بخطى سريعة بدأت المرأة السودانية تشق طريقها الى اقتحام العمل التجاري لا لتجد مكانها في قلب السوق فحسب بل اصبحت تتهيأ الآن لــ (قلب) الموازين لصالحها في عالم (البيزنس) بعد ان ولج نفر من سيدات الاعمال بجرأة وثقة مجالات جديدة حتى على رجال الاعمال مثل تصدير الحيوانات المفترسة ! فضلا عن مزاحمة (تماسيح) السوق في التجارة العامة التقليدية وارتياد عالم المقاولات والانشاءات بتشييد مجمعات سكنية وفيلات وشقق تمليك بل والانشاءات الخاصة بانتاج وتصدير البترول. وبعيدا عن الاعمال (الخشنة) نحت مجموعة اخرى منحى يتفق وطبيعة المرأة واهتماماتها بالتركيز على مجالات (ناعمة) مثل صناعة وتجارة العطور والملبوسات الجاهزة. وفي مجتمع السودان المحافظ, شأنه شأن المجتمعات العربية الاخرى, تجتهد سيدات الاعمال لتجاوز عقبات تقف امام انطلاقة المرأة في هذا المجال. وفي ثنايا التحقيق التالي (تفضفض) مجموعة من (رائدات البيزنس) السودانيات ببعض الهموم التي تحيط بحياتهن في السوق والمنزل. وفيما ركزت غالبية من التقتهم (البيان) على حرصهن على رضاء الزوج (تاج الرأس) كما وصفنه, تميل مجموعة منهن الى الشكوى من مضايقات من الأزواج يضطرون معها الى شراء سكوتهم (رشوة) اشراكهم في الاعمال حتى لو كانوا لا يفهمون! وهنا تفاصيل الحصيلة التي خرجت بها (البيان) من لقاءات تمت في نادي سيدات الأعمال الذي يجري العمل لافتتاحه على قدم وساق. من المباني ... إلى البترول المهندسة وداد ابراهيم يعقوب تمتلك مجموعة شركات الــ (....) التي تعمل في مجالات الانشاءات والمباني والبترول قالت عن بدايتها وتوسع أعمالها: انشأت هذه الشركات بجهدي ومجهودي وسكبت العرق لتصل الى ما هي عليه الآن, بدأت في مجال المباني بتأسيس شركة الــ (...) للتشييد وكنت اشرف على العمل بنفسي وأنزل الى الموقع, بل وأمسك بالخلاط وكنت أعمل وأنا حبلى في شهوري الاخيرة. وتضيف: زوجي الآن يعمل معي وأصبح مالكا لبعض الاسهم في كل الشركات التي امتلكها, فتوسعت اعمالنا وأنشأنا ما لا يقل على خمسمائة شقة تمليك وعددا كبيرا من الفيلات. والآن الشركة توسعت وأصبحت مجموعة شركات بعد دخول زوجي وأشقائه معي كمساهمين ودخلنا مجال البترول, وقمنا بانشاء العديد من مستودعات البترول في الخرطوم والولايات. زوجي تاج رأسي كيف تكون العلاقة ما بين المرأة صاحبة الاعمال وزوجها؟ هل تستطيع ان ترفع في وجهه البطاقة الحمراء وتقول له: عفوا سيدي لم نعد بحاجة لك, وهي القادرة على الانفاق؟ طرحنا السؤال على المهندسة وداد فأجابت زوجي تاج رأسي واذا طلب مني ان أقذف بأموالي في البحر لفعلت دونما تردد. وتضيف: زوجي دوره واضح في تطور اعمالي, فلولا تفهمه ومساعدته لي لم اصل بهذه الاستثمارات الى ما وصلت اليه, وهو الآن يعمل معي كشريك في كل شركاتي. رشوة الزوج الكاتبة والأديبة زينب بليل المدير التنفيذي لاتحاد نساء الاعمال وجهنا لها ذات السؤال, فكانت اكثر صراحة قالت: المرأة قطعا مواجهة بمشاكل التزاماتها المنزلية من تربية لأطفال وعناية بالزوج, ونادرا ما تجد امرأة لها اطفال رضع وآخرين في المدارس ناجحة في اعمالها التجارية, فالعائق الاساسي للمرأة من ان تكون صاحبة مال بصورة ضخمة مرده الى هذه النقطة تحديدا, وأية امرأة اذا خيرتها بين طفلها وزوجها ومال الدنيا بكامله ستختار طفلها وزوجها, لذلك كل النساء الناجحات الآن في اعمالهن, اما غير متزوجات أو وصل اطفالهن الى سن لم يعودوا فيها محتاجين لرعاية لصيقة من والدتهم. فالمشكلة الرئيسية التي تقف امام المرأة هي مشكلة الامومة ومن ثم تأتي مشكلة النشأة, لأن تربيتنا كانت على اساس ان المنزل هو مملكة المرأة والزوج هو السند الاساسي لها في الحياة, ففي المقام الاول يجب ارضاؤه, وأعترف بأنه نادر جدا ان تجد الزوج الذي يقبل بأن تذهب زوجته الى السوق وتقوم بالتفاوض وعقد الصفقات وخاصة اذا كانت في مرحلة الشباب, لذلك تجد المرأة دوما تعيش في صراع حتى وإن كانت ناجحة في عملها وعادة ما تلجأ الى ادخال زوجها في أعمالها حتى وإن لم يكن يمتلك عقلية تجارية ــ ضحكت ثم أردفت قائلة (رشوة يعني) حتى يوافق على ذهابها الى السوق لاجراء المفاوضات التي يحتاجها العمل التجاري او ينوب عنها في هذه الاعمال. وتخلص زينب بليل الى القول: الأمومة والزوج والمجتمع تظل العقبات الرئيسية التي تواجه نساء الاعمال. نظرة قاسية ونسألها عن نظرة المجتمع فتجيب: المجتمع ينظر الى المرأة العاملة عموما نظرة مختلفة ولكن تلك التي تعمل في السوق فنظرته لها فيها شيء من القسوة والحكم الجائر لأنه عادة ما يربط ما بين عملها في السوق وعدم وجود من ينفق عليها, لذلك تجد المرأة التي خرجت الى العمل التجاري حتى وإن نجحت في عملها تجدها تتمنى في قرارة نفسها ان يرحمها المجتمع ولا يعلق عليها سواء كانت ناجحة أو فاشلة. وتستطرد: اضافة الى هذه العوامل الثلاثة هناك عائق يتمثل في طبيعة المرأة التي تصبغها الحنان الذي يضر احيانا بالعمل التجاري. وتضيف: خذ مثالا تجربتي الخاصة وأنا على قناعة كاملة بأنني لست ربة اعمال بالمعنى ولكنني لي بعض التجارب الصغيرة التي اعمل فيها حيث دخلت في بعض المرابحات مع البنوك وعندما يأتي احد ابنائي ويطلب مني طلبا محدودا لا استطيع ان ارفض اعطاءه ما طلبه ومعي المال حتى وان كان هذا المال عبارة عن (قسط) تسديد المرابحة لأن الطبيعة واحساس الامومة يتغلبان عند كثير من النساء على عقلية المتاجرة فيها. المرأة أكثر دقة * السوق غول قاس لا يرحم .. لا يعرف الدموع والدلال والرقة .. السوق بحيرة مليئة بالتماسيح ان لم تلتهم فستلتهم, أين هذه العبارات من امرأة رقيقة ضعيفة أقوى أسلحتها هي دموعها, فكيف استطاعت المرأة تجاوز ضعفها؟! وجهنا السؤال لزينب بليل فأجابت: المرأة العاملة في المجال التجاري استطاعت تجاوز هذه النقطة تماما, فهن في التسوق أكثر دقة من الرجل وهؤلاء النسوة استطعن ان يؤسسن أعمالاً ناجحة جدا ابتداء من مصانع الغزل والنسيج وانتهاء بشركات التصدير والاستيراد, وبيننا امرأة هي سهام الاسد تعمل في مجال ليس سهلا ارتياده حتى عند الرجال وهو تصدير الحيوانات المفترسة) . وبما ان من نحاورها تشتغل ايضا بالكتابة الأدبية فقد داهمناها بالسؤال التالي: أغاني الحقيبة كتبت في فترة لم تكن المرأة تخرج كثيرا من بيتها والآن بعد دخول المرأة الى السوق الا تعتقد اننا سنفقد طعم هذه الاغاني ولا نستطيع انتاج المزيد من الابداع؟ أجابت زينب بليل قائلة قطعا السوق قاسي جدا ولا يرحم وهذا العمل يعطي المرأة صلابة وقوة فقبل أعوام من الآن لم تكن المرأة معرضة لهذه التيارات القوية, لانها بضعفها وقلة تجربتها دخلت الى السوق وقطعا معرضة لعواصف كثيرة جدا من ربح وخسارة وهذا قطعا سيؤثر على الاسرة خصوصا, اذا كان الرجل غير متفهم نحن نريد ان يتعلم الرجل هذا واذا لم يحدث هذا التفهم واعتبر الرجل دخول المرأة السوق انما يهدف لمنافسته فان العواقب ستكون قطعا وخيمة من تشريد وتشتيت للأسر, كما ان النظرة الى المرأة العاملة في السوق على أنها امرأة مسترجلة سيكون له تأثير سلبي على الأدب الجميل والراقي. وأقول اذا أراد الرجل ان يستمتع بأدب جميل وراق على حساب النساء فهذا أمر يخصه, صحيح المرأة بخروجها الى السوق ستفقد النعومة والرقة والجمال الذي تغنى به شعراء الأغاني لكن أنا أفضل كانسان أن امتلك حق الحياة الكريمة أكثر من أكون جميلة تجتذب الشعراء. وتضيف زينب بليل: أنا في كتاباتي أحاول جاهدة ألا أركز على الفتاة الجميلة, ولكن تركيزي على الفتاة الطموحة التي ترى ان كرامتها في كفاية حاجتها بنفسها حتى تتجاوز الفتيات دائرة (زاهي في خدره) و(ظبي الخداري) ونحن الى الآن نعاني من هذه البالونة الجميلة التي وضعت فيها المرأة في بلادنا, انظر الى البنات كل اموالهن تصرف على الكريمات والفساتين وأغلب البنات اصبح جل اهتمامهن الآن ان تكون جميلة وأن تتزوج, فلما ندير لها بصورة يومية اسطوانة (زاهي في خدره) هذا يجعل المرأة تقصر فهمها على جمالها واذا وجدت أي مبلغ من المال تنفقه على جمالها بدلاً من استثماره حتى ولو لشراء كتاب. المرأة الفأس * اسهام الأسد احدى نساء الأعمال المعروفات في السودان تقول: بدأت نشاطي التجاري في الثمانينات واخترت مجال تصدير الحيوانات المفترسة حتى أكذب المقولة الشعبية السائدة (المرأة كان فأس ما بتكسر الرأس) وأمتلك الآن حظائر بها العديد من الحيوانات حيث أقوم بتربيتها بالتعاون مع جامعة الخرطوم, وأصدر الأسود والفهود والتماسيح والأفاعي والغزلان وكل ما أجد له سوقا بالخارج وأباشر عملي بنفسي وزرت معظم أجزاء السودان أحيانا بالسيارات وأحيانا أخرى سيراً على الأقدام وأستعين بالرجال والنساء على حد سواء حيث ان المعيار عندي هو الكفاءة لا الجنس, وان كنت أميل الى بنات جنسي في حالة تساوي الكفاءة, الآن استجلبت بعض التماسيح الاستوائية وأقوم بتربيتها في حديقة خاصة استعدادا لتصديرها الى الخارج, وعموماً أعمالنا ناجحة بحمد الله. أمشي جنب الحيط فاطمة الأمين تمتلك مصانع ملبوسات جاهزة تقول: بدأت بمشغل وتطور العمل بصورة جيدة والحمد لله الآن استطيع أن أقول انني أمتلك أحدث الماكينات في هذا المجال, وتسألها عن المخاطرة واستعدادها لمواجهة مشاكل الشيكات المرتدة والافلاس والسجن, فقالت: المرأة بطبيعتها لا تقدم على المخاطرة وحريصه على عدم تعريض نفسها للخطر لذلك أحاول ان اعمل دون مخاطرة وان كان السوق لا يمكن الضمان فيه لأي شيء ولكن الله يستر. فتحية حسن صالح نائبة رئيس اتحاد نساء الاعمال تقول: أعمل في مجال الملبوسات الجاهزة والآن أعد العدة للدخول في مجال آخر هو مجال الصناعات الغذائية وتم الاتفاق على استيراد الماكينات مع بعض الشركات الايطالية وتضيف قمنا بانشاء مزارع حتى يكون لدينا انتاج ثابت لتمويل المصانع وقمنا بزراعة تجريبية للبطاطس, وبالنسبة للتسويق بدأنا في خلق علاقات طيبة مع اتحاد نساء العرب, وتقول رداً على سؤال: الاشراف على المزارع موكول بالفعل للرجال وهم متخصصون في الزراعة, والقاعدة هي: الفكرة والمال وهم من جانبي ولكن التنفيذ يقوم به رجال متخصصون, بالنسبة للمناطق الزراعية أقوم بزيارات تفقدية لهذه المزارع من حين لآخر ولكن قطعاً الرجال هم الأقدر لمتابعة مثل هذه الأعمال. وحول البدايات تقول فتحية حسن صالح: كان رأس المال حصيلة 24 سنة خدمت فيها الناس من خلال موقعي في وزارة المالية كمدير لادارة الاستثمار بالوزارة, وقد خرجت من الوظيفة الى العمل الحر ووجدت المساعدة من الذين كنت أسدي لهم خدماتي وتقول فتحية: (المعروف عند الشعب السوداني لا يمكن أن ينسى أبداً) . حنان ابراهيم شقيقة الشاعر المعروف محمد المكي ابراهيم تمتلك الآن مصنعا للعطور وأدوات التجميل, تقول: ارتبطت بالعطور وأدوات التجميل منذ صغري فأخي محمد المكي عندما كان يسافر كانت هداياه لي عبارة عن عطور لذلك عشقت هذا المجال, وبدأت في دراسته وأنا خريجة كلية العلوم جامعة الخرطوم قسم الكيمياء, والآن أمتلك مصنعاً صغيرا لأدوات التجميل والعطور ولي بعض المجهودات للتوسع, وقد بدأت في العمل بالتعاون مع بعض البنوك والشركات العالمية لاستجلاب بعض الماكينات لتوسيع المصنع. وتحدثت حنان مطولا عن أدوات التجميل وتأثيراتها على الناس, وأكدت ان انتاجها لا يعتمد على تغير اللون لان معنى ذلك مخاطر وقالت اننا سنركز على انتاج أنواع من أدوات التجميل التي لايكون لها تأثيرات سلبية على البشرة. تحقيق: عثمان فضل الله