خمسة وعشرون عاما مضت وملف العلاقات الروسية ــ الباكستانية مطويا الى أن بادر رئيس الوزراء الباكستانى نواز شريف باعادة فتحه عبر زيارة تاريخية قام بها مؤخرا لروسيا وشكلت نقطة تحول مهمة فى مسار العلاقات بين البلدين وهيأت لمرحلة جديدة يتم خلالها استئناف الحوار السياسى بين موسكو واسلام أباد على أعلى المستويات . وهذا هو أكبر انجاز لتلك الزيارة بصرف النظر عما اسفرت عنه من نتائج لم تتجاوز مجرد التوقيع على اتفاقيتين بشأن التعاون الاقتصادى والتجارى وبصرف النظر أيضا عن عمق الخلافات التى بدت واضحة طوال محادثات الجانبين حول العديد من القضايا الدولية وكذلك عن التوقيت غير المناسب للزيارة حيث تمت فى وقت تعج فيه الساحتين الروسية والباكستانية على حد سواء بمشاكل جمة لاحصر لها فضلا عن القضاياالاقليمية الساخنة التى تلقى ظلالها على البلدين. وملف العلاقات الروسية / الباكستانية جدير بأن يتصفحه المرء بإمعان ففى ظل المتناقضات الجذرية التى باعدت كثيرا بين البلدين خلال العقود الماضية تصبح محاولات التقارب التى يبذلها الجانبان حاليا بشكل جدى وحثيث موضع اهتمام المراقبين لمجريات الأحداث على الساحة الدولية بالنظر الى أن نتائج تلك المحاولات ستؤثر بشكل ما فى اعادة صياغة ملامح الصورة العامة التى سيبدو عليها العالم خلال القرن الواحد والعشرين. ولابد من التوقف عند واحدة من أهم نقاط الخلاف بين البلدين والخاصة بالتسلح النووى فمنذ أيام قليلة أقدمت باكستان على اجراء تجربة لاطلاق صاروخ باليستى بعيد المدى يمكنه حمل رأس نووى مقتفية فى هذاأثر الهند التى كانت قد سبقتها بتجربة مماثلة. وقد أثار هذاالأمر ردود فعل غاضبة فى العديد من عواصم دول العالم باعتباره عودة جديدة لسباق التسلح النووى فى منطقة جنوب أسيا ذلك السباق الذى لايكاد يتوقف حتى تقوم احدى هاتين الدولتين باشعاله مجددا. ولقد أعربت موسكو من جانبها عن رفضها واستنكارها للتجارب الصاروخية الهندية والباكستانية على حد سواء متهمة الدولتين بزعزعة الاستقرار فى منطقة أسيا لكن الحقيقة التى لايمكن اغفالها بشأن الموقف الروسى حيال التسلح النووى فى أسيا هى أنه موقف غير محايد تماما. وتعتبر موسكو الهند حليفهاالاستراتيجى الرئيسى فى تلك المنطقة الأمرالذى طالما أثار مشاعرالغضب وعدم الارتياح لدى المسؤولين فى اسلام أباد والذين يعتبرون بدورهم الهند بمثابة العدو الأزلى اللدود ويزعجهم كثيرا ذلك التفوق الهندى عليهم فى مجال الأسلحة التقليدية فيمضون بغير هوادة فى طريق التسلح النووى أملا فى ردع الهند من جانب, ومن جانب أخر اقامة نوع من التحالف أوالشراكة بين اسلام أباد وموسكو (مماثل لذلك القائم بين نيودلهى وموسكو) يعتمد عليه فى تحقيق التوازن المنشود فى شبه القارة الهندية بفضل ماتتمتع به روسيا من نفوذ واسع فى تلك المنطقة. وهناك أيضا مشكلة جوهرية أخرى تستوقفنا عند تصفح ملف العلاقات الباكستانية ــ الروسية تتعلق بالمتطرفين الدينيين.. ذلك أن روسيا اتهمت باكستان مرارا باقامة مراكز عسكرية لتدريب المتطرفين الاسلاميين الذين يضطلعون بارتكاب حوادث ارهابية تشكل خطرا داهما على الأمن والاستقرار ليس فقط فى آسيا ولكن أيضا فى مناطق شتى من العالم خاصة فى الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان. وتشتبه موسكو فى أن الانفصاليين الشيشان وكذلك المقاتلين الأفغان قد تسلحوا وتدربوا داخل هذه المراكز المنتشرة فى باكستان ومن ثم تطالب باغلاق هذه المراكز كشرط مسبق لتحسين العلاقات بين موسكو واسلام أباد أملا فى وقف تدفق عبور هولاء المتطرفين الى داخل أراضى الدول الأعضاء فى رابطة الكومنولث المستقلة التى تعتبرها روسيا منطقة نفوذ خاصة مغلقة ومحظور العبث فيهاأوالنيل من أمنها واستقرارها أوتهديد المصالح الاستراتيجية العليا لروسيا الاتحادية. ولاشك فى أن هذه الخلافات بين روسيا وباكستان طالما شكلت حجر عثرة فى طريق التقارب بين البلدين وتسببت فى اخفاق كافة المحاولات التى بذلت لاعادة مد الجسور بينهما00غير أن مجمل الأوضاع الدائرة على الساحة العالمية أسهم (على مايبدو) فى دفع العديد من القادة والمسئولين السياسيين باتجاه الاتصال والتحاور وفى مقدمتهم أولئك القابعون على رأس السلطة فى الكرملين . ومع تفكك الاتحاد السوفيتى السابق ومع توسع حلف (ناتو) ناحية شرق أوروبا باتت روسيا فى حاجة ماسة الى اقامة علاقات مستقرة وودية مع العالم الاسلامى ذلك العالم الذى تلعب فيه باكستان دورا مؤثرا وملحوظا لايمكن اغفاله. لقد أبلغ المسؤولون فى موسكو رئيس الوزراء الباكستانى نواز شريف خلال تلك الزيارة بأن توثيق العلاقات بين روسيا والهند وباكستان والصين وايران بات أمرا حتميا لتحقيق السلام والأمن على الصعيدين الاقليمى والدولى فيما شددوا على أن الخلافات المستمرة والمستفحلة بين دول منطقة آسيا تثير قلق موسكوالى أبعد الحدود انطلاقا من ايمانها الراسخ بأن تحقيق الهدف المنشود فى الحفاظ على الاستقرار العالمى يستأهل بالضرورة تسوية تلك الخلافات فى أقرب وقت ممكن وتناسى الطموحات الاقليمية ولو بصفة موقتة. ـ أ ش. أ