طبقا لاتفاقات اوسلو التي تم توقيعها بين الفلسطينيين والاسرائيليين قبل أكثر من خمس سنوات من المفترض ان يقوم الفلسطينيون يوم الرابع من مايو المقبل باعلان دولتهم المستقلة وبذلك يتحقق حلمهم الذي انتظروه طويلاً .. ورغم ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يواصل حاليا جولاته المكوكية شرقا وغربا في أرجاء العالم لكسب التأييد والدعم لاعلان الدولة الفلسطينية, وهناك بالفعل تصريحات تصدر من هنا ومن هناك سواء من دول عربية او غير عربية تؤيد الحق الفلسطيني في ذلك.. رغم ذلك فهناك الكثير من الشكوك والتساؤلات مازالت موجودة وتطرح بقوة حول امكانية قيام عرفات بالاقدام على هذه الخطوة باعلان الدولة, وحول المخاطر الممكن حدوثها في حالة اقدامه على ذلك, وحول مدى تقبل فصائل المعارضة الفلسطينية لذلك وكيفية اعدادها لنفسها لكي تنصهر في هيكل الدولة وتأثير تلك الخطوة على المسار السوري واللبناني, وعلى الانتخابات الاسرائيلية المقبلة. الغاء مكاسب الفلسطينيين الدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة اسيوط يرى ان اعلان الدولة الفلسطينية في موعدها 4 مايو المقبل ينطوي على عدة مخاطر اولها ان ينفذ نتانياهو تهديده بإعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية, والغاء اي حق للسلطة الفلسطينية على هذه الاراضي بمعنى الغاء كل ما حصل عليه الفلسطينيون من مكاسب على الصعيد الداخلي من وراء اتفاقات اوسلو وذلك سيكون بالقطع اكبر ضربة وجهت لعملية التسوية السلمية في الشرق الاوسط, حيث ان جوهر الصراع العربي الاسرائيلي كان وسيظل هو القضية الفلسطينية, وهذا الخطر يدعمه ان نتانياهو يتولى رئاسة حكومة اسرائيلية يمينية متطرفة ويكفي ان شارون وزير خارجيته وان المقاعد المطلوبة للحصول على الثقة في الكنيست الاسرائيلي تستكمل دائماً بمقاعد الاحزاب الدينية المتطرفة. وهناك خطر اخر من الممكن حدوثه في حالة الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية وهو ان ترتفع موجة العنف في المنطقة بأسرها, وبحيث تهدد الاتفاقات الموقعة في المسارات الاخرى وتنسق اي حديث عن اي تقدم في المسارات المؤجلة كالمسار السوري اللبناني.. اما اذا لم يعلن عرفات قيام دولته فانه سوف يكسب دعم التحالف الدولي الانجلوسكسوني الامريكي البريطاني, وتعاطف الدول الاوروبية والساعين خلق حالة من السلام في المنطقة, وعموما فالواضح ان المناخ العام العربي والعالمي يتجه الى التأجيل, ومحادثات ابومازن التي تمت مؤخرا في واشنطن اعتقد انها كانت تهدف الى الحصول على ضمانات لانجاز ما تم الاتفاق عليه في اوسلو وواشنطن والقاهرة وواي بلانتيشن, مقابل تأجيل اعلان الدولة الفلسطينية وخاصة ان القاهرة وواشنطن وبقية العواصم المؤثرة في عملية السلام تريد ذلك. (موجة عنف عاتية) وعن تأثير اقدام ياسر عرفات على إعلان دولته على المسار السوري اللبناني يقول الدكتور حسن بكر: انه اذا حدث وتم اعلان الدولة الفلسطينية في 4 مايو المقبل وأدى ذلك الى حدوث المخاطر التي تم ذكرها من اقتحام لمناطق الحكم الذاتي وموجة عنف عاتية في المنطقة, ففي هذه الحالة فان الحديث عن المسار السوري اللبناني سوف ينزل الى سلم الاولويات الاقليمية والدولية, ويقل الاهتمام به كثيرا, لان المسار الفلسطيني هو الاساس, وهو الذي تنتظر كل الدول العربية ومنها سوريا ولبنان انهائه, لانه لو تم انهائه فمن المحتمل ان يقود ذلك الى عملية سلام شاملة في الشرق الاوسط. ونوه الى ان ما يتم طرحه من ان تكون الكونفدرالية الاردنية الفلسطينية هي البديل الأمثل للفلسطينيين, هو طرح خطير جدا خاصة في هذا التوقيت وينبغي اولا ان تعلن الدولة الفلسطينية وتمارس سيادتها على ارضها ثم تترك للفلسطينيين الحرية كاملة في اتخاذ قرارهم في هذا الشأن, وهنا يصبح القرار فلسطينياً, وبالتالي يصبح للفلسطينيين كيان يجمعهم مع الاردنيين, اما الان وحيث لا توجد دولة فلسطينية فمن الصعب الحديث عن كونفدرالية اردنية فلسطينية. (ثلاث قضايا) وفيما يتعلق بتأثير اعلان الدولة الفلسطينية على الانتخابات الاسرائيلية وموقف الاحزاب الاسرائيلية من ذلك يضيف الدكتور حسن بكر: هناك ثلاث قضايا تؤثر على الانتخابات الاسرائيلية, الموقف الامريكي, الانسحاب من جنوب لبنان والمسار اللبناني السوري, والدولة الفلسطينية فاذا تم اعلان الدولة الفلسطينية فان ذلك سيعطي فرصة اكبر لرئيس الحكومة الاسرائيلية نتانياهو لكي يستمر في السلطة, لان اكثر شيء يخشاه المجتمع الاسرائيلي ويؤثر فيه هو الامن, وقد استطاع نتانياهو ان يكرس في أذهان الشعب الاسرائيلي وجود صلة بين اعلان الدولة الفلسطينية وانعدام الامن لدى اسرائيل, باعتبار ان هذه الدولة ستكون ملجأ للفلسطينيين والعرب المتطرفين, وسوف تكون ملاذا قويا لحركات المقاومة الفلسطينية وبحيث يصبح لها موطىء قدم في فلسطين المحتلة, وهذا الامر يقلق المواطن الاسرائيلي, ولذلك فالنتيجة المحتملة في حال اعلان الدولة الفلسطينية ان يقوم نتانياهو بالقفز الى اراضي السلطة الوطنية وبالتالي تنتهي كل احلام الفلسطينيين في اقامة دولتهم وعندها تضرب اتفاقات اوسلو في مقتل ولا يكون هناك مجال للحديث عن عملية التسوية في الشرق الاوسط.. وأعتقد ان الفلسطينيين في الداخل يدركون ذلك جيدا ولذلك فالارجح ان اغلبهم مع تأجيل اعلان الدولة في الوقت الحالي حتى لا تضيع المكاسب التي حصلوا عليها حتى وان كانت مكاسب ضعيفة.. وأشار الدكتور حسن بكر الى ان فصائل المعارضة الفلسطينية ستتحول في حال قيام الدولة الفلسطينية الى أحزاب سياسية معارضة, او تختفي عن الساحة او تبقى على ما هي عليه تحت الارض لاننا انتقلنا من حالة الثورة الى حالة الدولة, وهذا من الممكن ان يتم بشكل هادئ وخاصة ان هناك مناخاً نفسياً سلمياً على الساحة الفلسطينية اعطى انطباعاً بشرعية الدولة المنتظر اعلانها, خصوصا ان اسرائيل تنتظر على الحدود, فالخطر الخارجي من وجهة نظري هو تدجين هذه الحركات المعارضة وتحويلها الى منظمات سياسية معارضة تختفي نهائيا او تستمر تحت الارض. (تأخير اعلان الدولة) اما الدكتور وحيد عبدالمجيد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام فيعتقد ان الاتجاه العام السائد حاليا عند كل الاطراف هو تأخير اعلان الدولة الفلسطينية على اساس ان هذا افضل للجميع ولذلك فمن المتوقع ان يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني يوم 27 ابريل الحالي, هذا القرار من المنتظر ان ينص على تأجيل اعلان الدولة ربما لفترة ستة اشهر اخرى وقد يعلن هذا القرار فوراً على العالم يوم 27 ابريل وقد يتم تأجيل اعلانه حتى يوم 4 مايو اليوم المحدد لاعلان الدولة الفلسطينية.. ويكمل الدكتور وحيد عبدالمجيد: الاهم من الحديث عن اعلان الدولة او عدم اعلانها هو اهمية ان تكون هناك مؤسسات واجهزة قوية وفي كل المجالات الاعلامية والاقتصادية والامنية والدبلوماسية وغيرها تستطيع ان تقوم بواجباتها في تسيير امور هذه الدولة المزمع اعلانها, والا يكون هذا الحديث وهذه الجولات التي يقوم بها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لحشد التأييد لاعلان الدولة هو شيء وهمي فأين هذه الاجهزة التي ستقوم على أكتافها الدولة الفلسطينية, فبعد مرور خمس سنوات كاملة من تولي السلطة الوطنية الفلسطينية مقاليد الامور في مناطق الحكم الذاتي لم يثبت انه كانت لها أجهزة ومؤسسات فاعلة سوى الاجهزة الأمنية فقط, يجب على الرئيس ياسر عرفات ان يقتطع جزءا من الوقت الذي يخصصه لجولاته الخارجية يتأمل فيه ما آلت اليه الامور في مناطق الحكم الذاتي الذي يريد اعلان الدولة الفلسطينية فيه, فقد وصلت الى حالة من السوء لم تشهدها من قبل فجميع الفلسطينيين في الداخل يعتمدون اعتمادا تاما وفي كل مناحي الحياة على اسرائيل رغم وجود السلطة الوطنية الفلسطينية التي لم يروا منها الا الاجهزة الامنية التي لاهم لها الا مطاردة العناصر الفلسطينية المعارضة وقمعها, لقد ادى ذلك الى ان يفقد الفلسطينيون في الداخل حلمهم في ان تكون لهم دولتهم المستقلة.. هناك حالة شديدة من الاحباط يعاني منها هؤلاء الفلسطينيون بسبب الممارسات القمعية التي تقوم بها السلطة الوطنية الفلسطينية وكذلك بسبب انتشار الفساد بين قيادات ومسؤولي السلطة وهذا ليس كلاما مبالغاً فيه ولكنها حقائق اعلن عنها المجلس التشريعي الفلسطيني وحذر منها وطالب بابعاد الوزراء الفلسطينيين المتورطين بسياسات فاسدة.. فلسطينيو الداخل لم يروا من السلطة الوطنية سوى الفساد والاجهزة الامنية التي فاق حد ممارساتها القمعية اي حد كان يتوقعه الفلسطينيون. (على اساس ديمقراطي) ويعود الدكتور وحيد عبدالمجيد فيؤكد على ضرورة بناء الاجهزة والمؤسسات الفلسطينية الحقيقية التي تستطيع تولي هذه المسؤولية.. اجهزة ومؤسسات تبنى على أساس ديمقراطي حر يستطيع كل الفلسطينيين ان يشاركوا فيه دون قمع او ترهيب, اما ما يتردد ويدور حاليا على الساحة من حديث عن إعلان الدولة الفلسطينية فهو نوع من الاستهزاء بالعقول. ويشير الى ان اصرار عرفات على هذه التحركات والجولات الكثيرة شرقا وغربا لكسب التأييد لاعلان الدولة الفلسطينية ودعمها هو في الحقيقة محاولة لشغل الفلسطينيين في الداخل وصرف انظارهم عما يحدث من حولهم, وبحيث يكون هناك جدل دائم ومستمر بين الفصائل الفلسطينية حول الدولة الفلسطينية وهل سيتم اعلانها؟ ومن هم المؤيدون والمعارضون؟ وهل سيقوم نتانياهو بتنفيذ تهديداته بالدخول مرة اخرى الى مناطق اعادة الانتشار التي تمارس السلطة الوطنية الفلسطينية السيادة عليها وبالتالي نسف عملية السلام من أساسها... حوار مستمر وينشغل الفلسطينيون وعرفات يواصل جولاته وزياراته. وينبه الدكتور وحيد عبدالمجيد الى ان حالة الاحباط التي وصل اليها الفلسطينيون في الداخل تهدد بامكانية حدوث انتفاضة ضد السلطة في حال الاعلان عن الدولة, فتأخير اعلانها هو مجرد هدنة بين المعارضة الفلسطينية والسلطة, هذه الهدنة ستنتهي بمجرد اعلان الدولة وعندها ستجد القيادة الفلسطينية نفسه وجهاً لوجه امام فصائل المعارضة الفلسطينية. تحقيق: صالح الفتياني