مشكلة تركيا المزمنة هي ازدواجية الانتماء. او بمعنى اصح استحالة الانتماء المزدوج لاوروبا وآسيا والصراع الازلي بين القوى التي تدفع في هذا الاتجاه او ذاك .. ويزيد من حجم هذه الاستحالة ان اي من الاتجاهين لا يعني فقط خيارا له اسبابه ونتائجه, وانما يعنى نفياً قاطعا ومباشرا للاتجاه الاخر بكل ما يعنيه ذلك من تناقضات لا نهاية لها, تتضح معالمها في الفروع, كما يمكن ان تمتد بأصولها الى أعمق الجذور.. ولقد كان هذا الصراع بين (الدفع الاسيوي) و(الجذب الاوروبي) موجوداً ومؤثرا في تاريخ تركيا قبل سنوات طويلة من الثورة الكمالية. بل يمكن القول انه بدأ في اللحظة التي عبرت فيها قوات السلطان محمد الفاتح مضايق الدردنيل وفتحت القسطنطينية حاضرة الامبراطورية الرومانية الشرقية.. ولعل من ابلغ الآيات على مولد الاتجاه الاوروبي في ذلك الحين ان سلاطين آل عثمان نقلوا عاصمتهم الى القسطنطينية بعد ان غيروا اسمها الى الاستانة او اسطنبول.. واصبحت حاضرة دولة الخلافة الاسلامية في اوروبا.. ومع عنفوان الزحف العثماني في أحشاء اوروبا حتى وصلت جيوش بايزيد الى ابواب فيينا لم يكن هناك تناقض ظاهر بين المد الاسيوي والتراجع الاوروبي. بل كان كل منهما هو الوجه الاخر لصورته.. وكانت النتيجة في النهاية هي فرض الحضارة والتقاليد والقيم القادمة من وسط اسيا على الاصقاع المفتوحة من اوروبا.. وليس هذا مجال الحديث عن مدى نجاح عملية (اتركة) شرق اوروبا على طول ما يقرب من خمسة قرون. ولكن يكفي القول بأن هذه العملية وقد بدأت بداية قوية جدا في اعقاب فتح القسطنطينية الا انها اخذت تفقد قوتها الدافعة مع الوقت, ومع تنامي المقاومة الطبيعية ضد (الاتراك الغزاة) , ومع تفشي سوس الانحلال في بنية دولة الخلافة ذاتها.. الامر الذي ادى في النهاية الى هزيمة الامبراطورية العثمانية وتفككها في الحرب العالمية الأولى.. وهنا جاء دور الثورة الكمالية ــ نسبة الى كمال اتاتورك ــ تحت شعار (انقاذ ما يمكن انقاذه) .. غير ان (انقاذ ما يمكن انقاذه) لدى اتاتورك وشيعته لم يكن يعنى انقاذ ما بقي من انقاض الامبراطورية العثمانية, وانما انقاذ تركيا بحدودها المعروفة حالياً من تحت هذه الانقاض.. وكان ترجمة هذا عملياً هو قطع كل ما بين تركيا كمال اتاتورك وتاريخها كله بما في ذلك الخلافة العثمانية وروابطها الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية بآسيا اي الشرق والعالم العربي. لم تكن هذه عملية سهلة بأية حال من الأحوال بل لعلها كانت اشبه بعملية جراحية هائلة يستأصل فيها القلب والكبد والكلى والطحال بل والمخ ايضا ليوضع بدلا من كل هذا اجسام غريبة تتعرض لكل ما يتعرض له الجسم الغريب عندما يزج به في بيئة غير بيئته ووسط غير وسطه. وهذا ما فعله كمال اتاتورك. الذي مات في اواسط الثلاثينات قبل الحرب العالمية الثانية ولكن وصيته مازالت هي دستور الدولة التركية الحديثة, والذي يعتبر قادة الجيش التركي انفسهم حراسه والاوصياء عليه. لقد تطلب انتزاع تركيا من تحت انقاض الامبراطورية العثمانية المنهارة اجراءات شديدة التطرف. ربما كان اكثرها تطرفا وصعوبة هي انتزاع تركيا من جذورها الاسلامية وربما ايضا كان من شواهده نبذ الزي التركي (العثماني) وارتداء قبعة الغرب والغاء الحروف العربية واستبدالها بالحروف اللاتينية... غير ان هذا كله لم يكن سوى علامات على السطح اما ما هو تحت السطح فكان المحاولة التي استمرت اكثر من 75 عاماً لتحويل تركيا بالكامل الى دولة اوروبية مقطوعة الصلة بالماضي. والواقع ان هذه المحاولة كان لا يمكن ان تكلل بالنجاح, فان تقطع تركيا علاقتها بآسيا والخلافة العثمانية يعني ان تقطع علاقتها بكل جذورها, فتاريخ تركيا كله هو تاريخ الخلافة العثمانية وقبلها لم يكن الاتراك دولة وانما كانوا مجرد قبائل سلجوقية وطورانية وكردية متجولة في وسط اسيا حتى تم توحيدها لاول مرة على يد القائد القبلي ارطغرل ثم ولده عثمان الاول الذي سميت بأسمه امبراطورية آل عثمان. وهكذا رغم كل تدابير العنف والقمع التي استخدمها اتاتورك واتباعه فان الشعب التركي بقي في أعماقه مرتبطا بتاريخه الوحيد الذي يعرفه. وقد يكون من ابلغ الادلة على تمسك الاتراك بتراثهم الديني انه في المرة الاولى التي اتيح فيها للتيار الاسلامي ان يعبر عن وجوده في الانتخابات السابقة حظي حزب الرفاة الاسلامي بقيادة نجم الدين ارباكان على اغلبية نسبية اهلته للمشاركة في الحكم ورئاسة الحكومة رغم انف السلطة العسكرية (حامية حمى الدول العلمانية والوصية على تراث اتاتورك) . وحتى في الانتخابات الاخيرة, ورغم كل تدابير القمع السلطوية لمنع التيار الاسلامي من التعبير عن وجوده ورغم القرار التعسفي بحل حزب الرفاة وتقديم قادته للمحاكمة فقد فاز الحزب بنحو 16% من أصوات الناخبين بعد ان طرح نفسه تحت اسم اخر هو (حزب الفضيلة) ... وهذا يجرنا الى الانتخابات الاخيرة التي انتهت منذ أيام. فلم تكن المفاجأة الوحيدة هي حصول حزب الفضيلة على هذه النسبة الكبيرة من الاصوات رغم انف القبضة العسكرية على السلطة, وهي نسبة تجعله مشاركا قوياً في اتخاذ القرار سواء كان في الحكم او في المعارضة, وكانت المفاجأة الاكبر هي فوز حزب العمل القومي لاول مرة منذ ما يقرب من ربع قرن بالمرتبة الثانية لقائمة اصوات الناخبين مع انه لم يسبق له ان حصل على نسبة الــ 10% التي تؤهله للمشاركة في البرلمان. وحزب العمل القومي هو اشد الاحزاب التركية تطرفا الى اليمين وهو ايضا لا يخلو من لمحة تعصب ديني. وهو يدعو الى قيام امة تركية تضم كل اتراك العالم وخاصة اتراك اسيا الوسطى بالاضافة الى انه يعتبر الاكراد والازبكستانيين والتركمان والقرغيز والكزاخيين اعراقاً تركية وليسوا قوميات مستقلة. ومن ثم فهو يعادي على طول الخط اي اتجاه لإعطاء الاكراد اية امتيازات عرقية او قومية. وفيما يتصل بالانتماء لاوروبا او للغرب فان حزب العمل القومي اقام دعايته الانتخابية على أساس سحب تركيا طلبها للانضمام للاتحاد الاوروبي وداعيا بدلاً من ذلك الى قيام نظام شرق اوسطي يضم تركيا الكبرى والبلاد العربية واسرائيل على ان تكون القيادة بالطبع للاتراك. وقد لعب حزب العمل القومي على الاوتار العاطفية للناخبين عندما استنفر فيهم مشاعر الاعتزاز بالكرامة الوطنية نتيجة رفض الاتحاد الاوروبي اكثر من مرة لعضوية تركيا الذي تبذل فيه تركيا كل ما في وسعها من اجل ارضاء الغرب بما في ذلك ابرام اتفاقيات تعاون عسكري مع اسرائيل تكاد تصل الى مستوى التحالف ومن ذلك ايضا الحفاظ على التزاماتها ازاء حلف الاطلسي. المفاجأة الثالثة والجديرة بالانتباه هي خروج حزب الشعب الجمهوري من حلبة الصراع على مقاعد البرلمان حيث لم يحصل على نسبة الــ 10% اللازمة. ووجه المفاجأة هنا ان حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الذي اسسه مصطفى كمال اتاتورك بنفسه ليحمل لواء دعوته العلمانية. وبالرغم من ان نتيجة هذه الانتخابات لن تؤثر تأثيرا مباشراً في التوجهات الاساسية للعصبة العسكرية المسيطرة على السلطة في أنقرة الا انه يمكن القول انه لا ينتظر ان يتم تغيير جذري في موقف الاتحاد الاوروبي من تركيا. بل لعل الحكومة التركية الجديدة ستكون اقل حماساً في التماس عضوية الاتحاد الاوروبي الذي يبدو ان قادته يرحبون بوجود تركيا كتابع امين عن طريق عضوية حلف الاطلسي مثلا, ولكن ليس كشريك كامل العضوية. وفي مقابل ذلك قد تصبح تركيا اكثر ميلا لاسترضاء الولايات المتحدة الامريكية. وقد يكون من المؤسف جداً ان يكون التقارب مع اسرائيل هو وسيلة تركيا للتقرب من امريكا. ومع ذلك فلا يمكن القول بأن هذه قضية منتهية. وإنما دونها محاذير ينبغي على القيادة التركية ان تنتبه اليها والارجح انها سوف تجد معارضة غير هينة من جانب التيارات الدينية والقومية معاً. ولعلنا نلاحظ ان علاقات التعاون بين اسرائيل وتركيا لم ترق بعد الى مستوى التحالف الاستراتيجي, وان كان من المحتمل ان يكون هذا هو مسار تطورها الطبيعي ما لم تتغير الظروف والاحوال والعوامل المؤثرة. وما من شك ان جهود الاطراف العربية والاسلامية المحيطة بتركيا يمكن ان تؤثر جداً في مسار سياسة انقرة وما اذا كانت ستتخذ بعده اتجاهاً يستعيد اواصر تركيا الحديثة بالعالم الذي نبتت منه وتنتمي اليه, وانه يمكن ان يكون لها وزن اكبر لدى الغرب اذا كانت مدعومة ومؤيدة بروابطها التاريخية بالشرق. ان للعرب والمسلمين عامة مصلحة مؤكدة في ان يكون لتركيا دورها الكبير في مستقبل هذه المنطقة ولاشك ان تركيا لها ايضا نفس المصلحة. فالعرب يودون ان يساعدوا تركيا على تجاوز الازمة الكردية بما يكفل للشعب الكردي تحقيق امانيه القومية في الحكم الذاتي الذي يضع في الاعتبار الخصائص القومية للشعب الكردي الذي كان له دائما دوره المتميز في الزود عن الحضارة الاسلامية. وعندما تكون العلاقات التركية ــ العربية على المستوى المأمول فان اكثر المشاكل التي تهدد هذه العلاقات ــ مثل مشكلة مياه دجلة والفرات ـ ستجد حلها السريع بجرة قلم. اننا ــ معشر العرب والاتراك ــ نقف في النهاية في خندق واحد. هذه حقيقة يدركها العرب جيداً وكل ما نرجوه هو ان يدركها ايضا قادة تركيا ونحن على اعتاب القرن الحادي والعشرين.