال الحزب يرفض مجرد الاعتراف بوجود قومية منفصلة خاصة بالاكراد. وربما كان ذلك الانكار فرعا من ايمان الحزب بالقومية التركية الكبرى التي تضم العناصر ذات الاصول التركية من اسيا الوسطى, الى اوروبا الوسطى, وحزب يحمل تلك النزعة ويطمح الى تأسيس امبراطورية كبرى, من الطبيعي ان يحمل شعوراً سلبيا تجاه الاقليات, التي تزمع الانسلاخ عن الوطن الام.. ولكن من الناحية الواقعية فلابد ان يذعن الحزب بمرور الزمن, وامام تصاعد نضال الاكراد, الى الامر الواقع, ويستجيب لمطالب الاكراد العادلة, ويصل معهم الى حل وسط مقبول. ومن الغريب ان الحركة الكردية, وبعكس توقعات الكثيرين, لم تحقق انتصارات تذكر في الانتخابات البرلمانية الاخيرة, وقد تناقصت نسبة الاصوات التي نالها حزب الشعب الديمقراطي الكردي هذا العام, رغم ان عددها بقي شبه ثابت على مستوى انتخابات 1995. وذلك دليل اخر على ان الطرح الحاد للفكر والمطالب هو قرين الفشل او التراجع, وما لم يصل حزب الشعب الكردي الى نقطة وسط مقبولة فربما صعب عليه لعدة دورات ان يصل الى عتبة البرلمان. تلك هي بعض ابرز دلالات الانتخابات التركية الاخيرة, وفيها بذور النضج الموعود للتجربة الديمقراطية التركية بعكس ما اراد لها مصمموها ان تظل على الدوام في حالة تخلف وارتداد وقصور.

طباعة Email