دخل عبدالعزيز بوتفليقة امس قصر الصنوبر كابع رئيس جزائري في سبع وثلاثين سنة من الاستقلال واقسم اليمين الدستورية على العمل باخلاص للجزائر, ورغم غيابه عن الساحة السياسية لزهاء العشرين سنة في منفاه السويسري فقد عاد بوتفليقة الى اللعبة الخطرة من شباك جبهة التحرير الوطني , بعد ان كان احد حرسها القديم .. مثله مثل اسلافه الستة الذين كان على الاربعة الاخيرين منهم ان يمروا على قصر الصنوبر في عشر سنوات فقط, هي عمر الازمة التي يرث ذيولها اليوم عبدالعزيز بوتفليقة. وبعد هذه السنوات, لا يبدو ان غيوم المناخ السياسي الجزائري قد انقشعت تماماً.. فما زالت هناك دوائر متداخلة فيها الجيش والاحزاب والادارة وقطاع الطرق. وداخل هذه الدوائر تتزاحم مفردات خاصة بعضها ثابت وبعضها طارىء فيها الدين والجهوية والديمقراطية و(البزنس) وقد كان على كل الرؤساء الجزائريين ان يتوارثوا الوعد بالحلول المناسبة.. مع تغير الاولويات لكن بشير بو معزة الرجل الدستوري الثاني في الجزائر (رئيس البرلمان) يقول (ليس هناك اولوية لملف على آخر كلها اولويات, على الرئيس ان يتعاطى معها جميعاً في نفس الوقت) . وقد دفع ثقل الارث الذي ناء بحمله الامين زروال الى اختصار ولايته لسنة ونيف لاسباب لم ينكشف الغطاء عن جميعها بعد. بوتفليقة الذي قال انه رفض ان يكون مرشح الجيش في انتخابات سنة 1995 يقدم الآن من زمن بومدين ويرضى بأن يقطع منفاه السياسي ليرتمي في اللعبة الخطرة.. ولا يبدو عليه الخوف من ان يصبح منفياً في القصر الرئاسي بعد تلقيه (ضمانات) ابرزهاللعيان, افتتاحيتان في مجلة (الجيش) تؤكد عزم المؤسسة العسكرية على عدم التدخل في الانتخابات.. ومن ثمة تخفيف قبضتها على المؤسسة السياسية. لكن لا احد يبدو مستعدا لتصديق هذا الكلام الواعد.. فمصالح الجنرالات في الجزائر اضخم من ان يقع التنازل عنها بمثل هذه (المروءة السياسية) لذلك يميل الاعتقاد الى ان الجيش قرر ابدال بزته وحبك اللعبة بل تطريزها الى درجة انه لن يكون مجبراً على التدخل في الانتخابات. احد المراقبين وصف ما حصل بأنه (وجبة جاهزة تم اعدادها مسبقا) وان ما يدور خلف الاسترة في الجزائر اكثر اثارة مما يراه الناظر. وغير بعيد عن ذلك لخص رئيس البرلمان الجزائري الامر لـ(البيان) بأن هناك ثقافة غش متوارثة لدى جميع الفصائل الجزائرية, الكل يدين الغش اذا اتجه في غير صالحه والكل يبتغيه اذا كان يصب في قناته. فبعد اسدال الستار على فصل آخر مثير في السياسة الجزائرية تتجه الانظار الآن بفضول شديد الى الكيفية التي سيدير بها بوتفليقة الصراع مع المؤسسة العسكرية فهو ليس ابنها بالضبط لكنه ربيبها وهو ليس ابن جبهة التحرير.. لكنه صنيعتها في الستينات وهو (مرشح حر) لكنه (مرشح الاجماع) بهذه الصفات المتفارقة يمكن للرئيس الجديد ان يناور وان يتحرك بين غابة من الارجل الغليظة.. وعلى اهمية ملف العنف فهو لم يعد الشاغل الاول ليس لانه (ملف مغلق) حسب التعبير المفضل للرئيس زروال بل لأن المؤسسة العسكرية ما زالت تصنع الحر والقر في الجزائر واذا كان الجيش في تركيا منزها حتى اذا كان والغاً في اناء السياسة فإن الجيش في الجزائر (مورط) حتى اذا كان بعيداً. هكذا تقول الاحداث المتعاقبة وآخرها الانتخابات الرئاسية الجديدة وعبدالعزيز بوتفليقة رغم انه كان في منفاه السويسري وقتها الا انه فهم درس الرئيس المغدور محمد بوضياف جيداً.. ومن هنا, فإن عنوان تعاطيه مع (المؤسسة العسكرية) سيكون (عدم فتح الملفات) ومع الجماعات الدينية (عدم فتح الجروح) ومع الاحزاب (اغلاق منافذ الفوضى) .. لكن هل يكفي ذلك للنجاح؟ سؤال هائل يخيم على مستقبل الرئيس القادم في عصر القوة في زمن الضعف لكن الحكم في الجزائر يلد ولادات قيصرية عندما تعز الولادة الطبيعية وهو يبدو عازماً هذه المرة على الحمل بالديمقراطية الحمل صعب والمخاض عسير والمولود ما زال مجهول المعالم لكن هناك اصراراً على تلقيحه بامصال الديمقراطية (نحن نتعلم, ونجلس في الصف الابتدائي لمدرسة الديمقراطية سوف نتعثر بالتأكيد وسوف نكبو وننهض لكن المعركة المقبلة هي استرداد المواطن لمواطنته بعد سبع وثلاثين سنة مرت على استرداده للوطن) هكذا لخص الرجل الثاني دستورياً في الجزائر معالم المرحلة المقبلة التي لا يفهمها من لم يكن (هندسياً) . واذا كانت الديمقراطية خياراً استراتيجياً جزائرياً لا يتحكم في مجاديفه الرئيس الجديد وحده فإن التحدي الاقتصادي يظل محركاً رئيسياً لخيار الديمقراطية ويجد بوتفليقة على مكتبه اقتصادا ليس بسوء سنوات بداية التسعينات لكنه ايضاً ما زال غير متمتع بالعافية رغم جرعات الانعاش العديدة التي حقنه بها تكنوقراط جاء بهم الرئيس زروال لسد الثغرة التي تدخل منها الدبابير. ويظهر واضحاً من الخطاب الانتخابي للرئيس الجديد, انه لن يكون وفياً لماضيه الاشتراكي (فالدنيا تغيرت.. وبوتفليقة تغير ايضاً) على حد وصف احد اعضاء حملته الانتخابية وبالفعل فلم يبطىء الرئيس في الكشف عن نيته ربط اقتصاديات الجزائر بالعصر الامريكي رغم انه قالها نكاية في فرنسا, بعد تحفظها على الظروف التي دارت فيها الانتخابات) . وسواء شاء بوتفليقة ام أبى فإن اقتصاد السوق المهيمن على العالم وخصوصاً على محيطه الاقليمي لن يدع له مجالاً للخيار بما سوف يدخل الجزائر في سلسلة اخرى من اجراءات الاغاثة الاقتصادية المستعجلة بدون ضمانات محددة على المدى القريب. ولعل كل من زار الجزائر الآن بات على اقتناع بأن ملف العنف والتطرف قد تراجع كثيراً بواسطة التقدم المحرز بالوسائل الامنية لكن يبدو ان الرئيس المخضرم سيكمل الانجاز الامني بمبادرات سياسية اصبح الجميع مهيأون لاستقبالها وللتعاطي معها الا من تلوثت ايديهم بالدماء وهو الاستثناء الشهير الذي اجمع عليه المرشحون السبعة بدون تحديد من يكون هؤلاء بالضبط. وفي المحصلة فإن الغالب على الظن, ان بوتفليقة سيواصل النهج (الزروالي) في خطوطه العريضة, مع تبلور اكثر للتفاصيل التي تقترب بالجزائر من بر الامان نهائياً, بعد عقد حافل بالدروس القاسية. الجزائر ــ فيصل البعطوط