اجتماع المجلس الاوروبي في بروكسل والذي انعقد لمرور نصف قرن على تأسيسه اثبت ان اوروبا بحرب يوغسلافيا الدائرة تعود الى عهد ماقبل الحرب العالمية الثانية وان فشل الدول الاوروبية في تطويق الازمة سوف يصل بالمنتهى الى حرب عالمية جديدة وسيسفر عن ضياع كل الجهود الاوروبية التي بذلت خلال الخمسين عاما لتوحيد البيت الاوروبي وتصفية خلافاته القديمة والخروج بصيغة تتوارى معها نعرات العرقية التي كانت دائما ولاتزال عائقا اساسيا في حلم اوروبا للوصول الى ولايات اوروبية متحدة, ومن اجل هذا فقد بذلت الحكومات الاوروبية في اجتماع بروكسل البقية الباقية من الجهود والتوعد والوعود املا في انهاء حرب البلقان فجاءت العقوبات الجديدة والمشددة على يوغسلافيا بفرض مزيد من الحصار الاقتصادي وتجميد ايداعات يوغسلافيا حكومة ومسؤولين بما في ذلك الحسابات الشخصية لميلوسيفيتش وعائلته ووزراؤه. وتطبيق قرار حظر النفط وحظر الاستثمارات الاوروبية في يوغسلافيا ووقف منح الضمانات البنكية لشركات التصدير الاوروبية التي تتعامل مع يوغسلافيا ومنع ميلوسيفيتش ووزرائه من الدخول لدول الاتحاد الاوروبي, وحظر الطيران اليوغسلافي, بجانب بذل الوعود لدول البلقان الاخرى المجاورة ليوغسلافيا وفي مقدمتها جمهورية الجبل الاسود للتعاون معها في تطبيق قرارات العقوبات الاقتصادية وحظرالنفط مقابل مساعدات اقتصادية كبيرة من الدول الاوروبية وتشجيع الاستثمار بها ولتحقيق هذا الوعد قررت دول الاتحاد الاوروبي عقد مؤتمر لتنمية دول البلقان في 27 من مايو المقبل لبحث المبالغ المطلوبة لتنمية هذه الدول وسبل دعمها ولعل الجهود الاوروبية خاصة في المجال الاقتصادي والاغراءات التي تقدمها الان لدول البلقان يعد دافعا اساسيا فيها ادراك اوروبا بفشل الضربات العسكرية لحلف الناتو ضد يوغسلافيا وذلك بعد مرور اكثر من شهر منذ بدء هذه الضربات وهو ما اثبتته قمة حلف شمال الاطلسي التي انتهت منذ ايام قليلة بواشنطن, حيث شابت لهجة الخجل والشعور بالفشل قادة وزعماء دول الحلف لعدم نجاح دور الحلف في انهاء ازمة البلقان, رغم محاولات اظهار الجرأة الكلامية في التهديد والوعيد والتخفي وراء اعلان استراتيجية جديدة يدخل بها الحلف القرن الواحد والعشرين, كما تأكد تردد الحلف في تنفيذ هجوم بري على يوغسلافيا للاحتمالات الكبيرة في فشل هذه الهجمات. حلف شمال الاطلسي الذي اخذ على عاتقه حفظ الامن والسلام ولعب دور التوازن في غرب اوروبا وامريكا وكندا يأتي اليوم باستراتيجيته الجديدة والعالم على ابواب القرن الجديد, والرغبة في وجود دور اوروبي كبير في ازمة ما على غرار كوسوفو يؤدي الى اقناع الرأي العام في امريكا بوجود شريك اول بجانب امريكا معني بالمشكلة لكن قبل ان يتم تفعيل دور اوروبي تكون له البصمات الشخصية الاوروبية في الدفاع لايزال الطريق امامه طويلا فقد اثبتت الازمة رغم ذلك ان أوروبا لاتزال حتى الآن تحتاج لأمريكا, ويؤكد المراقبون العسكريون في بروكسل انه بدون الآليات والمعدات العسكرية الامريكية, ما كانت اوروبا تستطيع في الوقت الحالي عمل شيء ذي فاعلية حقيقية, بما في ذلك الضربات الأرضية المحتملة, وهذا ما أكده وزير الدفاع الامريكي باعلانه ان امريكا أرسلت وحدها 500 طائرة عسكرية من اجمالي ,690 وفرنسا التي تضغط منذ سنوات على اقامة جيش أوروبي يقوم بمهمة الدفاع, وتزايد طموحها خلال نصف العام المنصرم بتشجيع من بريطانيا,عليها قبل ان تنادي بتنفيذ ذلك ان تعد جيوشها مع أوروبا اعدادا جيدا, ولعل هذا ما دفع دول الاتحاد الاوروبي في اجتماع المجلس الاوروبي ببروكسل المطالبة باعادة النظر في قرارات التقشف التي فرضتها دول الاتحاد منذ خمسة أعوام في مجال الموازنات العسكرية, والتركيز على الجانب الاقتصادي وتوفير الموازنات اللازمة لتطبيق وحدة النقد والوحدة الاقتصادية, وهي سنوات عولت فيها اوروبا مسألة الدفاع الأمني على أمريكا من خلال حلف الناتو, والآن وقد أثبت هذا الاعتماد التام على أمريكا خطأه وفداحته بالنسبة لأوروبا نفسها, فإن اوروبا بدأت تعيد النظر في سياستها العسكرية ووقف سياسات التقشف والانصراف عن التركيز على الجانب الاقتصادي على حساب العسكري, خاصة وان التجربة تثبت الآن ان كل النجاحات الاقتصادية التي حققتها أوروبا مؤخرا من الممكن ان تعصف بها أزمة الأمن الاوروبي التي تفجرها الحرب اليوغسلافية الآن, واذا كانت حرب كوسوفو تعتبر أول اختبار حقيقي لحلف شمال الاطلسي في عيده نصف المئوي, فأوروبا تعتبرها بالمقام الأول اختبارا عسيرا للمجلس الاوروبي في عيده نصف المئوي ايضا, ورغم ارساء الحلف في احتفالاته الاستراتيجية الجديدة بتوسيع نطاق تدخلاته العسكرية خارج حدود الدول الاعضاء, وفي أية منطقة لها مساس بأمن دول الحلف, الا ان هذه الاستراتيجية تأتي في وقت أثبتت فيه أزمة كوسوفو ان حملة الاطلسي قد واكبتها مشاكل كبيرة, حيث ان ما يؤكده الناتو دائما على حماية أمن وسلام أوروبا أصبح مقولة افقدت ثقة الحكومات الاوروبية, وان كانوا لا يصرحون بهذا علانية الا ان كل تصرفاتهم السياسية تؤكد ذلك, والساعات الأولى لعودة المشاركين في احتفالات الاطلسي الى بروكسل, أكدت حقيقة بأنه لم يعد لأمريكا وحلف الاطلسي مصداقية في لعب دور شرطي العالم, وهذا ما تأكد في اجتماع المجلس الأوروبي الذي ساد فيه نوع من الاستياء من تلميح أمريكا بلعب دور رجل البوليس في أوروبا على الرغم من اعلان كلينتون بأن الدول الاوروبية سيكون لها حرية وتحركات أوسع داخل الحلف للقيام بعمليات عسكرية لحسابها للحفاظ على أمنها وبشيء من الاستقلالية عن القرار الأمريكي, ولعل اعلان امريكا ذلك جاء لتهدئة الغضب الاوروبي الذي بدأ في التصاعد من فشل ضربات الحلف, وهو القرار الذي اتخذته امريكا بمبادرة منها وجرت اليه الدول الاوروبية دون عمل حسابات كاملة لكل احتمالات الموقف, مما أشعر أوروبا انها تورطت في هذه الحرب, وهذا ما يدفع الدول الاوروبية الآن لاعادة حساباتها الامنية بعيدا عن العين الامريكية, واعادة النظر في الاستمرار في تطبيق قرارات التقشف بالموازنات العسكرية, خاصة وان الصوت الروسي قد بدأ يعلو من جديد في وقت ظنت فيه اوروبا ان القوة الروسية قد خمدت الى الأبد وانه لن يكون لها صوت مسموع أو أية قوة تهدد أو حتى تلوح بها في وجه أوروبا والعالم. لاهاي ـ سعيد السبكي