منذ مطلع التسعينيات ولاسيما بعد حرب الخليج الثانية تشهد العلاقات التركية الاسرائيلية تطورات متسارعة في مختلف الاتجاهات وخاصة على الصعيد العسكري حيث بلغ التعاون بين الجانبين ذروته بعقد اتفاق التعاون العسكري الذي تم التوصل اليه بينهما في عام 1996 والذي شكل منعطفاً خطيراً بالنسبة للعلاقات التركية العربية حيث اظهر الى العلن ما كانت المؤسسة العسكرية الحاكمة في تركيا تحاول اخفاءه بغية الحفاظ على المصالح التركية. واذا اردنا ان نستقصي الطبيعة الحقيقية للعلاقة التركية الاسرائيلية واهداف التحالف التركي الاسرائيلي لابد لنا ان نشير اولا الى ان العلاقات التركية الاسرائيلية ليست جديدة وانما هي علاقات قديمة تعود الى المراحل الاولى من اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948 حيث تعتبر تركيا اول دولة اسلامية تعترف بهذا الكيان كما ان العلاقة بين الطرفين يمكن ارجاعها تاريخيا الى ما قبل اقامة الكيان الصهيوني. اذ تنبهت الحركة الصهيونية منذ عهد زعيمها تيودور هرتزل الى مدى اهمية تركيا بالنسبة للعالمين العربي والاسلامي. وهو ما دفع بهرتزل الى القيام بمحاولات لأخذ موافقة السلطان عبدالحميد على اقامة كيان يهودي في فلسطين وهي محاولات باءت بالفشل حيث رفضها السلطان التركي لاعتبارات سياسية تتعلق بالامبراطورية العثمانية. وكان موقف السلطان عبدالحميد هذا سبباً في تركيز اليهود الصهاينة عليه للتخلص منه مستفيدين من بعض التيارات والحركات والتنظيمات السياسية التركية التي تناغمت مع الحركة الماسونية ولعبت دوراً كبيراً في تمكين اليهود من التغلغل في المفاصل الرئيسية للامبراطورية العثمانية خاصة بعد سقوط السلطان عبدالحميد. يقول الكاتب اليهودي اورام غالنتي في كتابه (الاتراك واليهود في عهد الحرية) ويقصد هنا بالطبع العهد الذي تلا سقوط السلطان عبدالحميد, يقول هذا الكاتب الصهيوني: ارادت الماسونية ان تنتفع من اطلاق الحريات, لذا قام الدكتور اليهودي جاك سهامي باقتباس مبادئ الشرق الاعظم الفرنسي ومبادئ المحفل الاكبر الانجليزي وكتب أسس الماسونية باللغة التركية واتبعها بكتابات كثيرة عن الماسونية. ويمضي الكاتب الصهيوني قائلاً لقد افاد اعضاء جمعية الاتحاد والترقي التي اسقطت السلطان عبدالحميد من انتسابهم الى الماسونية حيث ضمت الجمعيات الماسونية عدداً كبيراً من الاجانب وهؤلاء كانوا يتمتعون بامتيازات من الحكومة تجعلهم قادرين على حماية اعضاء الجمعية والمساعدة في نقل مطبوعاتهم ومنشوراتهم من مكان الى اخر وفتح منازلهم لاجتماع اعضاء جمعية الاتحاد والترقي. وبدراسة متمحصة لهذه المرحلة من التاريخ التركي نكتشف بسهولة مدى الاختراقات الصهيونية للنسيج السياسي والاجتماعي في الامبراطورية العثمانية التي كانت تسيطر على الوطن العربي كما ان التغلغل اليهودي الصهيوني في تركيا قبل وبعد سقوط الامبراطورية العثمانية يفسر لنا سبب العلاقات الوطيدة بين الكيان الصهيوني وتركيا حيث نسجت تركيا علاقات مميزة مع هذا الكيان منذ اللحظة الاولى لاعترافها به في الحادي عشر من مايو عام 1949 كما ان الرئيس التركي انذاك عصمت اينوتو لم يتردد في اعلان امله في ان تكون هذه الدولة اي (اسرائيل) عامل امن واستقرار في الشرق الاوسط متناسياً ان هذه (الدولة) اقيمت اصلاً على العدوان والجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني. ويمكن القول ان السياسة التي اتبعتها تركيا تجاه الكيان الصهيوني لم تحددها المصلحة التركية بمقدار ما حددها اللوبي اليهودي المتنفذ في هذا البلد الاسلامي. ولتبيان مظاهر التغلغل اليهودي في تركيا لابد لنا من القاء نظرة سريعة على ابرز المجالات التي تغلغل فيها العنصر الصهيوني, ففي حركة حزب الاتحاد والترقي في اواخر عهد الامبراطورية العثمانية اندس فرع القابانجية من يهود الدونمة في خلايا الحزب واداروا الجزء الاكبر من انقلاب تركيا الفتاة الذي اطاح بحكم السلطان عبدالحميد الثاني وافسح المجال لجمعية الاتحاد والترقي والحكم العلماني, ومن ابرز اسماء الدونمة في الحياة السياسية التركية في بدايات هذا القرن (قراصو) عضو اللجنة التي قابلت عبدالحميد لخلعه كما ان هذا اليهودي كان المسؤول عن اثارة الشغب ضد السلطان لتهيئة الفرصة لعمل الجمعية (الثوري) وهو ذاته الذي باع ليبياً لايطاليا بعد ان خان دولته نظير رشوة من الايطاليين. ومن الاسماء الاخرى البارزة ايضا من يهود الدونمة مصطفى عارف احد وزراء داخلية الاتحاد والترقي ومصلح الدين عادل كان مستشاراً لوزارة التعليم التركية وأحد اساتذة الحقوق, كما تغلغل يهود الدونمة في الحياة الاعلامية في تركيا ولاسيما عائلة ايبكجي التي غنمت بامتيازات ضخمة في المجال الاعلامي ومن ابنائها عبدي ايبكجي الذي تولى عام 1964 ادارة تحرير جريدة مليت الصباحية كما ترأس نقابة الصحفيين الاتراك وكان لعبدي ايبكجي شهرة عالمية ايضا اذ انه كان عضواً بمجلس ادارة معهد الصحافة في زيورخ (اي بي اي) المعروف بسيطرة اليهود عليه. ويمتلك اليهود ايضا جريدة حريت وهي من الصحف المعروفة في تركيا وجريدة (كون ايدين) وجريدة جمهوريت وغيرها من الصحف مثل جريدة بوليتيكا التي أسسها اسماعيل جيم وهو يهودي من الدونمة وكما هو الحال في الصحف فقد سيطر اليهود الصهاينة ايضاً على اجهزة الاعلام الاخرى مثل الاذاعة والتلفزيون ولهذا كان من الطبيعي ان تدافع الاجهزة الاعلامية الخاضعة للدونمة عن اسرائيل وتبرر اعتداءاتها على العرب, كما ان هذه الاجهزة الاعلامية نجحت في تشكيل رأي عام تركي مؤيد (لاسرائيل) وغير متعاطف مع العرب. ولم يتوقف اليهود عند استغلال الاجهزة الاعلامية التركية لنشر الدعاية الصهيونية وانما تسللوا كذلك الى عالم الادب حيث ان ابرز شخصية نسائية في الادب التركي يهودية من الدونمة هي خالدة اديب استطاعت من خلال صلاتها الشخصية بجمال باشا حاكم سوريا العسكري في الحرب العالمية الاولى وأحد قادة الاتحاد والترقي ان تفرض وهي مديرة مدرسة البنات في بيروت تمثيل اوبرا (رعاة كنعان) التي كانت من تأليفها والتي سجلت فيها تمنياتها بقيام دولة يهودية في فلسطين ومعروف عن خالدة اديب ايضا عداءها الشديد للمسلمين والاسلام. واذا عدنا الى الفترة التي شهدت تبلور العنصرية الطورانية في اواخر الحكم العثماني نستطيع ان نجد الكثير من الاسماء اليهودية التي ساهمت في التخطيط للسياسة العنصرية الطورانية هذه, امثال موئيز كوهين الذي بدأ نشاطه الدعائي للعنصرية الطورانية بمقال نشره في عام 1912 بعنوان (الاتراك يبحثون عن روح قومية) . كما ان كوهين تنقل بين العديد من المناصب التركية الى ان وصل في عام 1946 عضواً في المجلس الاقليمي لحزب الشعب الجمهوري لمدينة استانبول قبل ان يرشح في عام 1950 ليكون عضواً في مجلس الامة. وبطبيعة الحال فإننا سنجد الكثير من الامثلة على تغلغل الصهاينة والفكر الصهيوني في تركيا اذا حاولنا البحث في تاريخ ظهور التعصب القومي الطوراني الذي قاد الى الصدام بين العرب والعثمانية وبالعودة الى عام 1916 وهو تاريخ انفجار الثورة العربية الكبرى نرى ان المرحلة الممتدة بين عام 1916 وعام 1952 تاريخ انضمام تركيا رسميا الى حلف الاطلسي كانت تتسم بموقفين متعارضين فقد اتجه الكثير من العرب الى انتقاد التوجه الراديكالي لتركيا وخروجها من الدائرة الاسلامية وبروز النزعة الطورانية التعصبية وما رافقها من عداء موجه الى العرب اضافة الى تكشف المطامع التركية في اجزاء من الاراضي السورية والعراقية في حين اعتبر الاتراك ان قيام العرب بثورتهم يمثل طعنة لهم وهكذا راحت المسافة تتسع اكثر فاكثر بين العرب والاتراك. وبعد انجراف تركيا الى لعبة الغرب وانضمامها الى حلف شمال الاطلسي اخذت الحكومات التركية المتلاحقة في اقامة محاور وتحالفات شرق اوسطية موالية للغرب كحلف بغداد الذي اريد له ان يكون محوراً يواجه مصر وسوريا خصوصاً بعد اعلان الوحدة بينهما واحكام الطوق على الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية انذاك. ويمكن القول ان الموقف العربي من تركيا في فترة الستينات ادى الى بعض التغيير في السياسة التركية تجاه العرب ولاسيما بعد عدوان الخامس من يونيو عام 1967 حين دعت انقرة الى انسحاب القوات الاسرائيلية المحتلة انطلاقا من حساباتها التي تأخذ بعين الاعتبار مصالحها في الوطن العربي. واذا كان الموقف التركي قد انحصر في الطابع الكلامي فقط الا انه ورغم ذلك بادل العرب الموقف التركي بايجابية عندما ساندت بعض الدول العربية الموقف التركي خلال ازمة قبرص ولكن انقرة عادت للاندفاع بقوة نحو الغرب في فترة الثمانينات بتشجيع قوي من المؤسسة العسكرية التركية المؤيدة للعلمانية وتغريب تركيا. وفي اوائل التسعينات وجدت انقرة نفسها امام دافع جديد اغراها بطرح فكرة العثمانية الجديدة حيث طرح انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية مغريات امام تركيا التي تبحث عن دور اقليمي في الشرق الاوسط. وهكذا نرى انه ما ان تفكك الاتحاد السوفييتي حتى طرح الرئيس التركي تورغوت اوزال فكرة العثمانية الجديدة. خاصة وان الانهيار السوفييتي جعل من تركيا الدولة الاكثر قوة في محيطها من حيث الكتلة السكانية والمميزات الجيوسياسية. كما اتاح سقوط الصرح السوفييتي آفاق واسعة امام انقرة مما دعاها الى طرح مبادرات ذات طابع اقليمي كالمبادرة التي طرحها اوزال باسم مشروع اقامة منطقة تعاون اقتصادي للدول المطلة والقريبة على البحر الاسود. واذا اخذنا بعين الاعتبار الاثار التي تركتها حرب الخليج الثانية نرى ان انقرة وجدت نفسها بعد هذين الحدثين الكبيرين مؤهلة لان تلعب دوراً اقليمياً اكبر ولكنها في الوقت نفسه تحتاج لمن يساعدها في تنفيذ مقومات هذا الدور ولذلك وبحكم علاقاتها المميزة مع (اسرائيل) رأت ان دخول البوابة الاسرائيلية وتبادل المصالح بينها وبين الاسرائيليين هو الطريق الانسب لتحقيق ما تصبو اليه خاصة وان (اسرائيل) لم تتردد في اقتناص الفرصة التي اتاحها لها انهيار الاتحاد السوفييتي للتسلل الى مناطق كانت خاضعة للهيبة السوفييتية وهنا يبدو ان المصالح التركية والاسرائيلية اتجهت لتشكيل محور يراد به مواجهة محاور محتملة قد تتشكل بين العراق وسوريا وايران واستخدام (اسرائيل) العلاقة مع تركيا كجسر تعبر فوقه الى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة فيما يستخدم الطرف التركي (اسرائيل) معبراً الى الاسرة الاوروبية بالاعتماد على المساندة التي يأمل الاتراك في الحصول عليها من اللوبي الصهيوني في الدول الاوروبية والولايات المتحدة وهكذا تعززت وتطورت العلاقات التركية الاسرائيلية بشكل خطير حيث تزايدت اللقاءات السياسية والعسكرية بين الجانبين وصولا الى الاتفاق العسكري الذي وقعه الطرفان في الثالث والعشرين من فبراير عام 1996 والذي يتضمن اجراء مناورات وتدريبات مشتركة وانشاء ما سمي بالمنتدى الامني للحوار الاستراتيجي بين تركيا و(اسرائيل) بهدف رصد الاخطار المشتركة التي تهدد امن الطرفين واقامة آلية مشتركة لمواجهة هذه الاخطار, كما تضمن الاتفاق بنداً يتيح للكيان الصهيوني نصب اجهزة تنصت في الاراضي التركية لرصد تحركات عسكرية في المنطقة بالاضافة الى اعطاء اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية امكانية القيام باعمال التجسس وجمع المعلومات بالوسائل الالكترونية الحديثة. مقابل تعهد الكيان الصهيوني بتزويد تركيا بمعلومات وصور الاقمار الصناعية الاسرائيلية لاستخدامها في مواجهة نشاط حزب العمال الكردستاني. وفي اطار التعاون العسكري ايضا يقوم الكيان الصهيوني بتحديث واسع للطيران الحربي التركي بدعم مالي من الولايات المتحدة. واذا كان هذا الاتفاق طبيعيا بالنسبة لحليفين يعتبران نفسيهما في خندق واحد فان ما يبدو مفارقة حقيقية هو ان هذا الاتفاق عقد في وقت ماتزال فيه عملية التسوية قائمة باشراف الولايات المتحدة رغم العثرات التي تعترضها. واذا كانت تركيا قد حاولت الايحاء بان اتفاقها العسكري مع الكيان الصهيوني لا يستهدف دولاً اخرى في المنطقة الا ان ما جرى بعد هذا الاتفاق ووضعه موضع التنفيذ لا يترك مجالاً للشك بانه عبارة عن تحالف عسكري حقيقي تتجاوز اهدافه حدود العلاقة بين الطرفين اذ ثبت استخدام القوات التركية التي تتوغل في الاراضي العراقية لخبراء وضباط اسرائيليين, كما ان الدور الذي لعبته الاستخبارات الاسرائيلية في قضية اعتقال عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني عبر العديد من الدول يثبت هو الاخر ان هناك محوراً اسرائيلياً تركياً يهدف الى وضع المنطقة بين فكي كماشة وهو ما دعا الكثير من الدول العربية الى التوجس من الاهداف المرسومة لهذا الحلف الجديد ولاسيما سوريا والعراق اللتان تتعرضان بين حين واخر لابتزاز تركي عبر ورقة المياه. اخيرا ان ما يمكن استنتاجه من التعاون الاسرائيلي التركي هو ان العثماني الذي انتهى عهده بعد قيام الثورة العربية الكبرى يسعى للعودة الى المنطقة من جديد عبر تحالف عسكري مكشوف بين دعاة الطورانية الجديدة والحركة الصهيونية. كاتب فلسطيني