أجبرت أزمة كوسوفو قادة حلف الناتو على تغيير أجندة قمة واشنطن التي بدأت أمس للاحتفال بالذكرى الخمسين لقيام الحلف, حيث كان مقررا الاحتفال بانضمام الأعضاء الثلاثة الجدد للحلف الى الأعضاء الـ 19 والتخطيط لضم آخرين يشاركون على هامش القمة في مجلس الشراكة الأوروبية مع الناتو . ومع تصاعد أزمة كوسوفو تراجعت فكرة توسيع الناتو الى الوراء, متخذة مكانها في منطقة معتمة ملبدة بسحب الخلافات حول كيفية وضع حد لمأساة كوسوفو. ووضعت الحرب في البلقان أعضاء الناتو الثلاثة الجدد, المجر والتشيك وبولندا على حافة الاكتواء بنيران حرب حرمهم اندلاعها من نشوة الاحتفال بانضمامهم للحلف. وخلافا للأجواء الاحتفالية التي عاشها الرؤساء التشيكي فاتسلاف هافيل والبولندي الكسندر كواسينوسكي والمجري آرباد جونز في أوائل الشهر الماضي, فإن كابوس الحرب هو الذي يغلف قمة واشنطن. فعندما بدأت ضربات الناتو الجوية على يوغسلافيا في 24 مارس الماضي حازت على تأييد واسع في بولندا وجمهورية التشيك والمجر. وعلقت عليها آنذاك صحيفة رزشبوسبوليتا البولندية المحافظة بقولها (أحيانا ما تكون الحرب ثمنا للحرية) , كما أعطت حكومة براج تأكيدات بأنها تؤيد كليا قرار الناتو إلا أن المعارضة سرعان ما بدأت تزداد فبدأت استطلاعات الرأي تظهر أن عدد البولنديين والتشيكيين المؤيدين للضربات الجوية التي يقوم بها التحالف على يوغسلافيا أصبح يقل شيئا فشيئا. وكانت الحكومة في وارسو تؤكد مرارا على أن بولندا ستفي بالتزاماتها كعضو في الناتو فيما يتعلق بيوغسلافيا إذا ما دعت الحاجة إلا أن النساء والكبار في السن خاصة يخشون من نشر جنود بولنديين في البلقان. وانتقدت حكومة براج مؤخرا قرار الناتو تكثيف حملته الجوية وقال وزراء في الحكومة (إننا ضد أي نوع من التصعيد) مؤكدين على (العلاقات التاريخية المميزة) بين جمهورية التشيك ويوغسلافيا. وكشف هافيل عن عدم موافقته على تصعيد الضربات ضد يوغسلافيا من خلال انتقاد حاد وجهه أحد مستشاريه الذي وصف موقف الساسة التشيكيين بأنه (يدعو للسخرية ويدل على التعصب) , غير أن الحكومة المجرية سرعان ما جهدت في إظهار وفائها للتحالف. فقد وضعت المجر مطاراتها ومجالها الجوي بتصرف عمليات الناتو دون أي عائق إلا أن هناك حداً لهذا النوايا الطيبة. فعلى مقربة من الحدود يعيش حوالي 300,000 من المجريين العرقيين في إقليم فويفودينا الصربي, ويجد هؤلاء أنفسهم في وضع محفوف بالخطر كرهائن محتملين لحكومة بلجراد. ولهذا السبب بالذات فان المجر لن ترسل أي قوات برية للانضمام إلى قوة حفظ السلام المقرر أن تدخل كوسوفو من مقدونيا إذا ما تم التوصل إلى اتفاقية مع بلجراد لانهاء الحرب. وفي رأي برونسلاو جيرميك وزير خارجية بولندا فان الناتو ليس مجرد حلف دفاعي بل هو تجمع للقيم المشتركة, في مقدمتها الدفاع عن حقوق الانسان التي بدأت تفرض اهميتها وحضورها على القانون الدولي. أما المفكرون المجريون فهم في حالة من الارتباك بشأن ضربات الناتو الجوية. فالكاتب جيورجي كونراد الذي يرأس حاليا أكاديمية الفنون في برلين أبدى موقفا انتقاديا وقال (لقد قرر الغرب أن يجعل العنف يبدو أكثر سوادا في جهة وأكثر بياضا في جهة أخرى ولا يستطيع أحد الان أن يقول من البادئ) . أما رأي المعلق لازسلو سيريز فقد جاء معاكسا إذ تساءل (كيف يصبح كل شيء فجأة نسبيا ويبقى الحظر على الاسلحة فقط ثابتا ألا يعلمنا التاريخ بأن لا نسمح لاحد على الاطلاق بأن يقودنا كخراف إلى المسلخ؟) . ويتخذ هافيل موقفا مماثلا ففي حديث مرتجل على التلفزيون نبه الرئيس البالغ من العمر 62 عاما إلى أن التحالف يراقب باندهاش انقسام الاراء في بعض دول الناتو. وقال هافيل أنه يجب على الاعضاء الجدد في الناتو بشكل خاص أن يدعموا بوضوح عمليات نشر الناتو التي تجري حاليا وأضاف أن هذا سيكون له أثر على استعداد الناتو لضم أعضاء جدد مستقبلا. أما الدول الطامحة لعضوية الناتو والموضوعة على قائمة الانتظار فهي تشارك على الهامش ضمن مجلس الشراكة من أجل السلام في وقت بددت حرب البلقان أمل تحقيق السلام في كوسوفو, بل وأثارت مخاوف كل دول المنطقة من اتساع دائرة الحرب, ويضم مجلس الشراكة من أجل السلام كلاً من : سلوفينيا, رومانيا, وبلغاريا, سلوفاكيا, ليتوانيا, ايستونيا ولاتفيا. وألقت خلافات دول الناتو حول كيفية ادارة الأزمة في البلقان بظلالها ليس فقط على الأعضاء الثلاثة الجدد, بل على المرشحين للانضمام. ــ الوكالات