ابواب سجني مزرعة طرة وابو زعبل, بضواحي القاهرة, انفتحت لاول مرة منذ اشهر طويلة, لا لكي تستقبل معتقلين جدد من اعضاء التنظيمات المتطرفة الذين اغرقوا مصر في دوامة طويلة من العنف المسلح, ولكن لكي يعبر من خلالها فوج جديد من التائبين اطلقت السلطات المصرية سراحهم بعد ان اعلنوا التوبة وكفروا بمنهج العنف تحت شعار الجهاد في سبيل الله . 120 تائبا جديدا استقبلوا حياة الحرية الاثنين الماضي وكما اداروا ظهورهم لجدران السجن القاسية, صرفوا وجوههم وقلوبهم, بعيدا عن فكر الارهاب والتطرف, معلنين ان هذا الطريق الذي يحسبه الظمآن ماء, لم يكن الا سراب كبير ووهم بلا نهاية, وبرغم اجواء التفاؤل التي رافقت اعلان الافراج عن التأئبين الجدد, فان مصير هذه المجموعات التي تطلقها الحكومة المصرية مازال يثير الكثير من الجدل, خاصة بعد ماتردد ان عددا من هؤلاء التائبين يعاود ممارسة نشاط العنف اذا توفرت فرصة لذلك. كما ان آخرين, من الذين يصدقون التوبة, تواجههم مشكلات اقتصادية واجتماعية, حيث يخرج كل منهم من المعتقل ليجد نفسه متخلفا عن ركب المجتمع وفاقدا للوظيفة, وفي حاجة الى المال حتى يستطيع البدء في حياة جديدة, مما يعني ان العوامل التي دفعته الى طريق العنف ما زالت مستمرة . (البيان) ابحرت في عالم التائبين منذ بدأت السلطات المصرية في تطبيق هذا المنهج, واستطلعت آراء مجموعة من الخبراء المطلعين على هذا الملف, الذين القوا الضوء على فوائد تطبيق نظام التوبة واثره على افكار الجماعات الارهابية خاصة ان بعض القيادات التي اعلنت توبتها بدأت في مناظرة كوادر ومنظري جماعات الارهاب للرد على افكار التطرف من الداخل, كما حاورت (البيان) الدكتور سعد الدين ابراهيم, مدير مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية في مصر, والذي كانت له تجربة حية في هذا المجال بانشاء وحدة تأهيل التائبين عن العنف ضمن النشاطات التي يقوم بها مركز ابن خلدون في مصر. اعتماد مبدأ الحوار منذ انطلاق المواجهة بين السلطات المصرية وجماعات الارهاب اعتمدت الحكومة مبدأ الحوار مع اعضاء التنظيمات المتطرفة في نفس الوقت الذي كانت فيه الاجهزة الامنية تعمل على تفادي توسيع رقعة الارهاب, وتقاوم موجات العمليات المسلحة التي اخذت خطا متصاعدا منذ عام 1992, وكان المظهر الاول لهذا الحوار, كما يقول خبير الارهاب اللواء احمد جلال عزالدين, هو سلسلة لقاءات (ندوة الرأى) التي رعتها الحكومة المصرية واذاعها التلفزيون المصري لاشهر عديدة, وضمت هذه الندوات حوارا مفتوحا بين المتهمين على ذمة قضية اغتيال الرئيس السادات, وبين عدد من علماء الازهر الشريف. وازاء تشدد قيادات الجماعات المحتجزين على ذمة قضية اغتيال السادات واحداث اسيوط الدامية عام 1981 ورفضهم المشاركة في هذه اللقاءات, قررت الحكومة الافراج عن المعتقلين الذين يشاركون في هذه الندوات ويؤكدون اقتناعهم بأفكار علماء الازهر, ويعلنون تراجعهم عن افكار التطرف. لكن هذه الندوات اتخذت طابعا دعائيا في اول الامر, وبدا ان هؤلاء التائبين يضطرون للاعلان عن آراء لاتمثل حقيقة مواقفهم حتى ينتفعوا من هذا العرض ويحصلون على الافراج في اسرع وقت ممكن, والنتيجة ان العديد من الذين افرجت عنهم السلطات المصرية في ذلك الوقت استمروا في ممارسة انشطة العنف, وشاركوا في احياء نشاط الجماعات المسلحة بعد الضربة القاصمة التي تلقوها عقب اغتيال الرئيس السادات, الامر الذي ادى الى توقف تنفيذ التوبة والغاء برنامج ندوة الرأي نهائىا. ومنذ مطلع التسعينات رفعت الحكومة المصرية شعار (لا حوار مع الارهاب) وكان مصير وزير الداخلية الاسبق عبد الحليم موسى هو العزل عن منصبه بعدما تردد عن بدء حوار بين وزارة الداخلية وقيادات الارهاب في السجون, وبرغم هذا الموقف الثابت فان فكرة التوبة عادت لتبرز على السطح من جديد خاصة بعدما تصاعدت الاتهامات للحكومة المصرية بأنها تعتمد سياسة المواجهة الامنية لمواجهة الارهاب دون البحث في رؤية استراتيجية شاملة لمواجهة جماعات العنف, وبدأت وزارة الاوقاف المصرية في بسط نفوذها على المساجد الاهلية, وزيادة عدد الدعاة والخطباء المؤهلين شرعيا, كما بدأت رحلات العلماء تجوب القرى والنجوع في مصر للتصدي الى افكار التطرف والعنف, وكان احد ابرز امثلة هذه المواجهة الفكرية البيان الشهير الذي وقع عليه ثلاثة من اهم العلماء في مصر, الامام الراحل متولي الشعراوي: والشيخ محمد الغزالي, وفضيلة الامام الاكبر محمد سيد طنطاوي الذي كان يشغل موقع مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت في مطلع التسعينات. المواجهة الفكرية وكما يقول منتصر الزيات, محامي جماعات العنف في مصر, فان زيادة مساحة الاهتمام بالمواجهة الفكرية رافقه على المستوى السياسي اعادة احياء فكرة التوبة عن العنف بصورة اكثر تنظيما بحيث يكون هؤلاء التائبون الجدد رموزا على عدم صحة الفكر, من وجهة نظر الحكومة المصرية, وانطلقت هذه الفكرة الجديدة كعمل سياسي مواز للجهود الامنية بعد ان اقترحها الوزير كمال الشاذلي, امين تنظيم الحزب الوطني, في احدى جلسات البرلمان المصري عام 1993, وبدأت وزارة الداخلية بالفعل في تطبيق هذا المنهج, واختبار العناصر المحتجزة رهن الاعتقال في السجون المصرية للتأكد من ان الافكار الجديدة التي يعلنونها ليس الغرض منها التخلص من الاعتقال فحسب بقدر ماتعبر عن افكارهم فعلا, كما تتأكد اجهزة الامن اذا كان هذا التائب على استعداد لمواجهة الشباب في مجتمعه, واصدقائه السابقين من اعضاء التنظيمات المتطرفة بفكره الجديد ام لا. وكانت حصيلة هذه السياسة الافراج عن 13 فوجا من التائبين ضم ما يقرب من 1400 شخص من اعضاء جماعات العنف, وحسب تقديرات وزارة الداخلية فان نسبة الخطأ في التقدير تجاه هؤلاء التائبين شديد التواضع, خاصة ان اجهزة الامن لم تضبط سوى اثنين فقط من هذه العناصر عاودت ممارسة نشاط العنف بعد الافراج عنها وفق هذا المنهج. اشهر التائبين منذ بدء تنفيذ هذا البرنامج, هو عادل عبد الباقي الذي كان احد اعضاء جماعة التكفير والهجرة, وهي جماعة متشددة تقوم بتكفير المجتمع وتعتمد مبدأ استحلال الاموال وتطبق قواعد دار الحرب على البلدان الاسلامية, وقد قام عبد الباقي بكشف العديد من اسرار التنظيم الذي ينتمي اليه واستضافته وزارة الاعلام المصرية في لقاء تلفزيوني حتى يفضح ممارسات هذه الجماعة خاصة في مجال استحلال اموال المسلمين, والطرق الغريبة التي يتزوجون بها, وطريقة معاملتهم للمرأة. اما اهم هؤلاء التائبين, حسب تقدير منتصر الزيات, فهو حسن الهلاوي احد مؤسسي تنظيم الجهاد في مصر, والمفارقة ان الهلاوي مازال سجينا في سجن استقبال طرة حيث يقضي فترة عقوبة مدتها سبع سنوات بعد ان هرب من السجن الى احد البلاد العربية بعد اتهامه في قضية ارهابية, ونجحت اجهزة الامن المصرية في القبض عليه لقضاء فترة العقوبة المقررة قضائيا, واهمية الهلاوي لاتنبع فقط من كونه احد مؤسسي تنظيم الجهاد ولكن لاطلاعه الواسع على الاسانيد والحجج التي يستند اليها اعضاء جماعات الارهاب في تبرير لجوئهم الى العنف, وقد قام الهلاوي بتقديم خدمة كبيرة للسلطات المصرية حين اعد مجموعة من الردود على الفكر المتطرف وقام بارسالها الى وكالات الانباء العربية والاجنبية لتنفيذ فكر الارهاب. وساعد الهلاوي اجهزة الامن المصرية في اجراء حوارات مع الشباب داخل السجون لاقناعهم بالتراجع عن افكار العنف واللجوء الى الدعوة بالكلمة والموعظة الحسنة, وليس الجنازير والمطاوى والرشاشات. ومن ابرز الحجج التي يفندها الهلاوي الحديث الذي يستند عليه الارهابيون في اباحة قتل مدنيين ابرياء خلال عملياتهم المسلحة, حيث يزعمون ان هؤلاء الابرياء. يبعثون على نياتهم وان هناك ضرورة هي ما يسمونه (بالجهاد ضد الكفار) , وقد اعد الهلاوي دراسة حول هذه الفتوى مؤكدا ان هذا الحديث مقطوع عن سياقه ولا يجوز استخدامه لتوصيف هذه الحالة او اصدار فتوى لقتل الابرياء, لان نص الحديث هو (بمعناه) (يغزو جيش الكعبة, فيخسف بأولهم واخرهم, فقالوا يارسول الله, يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم السوقة والعامة, قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) ويؤكد الهلاوي في رده ان منهج العنف والارهاب سببه هذا الاجتزاء للاحاديث النبوية والتفسيرات القرآنية وتطبيق فتاوى السلف الصالح في غير موضعها. التائبون يساعدون الحكومة ومن ابرز التائبين من القيادات السابقة, احمد راشد, احد مؤسسي جماعة الجهاد في مصر ايضا, وكان المتهم الرئيسي في قضية احياء تنظيم الجهاد عام 1987 في القضية رقم 462 لسنة 87 حصر امن دولة عليا, حيث خطط هذا التنظيم لقلب نظام الحكم في مصر بالقوة والانقلاب على الدستور والقانون في البلاد, وحاول راشد الهرب من السجن عدة مرات عن طريق ارتداء ملابس امرأة بالنقاب لكن اجهزة الامن في السجون كانت تعترض طريقه في كل مرة, وقد اعلن راشد توبته في عهد وزير الداخلية حسن الالفي, وحسب تقدير اللواء رؤوف المناوي, مدير ادارة الاعلام الامني السابق بوزارة الداخلية المصرية فإن توبة احمد راشد كان لها نتائج ايجابية عديدة حيث تعد ابلغ رد على الفكر المتطرف من الداخل خاصة من قيادي بارز كان له اتباع كثيرون داخل صفوف جماعات الارهاب, وكانت له تنظيراته في مجال العنف, وقد افادته معرفته الواسعة بأفكار الارهاب في الرد على كل الحجج بطريقة مقنعة, وقامت وزارة الداخلية بتسجيل اعترافاته بعد التوبة على شريط فيديو حتى يمكن الانتفاع بها في مواجهة الشباب الذي ينضم الى هذه التنظيمات المتطرفة داخل وخارج المعتقل. المهم جوهر التوبة الدكتورة هالة مصطفى, خبيرة الاسلام السياسي بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الاهرام, تعتقد ان فكرة التوبة هي في جوهرها فكرة جيدة لاتاحة فرصة جديدة لمن يؤمنوا بأنهم اخطأوا بالسير في هذا الطريق, لكن ما يستوقف د. هالة هو جوهر هذه التوبة, فهل توبة عن الانضمام لجماعات مسلحة تحارب المجتمع وترتكب الجرائم ضد الابرياء؟ ام انها توبة عن الفكر المتطرف نفسه عن اقتناع كامل بحيث لا تبقى داخل هذا التائب بذور العنف والارهاب لتنمو من جديد اذا توفرت الظروف التي تؤدي لذلك, واهم هذه الظروف هي العوامل الاقتصادية والاجتماعية المتدنية التي يعيش فيها هؤلاء المتطرفون, وعجزهم عن الحصول على عمل ملائم, وانتماؤهم لفريق البطالة. وترى هالة مصطفى ان ابسط القواعد لنجاح هذه الفكرة فعلا ان تكون التوبة عن الفكر وليس عن الانتماء التنظيمي, لان المشكلة دائما هي في هذا الفكر الذي يلتف حوله الشباب بسبب غياب الوعي الديني السليم, والامر الثاني ان هذا التائب يجب ان يحصل على العمل الملائم الذي يستطيع من خلاله ممارسة حياته بصورة كريمة, وضمان دخل له ولاسرته حتى لايعود الى هذا الطريق ابدا, مشيرة الى ان بعض هؤلاء التائبين عاد لهذا الطريق مرة اخرى, وقامت اجهزة الامن بالقاء القبض عليهم مرة اخرى حسب ما نشرته بعض الصحف المصرية. برنامج لتأهيل التائبين الدكتور سعد الدين ابراهيم, استاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الامريكية في القاهرة ورئيس مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية, كانت له تجربة واسعة مع التائبين منذ بدأت الحكومة المصرية في تنفيذ هذا المنهج لتجفيف منابع الارهاب, فقد انشأ الدكتور ابراهيم وحدة تأهيل للتائبين بدأت عملها منذ عام 1994 لتقديم قروض محدودة لمن يتم الافراج عنهم للبدء في تنفيذ مشروعات صغيرة لبدء الحياة من جديد. ويقول مدير مركز ابن خلدون, ولدت هذه الفكرة عندما طلب احد قادة تنظيم الجهاد الذين شاركوا في اغتيال السادات, وتم الافراج عنه بعد قضاء عقوبة 10 سنوات اشغال شاقة, بأن يعمل كباحث في مركز ابن خلدون الذي اشرف عليه, وكان هذا القيادي المفرج عنه خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, ويستعد لتحضير الماجستير, وكانت سنوات السجن قد اتاحت له فرصة قراءة الموقف بدقة ومراجعة افكاره وكانت لديه رغبة حقيقية في الاندماج داخل المجتمع. ويضيف سعد الدين ابراهيم, ان تجربة هذا القيادي المتطرف (سابقا) اوحت الي بأن هؤلاء التائبين الذين تفرج عنهم وزارة الداخلية المصرية يمكن اعادة تأهيلهم فكريا وماديا بحيث يصبحون اعضاء صالحين داخل المجتمع, وبالفعل بدأنا في العمل في وحدة جديدة انشئت داخل المركز, وبدأنا العمل في منطقة امبابة, شمال محافظة الجيزة, التي اشتهرت بكثافة اعضاء التنظيمات المتطرفة في احيائها الفقيرة, مثل البصراوي والبوهي وعزبة المفتى وشارع الاقصر وغيرها من المناطق العشوائية, وفي هذه المنطقة كان هناك شخص من ابرز التائبين هو حسن سلطان, وشهرته حسن كارتيه حيث كان يعلم الاطفال فنون الكارتية ليستفيد منهم في اعمال عنف لصالح التنظيمات المتطرفة داخل امبابة. ويضيف استاذ علم الاجتماع السياسي, ان محافظ الجيزة في ذلك الوقت الدكتور عبدالرحيم شحاته, ورجل الاعمال القبطي هاني رزق الله تبرعا بمبلغ مالي وقررا مساعدة حسن سلطان خاصة بعدما استضفته في برنامج تليفزيوني كنت اقوم بتقديمه هو (بعيدا عن الاضواء) وخلال البرنامج بدا سلطان صادقا في توبته الامر الذي يؤكد صواب هذا الطريق كأحد وسائل مواجهة الارهاب, وبعد مساعدة سلطان بدأت الفكرة تعمل بكفاءة حيث توافد علينا اعداد اخرى من التائبين الذين اعددنا برنامجا لمساعدتهم يتضمن منح قروض محدودة تتراوح بين 500 الى 2000 جنيه مصري حتى يتمكنوا من الانفاق على انفسهم واعالة اسرهم بصورة طبيعية. وفي تقدير الدكتور سعد الدين ابراهيم ان برنامج التأهيل للتائبين يعد ضرورة لادماجهم في المجتمع بدلا من تركهم فريسة لافكار اخرى, وتنظيمات اكثر عنفا في المجتمع, ويرى الخبير السياسي ان كل الافواج الجديدة للتائبين ينبغي ان تخضع لهذا التأهيل حتى يعود هؤلاء التائبون الى المجتمع وليس الى الارهاب من جديد. القاهرة ـ البيان