نفى الحزب الشيوعي السوداني احد فصائل المعارضة المنضوية تحت لواء (التجمع الوطني الديمقراطي) صحة الاتهامات التي وجهها اليه امين عام التجمع مبارك الفاضل مؤخرا في سياق حوار مطول مع (البيان) اثار ردود فعل واسعة . وحرص التيجاني الطيب امين سر اللجنة المركزية للحزب على تجنب الدخول في تفاصيل الخلاف مع مبارك الفاضل, قائلا ان الخلاف معه ينبغي ان يحل داخل اجهزة (التجمع) عندما تنعقد اجتماعاته (وليس على صفحات الصحف لأن المستفيد الوحيد في هذه الحالة هو النظام) . لكن المسؤول الكبير في الحزب الشيوعي وفي تحالف المعارضة بالمنفى الذي يقيم في القاهرة اشار باقتضاب الى اتهامات امين عام (التجمع) خلال منتدى للحوار نظمه التجمع بالقاهرة, لكنه اثار ايضا باقتضاب (مواجع) من الماضي تتعلق بمرارات عانى منها حزبه في بعض عهود الديمقراطية. وقال ان حزبه لا يعمل على الوقيعة بين حزبي الامة والاتحادي الديمقراطي (أكبر فصائل المعارضة), مشيرا الى ان الحزب الشيوعي اول من اصدر بيانا عام 1956 يرحب بلقاء (السيدين) الذي اعتبره لقاء مهما في تلك الظروف من عمر الاستقلال والسيدان هما مؤسسا الحزبين الكبيرين عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني. وقال التيجاني الطيب ان حزبه لا يسعى للهيمنة على (التجمع الوطني) من خلال الدفاع عن الحزب الاتحادي. وأضاف ان الحزب الاتحادي لا يرضى ان نستغل الدفاع عنه لغرض هيمنتنا على (التجمع) ولا على اي فصيل. واعتبر الطيب ان اتهام حزبه لاقامة شمولية (دعاية بائتة) ولا اساس لها. وأوضح الطيب انه ليس لحزبه اية مشاكل مع القيادة الليبية. وقال: لم نرد على ما تحمله الصحف ليس لأننا عاجزون عن الرد ولكن لأن المستفيد الوحيد سيكون نظام الجبهة الاسلامية الذي هدفه تحطيم (التجمع) . وجاءت تعليقات المسؤول الشيوعي المقتضبة في مقدمة مداخلة مطولة حول موضوع منتدى الحوار الاساسي الذي حمل عنوان (مستقبل الديمقراطية في السودان) . في مداخلته ركز الطيب ايضا على تفنيد آراء سبق ان ادلى بها الزعيم المعارض رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي الذي يرأس الحزب نفسه الذي ينتمي اليه مبارك الفاضل. وبدأ التيجاني الطيب بالتعليق على رؤية المهدي حول حقوق الانسان التي قدمت في مؤتمر انعقد (قبل ثلاثة اشهر) في العاصمة اليوغندية كمدخل لحديثه حول مستقبل الديمقراطية, متفقا مع المهدي في ضرورة تقديم صورة حقيقية عما جرى في الماضي واظهار الحقائق كما هي وتقديم أي معلومات عن انتهاكات حقوق الانسان. وأكد موافقته على ضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق وان يكون تشكيلها واسعا وتستند على قانون وتضم عناصر ذات كفاءة, بحيث يمكن بعد ذلك الاتفاق على نتائج وتوصيات اللجنة وامكانية تنفيذها. واستعرض التيجاني الطيب في تسلسل تاريخي مراحل الازمة السودانية منذ الاستقلال وحتى قيام الوضع الراهن في السودان. وقال ان التدابير التي اتخذت في الازمات السابقة كانت ناقصة بعد اكتوبر وبعد ابريل وحتى قيام انقلاب الجبهة القومية فيما يتعلق بمعاقبة المفسدين وأصحاب الجرائم. وأشار الى ان هناك وفرة في القوانين لمعاقبة من ارتكبوا جرائم او قاموا بانقلابات, مشيرا الى انه يختلف مع الصادق المهدي في رؤيته بشأن اسقاط فترة (عبود) من المحاسبة بسبب رحيل أو وفاة معظم اهل تلك الفترة مؤكدا ان الجرائم لا تسقط بالتقادم. وطالب بضرورة رد حقوق كل المظلومين لأن تصفية تركة الماضي تتطلب قدرا من الحزم بتصفية تلك الجرائم. تجزئة الأزمة ورفض التيجاني الطيب تجزئة الازمة التي استخدمها المهدي في تحليله لقضية حقوق الانسان في السودان, وطالب بضرورة النظر الى الازمة بشكل متصل باعتبارها ازمة ممتدة وقال ان تجزئة الانظمة الى ديمقراطية وديكتاتورية انقلابية لا يساعد على ايجاد مخرج حقيقي باعتبار ان ازمة السودان ازمة واحدة منذ الاستقلال وحتى الآن. وجدد الطيب ثقته في ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي واعتبره مدخلا حقيقيا لحل ازمة السودان في اشارة الى انه قدم نظرة افضل في تناوله للازمة منذ قيام الدولة الوطنية في السودان واعتبره التحليل الاصوب. وانتقد التيجاني الطيب عجز الدولة الوطنية منذ الاستقلال وفشلها في تحقيق تطلعات الشعب السوداني وقال ان بناء الدولة السودانية المستقلة كان يحتاج الى استكمال من حيث تحقيق اقتصاد مستقل وليس تابع وإلى استقلال لسياسة ثقافية جديدة حرة وليس تبني سياسة ثقافية للخنوع والتبعية. وأضاف ان الدولة الجديدة عجزت امام حل المشاكل التي كانت ابرزها مشكلة الجنوب ومشاكل المناطق المهمشة. وقال ان الاستقلال لم ينعكس على قضية التنمية وحياة الناس المعيشية وركز على عجز الدولة الوطنية في ازالة الدولة الاستعمارية, والثقافة الاستعمارية, والتبعية الاقتصادية. وقال ان الديمقراطية في الدولة الديمقراطية كان لابد ان ينظر لها في شكل جديد. وعبر التيجاني الطيب عن قناعته بعجز دولة الاستقلال في انها فشلت في وقف وحل التمرد في الجنوب بل مضت في سعيها الى معالجة الامر عن طريق العنف. كما انها عجزت ايضا عن الوفاء بالعهد الذي قطعته للقادة الجنوبيين قبيل الاستقلال بالفيدرالية كمطلب موضوعي. وقال ان تبرير الصادق المهدي لعدم الوفاء بالوعد للجنوبيين بسبب قيام انقلاب 1958 لم يكن مقنعا وهو مظهر من مظاهر الازمة في بداياتها. وتعرض التيجاني الطيب لــ (مجزرة جودة) و(عنابر كوستي) كشكل من اشكال الانتهاكات في ظل الديمقراطية وتواطؤ الحكومة في ذلك الوقت مع هذه الانتهاكات وما فجره ذلك من أزمة سياسية في البلاد ادت الى وضع جديد في البرلمان السوداني حيث تحولت الازمة الى ازمة حكم. وحول اسباب تسليم السلطة الى القوات المسلحة في عام 1958 قال الطيب ان الصادق المهدي قدم عرضا مبسطا للصراع داخل حزب الأمة وتسليم عبدالله خليل السلطة الى (القيادة العسكرية) . وأشار الى ان الأزمة التي كانت داخل حزب الأمة كانت أعمق بذلك بكثير, لذلك جاء الانقلاب. وقال ان الحكومة في تلك الفترة لم تعد قادرة على الاستمرار بسبب الأزمة السياسية والأزمة الاقتصادية والتذمر وسط النواب في البرلمان وانهيار الائتلاف ووجود نواب داخل حزب الأمة كانوا رافضين للمعونة الامريكية وطرق حل الأزمة الاقتصادية. وقال ان تسليم عبدالله خليل للسلطة لعساكر نوفمبر كان مخططا لأن الحكومة كانت تدرك ان هذا اليوم كان مقررا فيه طرح الثقة في حكومة عبدالله خليل في البرلمان وقيام حكومة جديدة تشارك فيها أحزاب المعارضة وعدد من نواب حزب الأمة الرافضين, لذلك جاء تسليم عبدالله خليل السلطة (للعساكر) لمحاصرة الوضع المتفجر في الجنوب والوضع السياسي وما سببه من ضغوط. وقال ان الاتفاق الذي تم بموجبه تسليم هذه السلطة يتضمن اتجاها لتصفية الجيش من بعض العناصر وخلق جيش موال من خلال فترة محدودة يتم الاتفاق عليها ثم يرجع الجيش بعد ذلك الى ثكناته (لتفادي محاولات الانقلاب) كانقلاب (كبيدة) . ولكن الانقلاب تحول الى انقلاب عسكري كامل وحدد برنامجه وتراجع عن اتفاقه وبدأ ممارسة السلطة تحت (قانون دفاع السودان لسنة 1957) الذي يعتبر قانونا قمعيا. اكتوبر حملت أشكالا مختلفة للديمقراطية وعبر التيجاني عن قناعته بأن ثورة اكتوبر عام 1964 بكل زخمها تضمنت اشكالا مختلفة من تطبيق الديمقراطية والحرية لأول مرة تحت رايات هذه الثورة (لعام واحد) , الا ان قيام التحالف اليميني بين الاخوان المسلمين وبعض الاحزاب واجه اكتوبر بالعداء, فجاء حل حكومة اكتوبر وقيام انتخابات جزئية ثم أتت عملية طرد النواب الشيوعيين وتصعيد الحرب الاهلية وظهور الدستور الاسلامي, فضلا عن تدهور المعيشة وابتداع بند العطالة. وأشار التيجاني الى ان هذه الظروف خلقت الأزمة التي جاءت بانقلاب مايو 1969. وقال ان انقلاب 1969 هو عبارة عن تحالف بين مجموعة من البرجوازية المدنية والعسكرية حاولت تطبيق برنامجها. لكنه أضاف ان هذا الانقلاب الذي استمر لــ 16 عاما فشل ايضا في حل الأزمة السودانية, حيث تفجرت من جديد أزمة الجنوب عام 1983 وتصاعد النضال المسلح لتتكامل الظروف من جديد لقيام انتفاضة ابريل 1985. وأشار التيجاني الى ان برنامج الانتفاضة وأهدافها أجهضت مرة ثانية حيث قادت نتائج هذا الاجهاض في النهاية لقيام انقلاب يونيو 1989. وركز التيجاني الطيب أمين سر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني على ان الأنظمة جميعها منذ الاستقلال عجزت عن حل الأزمة المستحكمة, حيث ان الخيط الذي يجمع بين هذه الاحداث والتطورات المأزومة التي تجلت في الانقلابات وحيثيات عدم الاستقرار. وأكد ان المسألة المركزية هي قضية السلطة وهي القضية التي لن تحل الا بواسطة الديمقراطية, وأمن على ان ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي هو برنامج كامل لحل هذه الأزمة, بل انه يصلح لفترة الانتقال ولما بعدها باعتباره ينظر الى الأزمة كونها أزمة واحدة وليست مجزأة. وأوضح ان التجزئة تضلل وتجعل الحل مستحيلا, ولكن النظرة الشاملة الواحدة هي التي تقدم تفسيرا واحدا منطقيا تستطيع من خلاله معالجة الانتهاكات السابقة. الاتهام بالشيوعية (مكارثية) وتعرض التيجاني الطيب الى حادثة حل الحزب الشيوعي التي قادت اليها قضية معهد المعلمين العالي 1965 كنموذج للانتهاكات في ظل الديمقراطية, وقال ان التهم التي ألصقت بالحزب الشيوعي في تلك الفترة لا أساس لها. وأضاف ان الحزب الشيوعي قد تعرض لهجمة شرسة دبرتها وحرّكتها حركة الاخوان المسلمين وحلفاؤها, وما تعرض له الشيوعيون من قمع منددا بحل الحزب الشيوعي الذي قال انه يمثل أبلغ انتهاك للديمقراطية والدستور. وشرح التيجاني الطيب حيثيات الحادثة ورؤية الحزب الشيوعي لها متعرضا لموقف الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني في تلك الفترة الذي قال انه رفض تنفيذ حكم المحكمة باعتبار الحكم حكما تقريريا. وأضاف ان الفوضى التي حدثت في ملابسات حل الحزب الشيوعي قد قُننت بتعديل الدستور واجازة القانون الذي أجاز حل الحزب الشيوعي من داخل الجمعية. ونفى ان يكون القاضي صلاح حسن الذي حكم ببطلان حل الحزب الشيوعي شيوعيا. وانتقد ما قاله الصادق المهدي في ورقته باتهام القضاة الذين أصدروا الحكم ببطلان حل الحزب الشيوعي بأنهم شيوعيون أو موالون للشيوعية وهما القاضيان بابكر عوض الله وصلاح حسن. وقال ان الاتهام بالشيوعية يعتبر (مكارثية) وابتزازا سياسيا مورس في عدة مواقف ابان تلك الفترة. ونفى التيجاني الطيب علاقة الحزب الشيوعي بانقلاب 25 مايو, وقال ان هذا لا يحتاج الى سرد تفاصيل. القيادة بالداخل وفي ختام حديثه لملتقى الحوار الوطني الديمقراطي بالقاهرة قال التيجاني الطيب ردا على عدد من التساؤلات ان قيادة التجمع الوطني الديمقراطي توجد بالداخل, وان التجمع الوطني بالخارج ما هو الا أجهزة للمساعدة اعلاميا ودبلوماسيا وسياسيا. وقال: ان شعبنا بالداخل هو المعني بالتغيير وتحقيق الانتفاضة المحمية, واننا بالخارج فقط نساعد في تهيئة هذه الظروف للانتفاضة. وشدد على ان قيادة التجمع الوطني هي داخل السودان وليس خارجه. وأشار الى ان النقد الذاتي مهم جدا لتصحيح مسار العمل المعارض, وانه ضروري لتصحيح الاخطاء وتصويبها. وحول رؤية الحزب الشيوعي للديمقراطية قال التيجاني الطيب ان رؤية حزبه تنطلق من قضية حقوق الانسان باعتبار ان الحركة الوطنية قامت ونمت من خلال حركة حقوق الانسان, وانهم لا يملكون تفصيلات ومواصفات وتقسيمات كأن تكون كلاسيكية أو غيرها. وقال ان الديمقراطية هي القضية المركزية, باعتبار ان النضال ضد أول ديكتاتورية عسكرية كان متماشيا مع مطالب الديمقراطية, وبهذا المعنى فإن ثورة اكتوبر كانت ثورة ديمقراطية بالمعنى الكامل. وأوضح ان الحزب الشيوعي السوداني كان أكثر القوى السياسية التي تعرضت لقضية حقوق الانسان ودافعت عن المواطنين, حتى مجموعة مايو في ألا يحاكموا بأثر رجعي, بل أصر على محاكمتهم بالقوانين الموجودة. واختتم الطيب رؤيته بضرورة ألا ينظر للمواضيع بصورة مجردة إنما على أرض الواقع وان تعالج قضية الديمقراطية بالارتباط مع حل الأزمة الممتدة منذ أربعين عاما هناك فقط سيكون لدينا وطن جديد مليء بأشكال الديمقراطية كحقوق واصلاحات ديمقراطية تكمن في ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي ونادى بالالتفاف حول التجمع الوطني, وميثاقه لحل الأزمة الماثلة نهائيا. القاهرة ــ حسن الحسن