رغم ان تركيا تعتبر من دول الجوار بالنسبة للمنطقة العربية, وهناك تاريخ طويل مشترك يمتد لاكثر من 12 قرنا كاملة يجمعها بدولها, وتراث حضاري وهوية اسلامية تربطها بشعوبها , فالملاحظ ان العلاقات التركية العربية تتسم دائما بوجود درجة من التراجع وعدم الاستقرار, هذه الدرجة زادت في الفترة الاخيرة وهو ما اثار الكثير من التساؤلات حول علاقة ذلك بما تم من توقيع تركيا لاتفاق عسكري واستراتيجي مع اسرائيل, والدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية التركية في استمرار هذا التراجع وزيادته, وهل كان لتراجع التيار الاسلامي عندما تم حل حزب الرفاه وتنحية زعيمه اربكان عن الحكم دوراً في هذا التراجع وعدم الاستقرار, واين موقع الملف الكردي فيما يحدث من تراجع في العلاقات التركية العربية. تكامل واضح د. زكريا حسين استاذ العلوم السياسية بجامعة الاسكندرية والمدير السابق لاكاديمية ناصر للعلوم العسكرية يرى بداية انه لكي نتحدث عن العلاقات التركية العربية لابد ان نتناول مجموعة الاشياء التي تؤثر فيها فمثلا لا يمكن اغفال ان التحالف الاستراتيجي العسكري التركي الاسرائيلي قد أثر كثيراً على طبيعة هذه العلاقات, وهذا التحالف يجب ان يتم النظر اليه من خلال نظام الشرق اوسطية الذي يتم الترويج له منذ فترة سواء رضينا كعرب ام لم نرض, فالغرب والولايات المتحدة ومعهم الصهيونية العالمية جادون في اقرار هذا النظام, وهناك تكامل واضح بين المصالح الامريكية العربية والصهيونية ممثلة في اسرائيل ويكفي ان نشير في هذا الصدد الى ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون قد زار اسرائيل ست مرات حتى الان.. هناك تخطيط يتم منذ فترة من جانب الولايات المتحدة والغرب تجاه منطقة الشرق الاوسط وتم الافصاح عنه بشكل مباشر في عهد رابين وبيريز وهو الخاص باعادة صياغة منطقة الشرق الاوسط وهذه الصياغة رأى المخططون انها ستعتمد على ركيزتين اساسيتين هما تركيا واسرائيل, فتركيا دولة قوية كبرى وعضو في حلف الناتو, واسرائيل لديها قدرات عسكرية هائلة وبمختلف انواعها التقليدية وغير التقليدية بالاضافة الى علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة الامريكية, كما ان الدولتين من وجهة النظر الامريكية الغربية تجمعهما بعض السمات مثل تمسكهما بالخيار الديمقراطي وحريصتان على المصالح الغربية في المنطقة, احداهما عضو في حلف الناتو, وقد ظهر حتى الان ان التحالف لن يقتصر على الجوانب العسكرية فقط بل سيمتد الى مجالات اخرى مثل التعاون في مجال المياه بان تقوم تركيا بامداد اسرائيل بأنبوب مياه, كما سيمتد الى الجوانب الاقتصادية وغيرها من الجوانب الاخرى.. اما عن تأثير هذا التحالف والتعاون التركي الاسرائيلي على العلاقات التركية العربية فالواضح ان لكل دولة منهما اطماعها في المنطقة وهذا ما تدركه الدول العربية ويجعلها تشعر بالقلق وتبدي هذا القلق للساسة الاتراك وقد فعلت مصر هذا عندما تم الاعلان عن هذا التحالف عام 96 ووقتها جاء الرئيس التركي الى مصر في محاولة لشرح وجهة النظر التركية حول هذا الموضوع وأكد انه لا يهدد الجيران العرب... بالنسبة لاسرائيل فأطماعها معروفة بالنسبة للمنطقة, اما تركيا فهي تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة وهذه الازمة انعكست على الجوانب السياسية ولذلك فهناك تغيير دائم للوزارات في تركيا, ودائما تجري الانتخابات المبكرة, والعمل الحزبي يعاني على الدوام من عدم الاستقرار.. ولذا فالطمع الاول بالنسبة لتركيا تجاه المنطقة العربية هو استقلالها في الخروج من أزمتها الاقتصادية وهي في ذلك تركز على منطقة الخليج العربي, فمعروف ان دول الخليج العربي وغالبية الدول العربية الاخرى تستورد نحو 40% من المواد الغذائية التي تحتاجها وتركيا تسعى لان تكون هي المورد الرئيسي للغذاء في الشرق الاوسط وخاصة في منطقة الخليج العربي, ومن أجل ذلك تحاول النهوض بمنتجاتها الغذائية والزراعية حتى تستطيع القيام بهذا الدور, وهذا الامر يتضح من المخطط الذي تقوم به والذي يسمى مشروع الاناضول, فهي قامت ومازالت تقوم ببناء السدود على نهري دجلة والفرات من اجل توفير كميات هائلة من المياه تستطيع بها استزراع هضبة الاناضول حتى يكون عندها فائض من المواد الزراعية والغذائية تسد به حاجة بعض الدول العربية, فهي تطمع اولا ان تكون سلة الغذاء للامة العربية. الاستفادة من المياه ويضيف الدكتور زكريا حسين اما المطمع الثاني بالنسبة لتركيا تجاه المنطقة العربية فهي تريد الاستفادة من المياه الموجودة لديها بان تبيع هذه المياه الى اطراف اخرى في المنطقة مثل اسرائيل وهناك حديث يدور عن اعتزام تركيا مد انابيب مياه الى اسرائيل, وهذا التحرك التركي من المؤكد انه سيكون على حساب حصص المياه لكل من سوريا والعراق, وهذا سيفتح الباب لمساومة تركية لكل من سوريا والعراق وتوتر وقلاقل في المنطقة, ويكمل: تركيا تريد ان يكون لها دور فاعل في المنطقة وخاصة في المجال الاقتصادي من خلال ما يتوفر لها من امكانات واراض واسعة قابلة للزراعة, وحتى يتحقق لها ذلك لابد لها من قوة عسكرية تؤهلها للقيام بهذا الدور, وهذا ما دفعها للتوقيع على اتفاق التعاون الاستراتيجي العسكري مع اسرائيل فهي ترى ان ذلك سيساعدها على تحقيق مخططها ورغبتها في دور اكبر في المنطقة, ومن المؤكد ان ذلك سيؤثر على علاقتها بالمنطقة العربية. اغلبية الاصوات وفيما يتعلق بتراجع التيار الاسلامي في تركيا وأثر تراجعه على العلاقة بالعرب يشير د. ركزيا حسين الى ان تركيا دولة علمانية تتحكم في كل شؤونها المؤسسة العسكرية وهذه المؤسسة تقوم بحماية العلمانية التي اسسها كمال اتاتورك, وهناك رفض لما هو اسلامي لانهم يدركون ان ذلك يقلل فرصة انضمامهم للاتحاد الاوروبي, وعندنا تجربة حزب الرفاه الذي كان قد حصل على اغلبية في الانتخابات قبل الماضية فما الذي حدث.. لم يستمر في الحكم طويلا وتمت الاطاحة بزعيمه اربكان وينتظر المحاكمة وتم حل الحزب الذي يتزعمه.. التيار الاسلامي في تركيا لن يكون له دور فاعل في الدولة التركية فدائما ستكون عليه ضغوط وخاصة من المؤسسة العسكرية رغم التجربة الديمقراطية التي تعيشها تركيا.. ان تركيا ترى ان مصلحتها الاساسية والأولى هي مع الغرب والولايات المتحدة الامريكية لانها ترى ان علاقتها بهما تحقق لها مجالات اوسع, ثم تأتي بعد ذلك المصلحة الثانية وهي مع العرب, وهناك قدر من الاستغلال في هذه المصلحة فهي مصلحة اقتصادية وتعتقد تركيا ان الولايات المتحدة تستطيع ان تساعدها في تحقيق اطماعها بان تكون لها اسواق كبيرة في الدول العربية.. اما الحديث عن تيار اسلامي يساعد على حدوث تقارب وعلاقات وطيدة على حساب علاقات تركيا بالغرب والولايات المتحدة الامريكية فهذا امر مستبعد, فالاحزاب السياسية تدرك ذلك وتعرف انها لو روجت لمثل هذا الكلام فلن تحصل على اغلبية الاصوات هناك لذلك نرى ان الحزب القومي الذي حصل على الاغلبية في الانتخابات التركية الاخيرة له مواقف متطرفة تجاه العلاقات مع العرب وتجاه التعامل مع الملف الكردي.. فليس هناك شك أن ثوابت السياسة التركية تسير كلها في اتجاه الغرب وحلف الناتو ولا تمانع في استغلال هذه العلاقة لخدمة مصالح اخرى ومنها كيفية الاستفادة الاقتصادية في العلاقات مع العرب ونوه د. زكريا حسين ان الملف الكردي كان ولايزال صاحب تأثير على طبيعة العلاقات العربية التركية, فلا احد يستطيع ان ينكر ان هناك حربا كانت ستقع بين تركيا وسوريا بسبب الاكراد ولولا التدخل المصري السريع لاحتواء الموقف لكان الامر قد تدهور وبصورة مخيفة وقد ادركت سوريا ذلك وسارعت بالتخلص من عبدالله اوجلان وغلق معسكرات حزب العمال الكردستاني, اما على الجانب العراقي فتركيا تقوم حاليا بحملات عسكرية داخل الشمال العراقي لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني في الشمال العراقي وهذه الامور تقلق العراق ولولا ما يمر به العراق من ظروف لحدثت مشكلات كبيرة, بمعنى ان الملف الكردي له تأثير كبير على العلاقات التركية العربية, ولابد ان يكون هناك تعامل على اسس موضوعية, عادلة لايجاد الحلول له وحتى لا تكون هناك نزاعات مستقبلية. بعض الملامح ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي د. هيثم الكيلاني ان الفترة الاخيرة شهدت بعض الملامح التي تشير الى ان الخط البياني للعلاقات العربية التركية يسير للأفضل, منها اختفاء الاجتياحات التركية لشمال العراق او على الاقل تقليلها, تحسن العلاقات السورية التركية وخاصة في المجالات الامنية والتجارية, اضافة الى تضاؤل تأثير الحركة الكردية بعدما تم القبض على عبدالله اوجلان ومعروفة ملابسات حدوث ذلك ولكن بانتهاء الانتخابات التركية الاخيرة وحصول حزب مثل الحزب القومي التركي على المركز الثاني فيها, فمن المحتمل ان يؤثر ذلك على العلاقات بين العرب وتركيا لان هذا الحزب من الممكن ان يعيد طرح بعض النقاط التي تسيء الى نمطية العلاقات العربية التركية كأن يطالب بمنطقة الموصل وكركوك في شمال العراق, فهذا الحزب له توجهات معادية للعرب والاكراد. ويعتقد د. هيثم الكيلاني انه لو استطاع التيار الاسلامي ان يحوز على الاغلبية في الانتخابات الاخيرة فربما كانت نمطية العلاقات بين العرب وتركيا قد تطورت اكثر او توفرت لها احتمالات التطور بصورة اسرع.. ولكن هنا لابد ان نشير الى ان المؤسسة العسكرية التركية هي العنصر الاهم والاكثر سيطرة على عملية اتخاذ القرار السياسي في تركيا, كما ان التيار الاسلامي لم يستطع ان يحوز الاغلبية في الانتخابات الاخيرة والتي تجعله قادرا على مواجهة المؤسسة العسكرية التركية, ولذلك فمن المنتظر ان تستمر علاقات التعاون بين المؤسسة العسكرية التركية واسرائيل خلال الفترة المقبلة وبنفس الصيغة التي انتهت اليها حتى الان, ولكن اذا استطاعت العلاقات التركية العربية ان تدفع بالمصالح المشتركة بينهما اكثر واكثر فان تيار التعاون التركي الاسرائيلي سيتأثر بذلك. فترة من الزمن وعن تأثير الملف الكردي على طبيعة العلاقات العربية التركية يقول الدكتور هيثم الكيلاني ان هذا الملف تم طيه لفترة من الزمن ريثما يتم الفصل في نقطتين رئيستين الاولى محاكمة عبدالله اوجلان في تركيا والتأثيرات التي ستتركها على الجاليات والاقليات الكردية سواء في المنطقة او اوروبا, والنقطة الثانية هي الوضع في شمال العراق فهناك كتلة كردية مازالت حتى الان في مجال المساومة بين الولايات المتحدة والمعارضة العراقية ونظام الحكم في بغداد وهي مساومة قد تدفع بهذه الكتلة من الاكراد الى اتجاه موقف ما تأخذه حفاظاً على مصالحها ووجودها, ونحن هنا يجب الا ننسى ان هناك تياراً في شمال العراق يرى ضرورة وحدة العراق وسلامة اراضيه في اطار حكم ذاتي كردي في الشمال وحكومة مركزية في بغداد ولكن هذا التيار لم يستطع حتى الان أن يثبت وجوده لان الولايات المتحدة تفرض حظرا جويا في شمال العراق ومن هنا يمكن القول ان الملف الكردي سيأخذ وبمرور الوقت شكلا من أشكال التسوية الاقليمية وهذا احتمال قائم وخاصة عندما يعود الاضطراب مرة اخرى الى هذا الملف وأشار الى ان مشكلة المياه تشكل موضوعاً ساخنا في العلاقات بين العرب وتركيا وتحديداً بين سوريا والعراق من جهة والعراق من جهة اخرى, وخاصة ان تركيا مازالت تؤكد حتى الان ان هذين النهرين (دجلة والفرات) هما نهران تركيان لاحق لسوريا والعراق فيهما, ورفضت الموافقة على المعاهدة الدولية التي صدقت عليها الجمعية العامة للأم المتحدة عام 1997 والخاصة بموضوع الانهار الدولية.. كل ما يطلبه العراق وسوريا هو تطبيق المبادئ والاحكام الدولية التي تضمنتها المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمياه.. موضوع المياه سيأخذ بعده الفعلي والحقيقي بعد ان تنتهي مرحلتين الاولى تطوير العلاقة بين سوريا وتركيا وخاصة في الناحيتين الامنية والتجارية, والثانية انتهاء فترة الحصار المفروضة على العراق ليتمكن من التحرك سياسياً واقتصاديا وعندها سيطالب ومعه سوريا الحكومة التركية ان تقوم بتطبيق مبادئ القانون الدولي على المياه المشتركة بين الدول الثلاث. القاهرة: مكتب (البيان) تحقيق: صالح الفتياني