أصبحت قضية (خصخصة) وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة من القضايا الحيوية المطروحة على الساحة العربية, في ظل توجه معظم الدول العربية الى التحرر الاقتصادي والتحول إلى اقتصاد السوق في محاولة لمجاراة طوفان (العولمة) وعدم التخلف عن الركب مع مطلع الألفية الثالثة . ورغم الشوط الكبير الذي قطعه عدد من الدول العربية وعلى رأسها مصر في اتجاه تحرير الاقتصاد, إلا ان الأمر مازال يقف عند عتبة الاقتصاد, دون ان يقترن ذلك بالتوسع في انتهاج أسلوب الخصخصة في مجالات أخرى وأهمها الاعلام, ورغم بعض التجارب العربية الخاصة في هذا المجال والتي ظهرت في السنوات الأخيرة, وحصلت على فرصتها كاملة, إلا ان الصورة ما زال يشوبها قدر من الغموض وتحتاج إلى مزيد من الوقت والحرية. (البيان) استطلعت آراء الخبراء الاكاديميين والعاملين في حقل الاعلام حول قضية (الخصخصة) . الخصخصة في ظل الرقابة يؤكد الخبير الاعلامي سعد لبيب انه من حق الدولة بطبيعة الحال ان يكون لها جهاز اعلامي مؤثر من اذاعة وتلفزيون تستطيع من خلاله ان تؤدي وظائفها في إعلام الناس وتثقيفهم وتعليمهم باعتبار هذه مسؤولية اجتماعية لها لا تقبل التخلي عنها بحال. ويوضح انه نتيجة للظروف التي جدت والانفتاح الاقتصادي والسياسي والسماح للجميع بالتعبير عن ذاته واستخدام الأقمار الصناعية في ظل التعددية, أصبح من المحتم وجود أجهزة أخرى تابعة للقطاع الخاص مهما كان شكله تعبر عن الرأي الآخر أيا كان وتطرح رؤية مغايرة لرؤية الحكومة سواء تتفق معها أو تختلف وذلك لصالح الدولة والمواطنين في الوقت نفسه. ويشير إلى ان هذا المناخ سوف يدفع بصورة غير مباشرة أجهزة الدولة الى التجديد والابتكار وعدم الترهل الذي عانت منه طويلا نتيجة غياب المنافسة في مجال الاعلام والتلفزيون والاذاعة على وجه الخصوص. وأوضح ان حرية القطاع الخاص لن تكون على اطلاقها ولكنها حرية مسؤولة في اطار ضوابط ومعايير سبق ان وضعتها الدول المتقدمة في بريطانيا واليابان وألمانيا وغيرها, حتى تسمح للقطاع الخاص بالتواجد في حقل الاعلام المرئي وتتضمن الضوابط ان يكون صاحب الوسيلة أو القناة التلفزيونية مواطنا 100%, حسن السمعة, وعلى درجة كبيرة من الكفاءة والقدرة المالية والمهنية حتى تتابع ذلك أجهزة متخصصة للتأكيد على جودة المضمون والتزامه بالمعايير المهنية والأخلاقية وفق قيم المجتمع. مخاوف من التسلل بينما يبدي الدكتور سامي شريف الاستاذ بكلية الاعلام بجامعة القاهرة تخوفا من تملك القطاع الخاص للاعلام المرئي في ظل الاوضاع الراهنة والتي يمكن ان يتسلل خلالها الصهاينة لبث قيم وأفكار تتعارض مع ثوابتنا القومية والدينية بحجة حرية التعبير.. مشيرا إلى ان اسرائيل لم تتوقف بعد عن السعي للسيطرة الاعلامية على المنطقة العربية, كما تسعى اليوم لانشاء مدينة انتاج اعلامي مشتركة مع الأردن تحت ستار الحرية والليبرالية الأمر الذي يتطلب يقظة تامة لمواجهة هذا الوضع حفاظا على مستقبل المواطن العربي وعدم تزييف وعيه. وضيف انه يجب علينا النظر إلى نموذج التلفزيون المصري الذي فتح الباب لتقديم البرامج المكفولة من قبل شركات الانتاج الخاصة في اطار حملات اعلانية حققت للتلفزيون أرباحا قيمتها 230 مليونا كان أغلبها في شهر رمضان .. وكانت توليفة من البرامج الضعيفة الفارغة من أي مضمون مثل عزب شو والقرموطي, وسر التفوق, وأوتيل, وماذا لو, والعديد من البرامج التي أوقفت بعد عرض جزء منها لهشاشة المادة وفراغ المضمون ولكنها تسعى لتحقيق الربح, وبالفعل حققت جزءا منه ولكن ذلك على حساب حق المواطن في الحصول على المعلومات والأخبار والمواد الثقافية الجادة. ويوضح د. سامي أن الحكومات العربية لا تستطيع ان تتخلى عن ملكيتها لوسائل الإعلام وإذا أجبرت على ذلك سيكون لديها صيغ عديدة, فضلا عن وضع نظام تشريعي صارم لحماية المجتمعات العربية من خطورة الفوضى في مجال الاعلام الفضائي الذي يصعب التحكم فيه أو السيطرة عليه لا سيما الآراء الجرىئة في قضايا حساسة بالنسبة للنظام والمجتمع في آن واحد. لا داعي للخوف ومن جانبه أكد الدكتور حسين أمين استاذ الاعلام بالجامعة الأمريكية ورئيس مركز أدهم للانتاج التلفزيوني أن السماء سوف تستقبل آلاف المحطات وسوف تقتحم علينا بيوتنا وليس من مصلحتنا غلق الباب أمام خصخصة الاعلام المرئي لأنه لا داعي من أي تخوفات والمسألة ببساطة شديدة تستوي في ظل القطاع العام أو القطاع الخاص ولا داعي للخوف من سيطرة رجال الأعمال أو المستثمرين على الرأي العام وتوجيه المجتمع لأن هناك أكثر من صمام أمان في المجتمع. ويضيف ان الحالة في الولايات المتحدة نفسها أكبر دليل على عدم التخوف, إذ ان هناك لجنة آل جور لتشريع الرقميات) والتي تصطدم بالدستور الأمريكي في مادته الأولى من خلال وضع قيود تشريعية على أداء الفضائيات الخاصة إلى جاب نظام رقابي صارم.. مشيرا إلى ان مجتمعاتنا العربية ستكون أكثر أمانا في ظل وجود تشريعات ورقابة لا تتعارض مع أداء القطاع الخاص في ضوء المعايير والضوابط المطروحة. ويؤكد الدكتور حسن عماد الاستاذ بكلية الاعلام أن زيادة عدد الأقمار الصناعية المحملة بقنوات فضائية قضت على الحدود بين الدول وأصبح من الصعب ان تقف دولة ضد التدفق الاعلامي فضلا عن ان زوال الشيوعية واستيقاظ الشعوب أدى إلى تزايد الاقبال على القنوات الخاصة في انحاء العالم المتقدم والنامي على السواء. وأبدى الدكتور حسن دهشته من وجود القنوات الخاصة في دول أقل تقدما من مصر مثل نيجيريا ومالي والمغرب وباكستان والهند والبرازيل ولبنان, وعلى مصر ان تقتحم مجال الاعلام الخاص دون توجس من أي نوع حتى لا يفوتنا قطار التقدم حيث باتت الخصخصة في مجال الاعلام واقعا مفروضا علينا شئنا أم أبينا. وأشار إلى ان الخوف من نوعية البرامج الهابطة أمر غير مبرر لغلق هذا الباب, حيث ان القنوات الرسمية في التلفزيونات المختلفة لا تخلو من مواد هابطة ورغم ذلك مستمرة. انتهى زمن الوصاية وعلى الجانب الآخر يرى الممارسون من الاعلاميين القضية من منظور آخر, فقول الدكتورة هالة سرحان رئيسة تحرير مجلة (سيداتي سادتي) والمذيعة المعروفة بالفضائيات العربية, ان خصخصة وسائل الاعلام امر ضروري لمعطيات الواقع المعاصر كما انها لن تفرض علينا موضوعات وقضايا بعينها ولكنها سوف تفسح المجال امام الجمهور والذي تتاح له حرية الاختيار والبحث عن الموضوعات التي ترضي اهتماماته وتعكس طموحاته وآماله وآلامه ويجد فيها نفسه, وهويته في اطار من القيم والمعايير الاخلاقية والدينية والعلمية دون المصادرة على العقل العربي وفرض الوصاية عليه كما هو حادث عبر الوسائل المملوكة للدولة. واضافت ان قضية تحقيق الربح من الخصخصة ليست بعبعا نخاف منه, فالعمل الاعلامي لن ينجح الا اذا اعتمد على المشاهد الذي يساعده على تحقيق الربح المطلوب كمشروع اقتصادي يخضع للقوانين والمعايير المختلفة كما ان الاعلاميين العاملين في الفضائيات العربية عليهم ان يحاولوا بقدر الامكان طرح القضايا بشيء اكثر جرأة ومصداقية وواقعية بعيدا عن الاعتبارات السياسية والدبلوماسية. واوضحت د. هالة سرحان ان خصخصة الاعلام المرئي على الاقل سوف يفتح المجال امام بند فرض الوصاية على العقل العربي بحجة حدود المصلحة العامة والخطوط الحمراء او فكرة عدم بلوغ العقل العربي سن الرشد وحاجته للتوجيه, او غير ذلك من الامور التي يمكن ان تختفي مع ملكية القنوات الفضائية والتلفزيونية والاذاعية ملكية خاصة وقالت: اننا كاعلاميين نحترم انفسنا لن نرض بءن نكون ابواق لاحد, حيث استدعيت في قناة ART وحدها منذ بدأت بثها حتى اليوم اكثر من1500 شخصية مصرية لتعبر عن ارائها لم يظهر 75% منهم على شاشات التلفزيون المصري, وكذلك الحال في الدول الاخرى رغم انهم علماء وخبراء في مجال تخصصاتهم. واكدت ان الخصخصة تعني المنافسة, تعني البحث عن مساحات حرة والمصداقية هي المفتاح السحري لنجاح اية وسيلة اعلامية سواء خاصة او عامة, ولاشك ان هناك جوانب سلبية للخصخة يمكن ان تؤدي الى ظهور محطات صفراء مثل الصحف الصفراء تعتمد الاثارة والجنس وارضاء الغرائز وغير ذلك من الممارسات المرفوضة والتي يمكن ان تردعها التشريعات الاعلامية. خصخصة شاملة بينما يرى الاعلامي البارز عماد الدين اديب رئيس تحرير جريدة (العالم اليوم) ومذيع قناة (اوربت) انه من غير الممكن ان يكون هناك في اي مجتمع حرية اقتصادية حقيقية بدون حرية سياسية, وبدون وسائل اعلام خاصة لان الحرية السياسية لاتنفصل مطلقا عن حرية الاعلام بكافة انواعه ولذلك يصبح من المؤكد ان خصخصة الاعلام امر لا مفر منه في ظل العولمة وتطور الواقع المحلى والعالمي. وقال ان لا احد يختلف على اهمية فتح الباب امام القطاع الخاص لتملك الصحف والاذاعات والفضائيات وفق ميثاق مهني اخلاقي يحكم العملية كميثاق الشرف الصحفي للاعلام المقروء وميثاق لجنة القيم الدولية FOI للاعلام المرئي والتي تضع مبادىء اخلاقية عامة تخضع للقانون العام في حالة اية مخالفة من اي نوع (مشيرا الى ان الاعلام المقروء كان اوفر حظا من الاعلام المرئي في الخصخصة منذ تجربة ظهور الاحزاب في مصر وحتى اليوم وذلك لسهولة الرقابة عليه واحكام السيطرة. واوضح ان صحيفة العالم اليوم نموذج للصحافة الخاصة والتي تحاكي الهيكل الاداري والمالي لصحيفة (الاندبندنت) البريطانية والتي قمنا بترجمته ترجمة حرفية ووضعه كهيكل للجريدة منذ تأسيسها. والمح اديب الى ان الدولة من حقها ان تمتلك وسائل الاعلام الخاصة بها بشرط ان تكون صادرة عن الحزب الحاكم الى جانب الوسائل الخاصة, دون الزام جميع رؤساء تحرير الصحف باتفاق ضمني بعدم المساس بقضايا بعينها وبأشخاص بعينهم ووضع خطوط حمراء وحدود لا يمكن ان تتخطاها هذه الصحف سواء كانت قومية اوحزبية او خاصة الامر الذي ينفي صفة الحرية عن هذه الوسائل مشيرا الى انه في قناة (اوربت) لديه وقت محدد يدعو اليه احد المصادر دون ان تعلم ادارة المحطة اسم المدعو ولا ماذا سيقول رغم ان اللقاء على الهواء مباشرة ولكن الفيصل بين المذيع وادارة المحطة هو جذب اكبر عدد من المشاهدين لهذا البرنامج كمقياس نجاح المذيع في البرنامج من عدمه. وقال انه على الرغم من التباين في تعامل الدولة مع الاعلام الخاص واعلامها الرسمي وعدم توفر العدل في المعاملة الا ان التجربة في مجال الاعلام المقروء جيدة ونتمنى ان تنسحب على جميع الوسائل مشيرا الى ان الصحف الخاصة تدفع ــ على سبيل المثال ــ نسبة 36% تمغة الاعلان بينما الصحف الحكومية لاتدفعها وهي مديونة للدولة باكثر من 500 مليون جنيه في هذا البند وحده ولذلك فإن اطلاق العنان للقطاع الخاص يمكن ان يحول المؤسسات الحكومية الخاسرة الى مؤسسات تحقق الربح في اطار التنافس الشريف والمتكافىء. حرية مقيدة ويقول الخبير الاعلامي السيد الغضبان انه لاتوجد قناة عربية خاصة مملوكة لافراد 100% ولكنها مملوكة لدول وحكومات يمثلها افراد وليست حرة تماما في تناول ما تراه من قضايا حيث انه لايزال هناك قضايا لاتتأثر بالمرة الا ان هذه التجربة لها ايجابيات كثيرة للغاية منها انها حركت المياه الراكدة في وسائل الاعلام الحكومية في العديد من الدول في النواحي الاخبارية والدراما وغيرها من الموضوعات. ودعا الغضبان الى ان يكون تملك القطاع الخاص لوسائل الاعلام في صورة مجلس امناء ــ كما هو الوضع في الـ BBC لا سلطة لوزير الاعلام عليه من حيث تعيين اعضاء او فصلهم, ويكون المجلس مستقلا ولكنه يخضع لاشراف الدولة ضمانا لحرية هذه الوسائل في التعبير عن نفسها. ومن ناحيته طالب الدكتور اشرف صالح استاذ الصحافة بكلية الاعلام بجامعة القاهرة بتشجيع اصدار الصحف للاشخاص الاعتباريين وتحريرها من ملكية مجلس الشورى الذي يمثل الحكومة كما طالب بتحرير الصحف المملوكة للدولة من الدعم الحكومي ومن السياسات المركزية الموحدة وطرح اسهمها للمواطنين لشرائها في بورصة الاوراق المالية تمهيدا لخصخصتها لاسيما المؤسسات الصحفية الخاسرة منها. وتطالب الدكتورة ليلى عبدالمجيد وكيلة كلية الاعلام بضرورة افساح المجال للاعلام الخاص المسموع والمقروء والمرئي جنبا الى جنب مع الاعلام الحكومي العام وتصحيح مسار الصحف القومية تمهيدا لخصخصتها في اطار توسيع رقعة الحرية في المجتمع مع مطلع الالفية الثالثة. القاهرة ـ أنس المليجي