تعلن او لا تعلن الدولة الفلسطينية في الرابع من مايو المقبل, مسألة وضعتها السلطة الوطنية الفلسطينية في دائرة مطاطية تتسع وتضيق حسب المواقف والمعطيات السياسية المحلية والاقليمية والدولية , فخلال الفترة الماضية تراوحت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين بين التأكيد والتأكيد لاعلان الدولة فيما صدرت العديد من الاتجاهات من داخل السلطة نفسها تطالب باستراتيجية عدم اعلان الدولة لما فيه من مصلحة للقضية القومية والمصلحة المستقبلية للوطن. المؤيدون لاعلان الدولة في موعد انتهاء الفترة الانتقالية يستندون الى اعتبارات واسباب عديدة منها اعلان الدولة الصادر بالجزائر عام 1988 فيما يرى المعارضون ان المقومات القانونية والسياسية لم تتوافر بعد لاعلان مثل تلك الدولة ويستندون في ذلك الى اعتبارات الواقع من حيث فقدان القرار السياسي المستقل للسلطة الوطنية وغياب عناصر الدولة بمفهومها القانوني واستمرارية الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. ايا كانت التصريحات والمواقف السياسية للمؤيدين والمعارضين فإن ما يعنينا في هذا الاطار المفهوم والابعاد القانونية لمسألة إعلان الدولة واذا ما كانت تتوافق مع الشروط والمتطلبات القانونية الصحيحة ام تتعارض معها وبالتالي ترجيح كفة المعارضين للاعلان. فالقواعد القانونية في هذا المجال تنص على ان للدولة مفهوما خاصا وشروطا محددة لاطلاق هذا الوصف عليها هي, الشعب, والاقليم والسيادة او السلطة السياسية وفي ذلك يقول الدكتور فتحي الوحيدي استاذ القانون الدستوري والنظم السياسية بكلية الحقوق ـ جامعة الازهر في غزة, ان جميع المؤشرات تؤكد ان الفلسطينيين ينطبق عليهم وصف الشعب في مفهوم القانون الدولي, حيث انهم جماعة من الناس تربطهم روابط مشتركة اثبتت اقامتها بصفة مستمرة ودائمة على اقليم فلسطين, ولا يؤثر في هذا المبدأ كما يقول الدكتور الوحيدي ان يكون اقليم هذه الجماعة قد خضع كله او جزء منه لسيادة دولة اخرى نتيجة للحرب حتى ولو فرضت جنسية دولة الاحتلال على شعب هذا الاقليم ما داموا لم يتنازلوا عنه اختيارا وهو ما يطبق على الشعب الفلسطيني في علاقته بالدولة الاسرائيلية. اما العنصر الثاني فهو السيادة او السلطة السياسية فيذهب معظم رجال القانون في فلسطين الى توافر هذا العنصر في المسألة الفلسطينية مستندين في ذلك الى وجود الشعب الذي مارس سلطته الانتخابية المباشرة ويعزز ذلك نقيب المحامين الفلسطينيين عبدالرحمن ابو النصر بتأكيده في ورقة قدمها لندوة مستلزمات الدولة عقدت في غزة مؤخرا, ان السيادة في فلسطين تبقى للشعب اذا مارس السلطة على ارضه اذا لم يقبل الغزو العسكري واظهر تصميمه بطريقة او باخرى على استعادة حريته فسيادته, حتى لو جرحت او قيدت او لجأت الى منفى تظل قائمة ومستمرة من الناحية القانونية, فالاحتلال الحربي لا يضفى حقا قانونيا للمحتل في الاقليم, لذا فإن شخصية الدولة التي يحتل اقليمها تبقى متكاملة بكافة عناصرها المكونة للدولة, وعزز من سيادة الشعب الفلسطيني على ارضه قيام منظمة التحرير الفلسطينية اذ مارست السلطة واثبتت شرعيتها الداخلية والخارجية فهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وفقا للشرعية النضالية والشرعية العربية الممثلة في مؤتمر القمة بالرباط عام 1974, وعضو كامل العضوية بالجامعة العربية منذ عام 1976, والمؤتمر الاسلامي ومجموعة دول عدم الانحياز والاعتراف الدولي بمنظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي لدولة فلسطين. وحول الشرط الثالث لاعلان الدولة وهو الاقليم ويعني المنطقة او الرقعة الجغرافية التي تتم عليها ممارسة السيادة بريا وجويا وبحريا وفي باطن الارض ايضا, وانطلاقا من التعريف التقليدي لمفهوم الاقليم فيعني ضرورة ان تكون الحدود كاملة متكاملة إلا في بعض الحالات الاستثنائية التي اعترف بها القانون الدولي مثل الاعتراف بدولة اسرائيل عام 1949 دون ان يكون لها حدود محددة بصور قاطعة. ويقول الدكتور الوحيدي في هذا المجال, انتهى الفقه القانوني وجرى العمل بين الدول وقضت المحاكم الدولية وهيئات التحكيم انه لا يشترط في الوحدة محل البحث ان تكون حدودها معينة بشكل قاطع, كما لا يشترط ان تكون حدودها غير متنازع عليها حتى يمكن اعتبارها دولة, فحدود اسرائيل نفسها لم يتم الاتفاق عليها حتى اليوم ومع ذلك فقد اعترفت بها الامم المتحدة وبوجودها كدولة. وحول توافر هذه الشروط لاعلان صفة الدولة يواصل الدكتور الوحيدي الى شرعية وجود الدولة من الناحية القانونية والسياسية ويقول (ان الدولة الفلسطينية تم الاعتراف بها مسبقا حيث قامت غالبية اعضاء الجماعة الدولية باجراءات اعلنت بمقتضاها قبول فلسطين كشخص من اشخاص القانون الدولي للدول المستقلة ذات السيادة ودخلت فلسطين في علاقات عادية ومنظمة بينها وبين الدول التي صدر عنها الاعتراف المسبق, وهذه العلاقات لا تكون إلا بين الدول المستقلة ذات السيادة المكتملة للاركان الثلاثة حيث لها الحق المطلق في ممارسة كافة الاختصاصات التشريعية, والتنفيذية والقضائية على الاقليم, فالسلطة الوطنية الفلسطينية تقوم الآن على اساس اقليمي بحيث تمتد سلطتها ورقابتها لتشمل كل الاشخاص والاشياء الموجودة داخل حدود هذا الجزء من فلسطين الذي تمارس عليه سيادتها واصبح الممثلون الدبلوماسيون والقناصل يمارسون مهمتهم على الارض الفلسطينية, بل واصبحت المعاهدات للاتفاقيات بين فلسطين وسائر دول العالم تنفذ على اجزاء من فلسطين حتى قبل ان تستقر السلطة الفلسطينية على جزء من اقليم فلسطين وتمارس عليه سيادتها!! وبذلك يرى الدكتور الوحيدي ان قيام الدولة بالاركان الثلاثة قد تحقق بمجرد عودة السلطة الفلسطينية الى غزة والضفة الغربية عام 1994 وما الاعلان عن ذلك إلا كاشف لحقيقة الشخصية القانونية لدولة فلسطين الموجودة بالفعل في الواقع الدولي. اما نقيب المحامين فيرى ان الاعلان عن الدولة تحكمه قواعد واستند الى ان الفقه الدولي الذي يرى البعض انه مقرر لواقع موجود ولا يضفي شيئا على الكيان الوليد في المجتمع الدولي فيما يعتقد آخرون انه منشأ اذ لا يمكن ان يكتمل وجود هذا الكيان إلا الاعتراف الدولي به, وتوصل الى ان اعتراف المجتمع الدولي باعلان الدولة الفلسطينية قد فاق الاعتراف باسرائيل والذي جاوز المائة دولة ورتب بعض وجود التمثيل الدبلوماسي بين دولة فلسطين والدول الاخرى كما قبلت الامم المتحدة دولة فلسطين كمراقب في الامم المتحدة عام 1988, وكذلك تم رفع مستوى تمثيل فلسطين ضمن الاعضاء المراقبين الى اعلى درجة يمكن ان يكون عليها العضو المراقب في يوليو من العام الماضي. وفي الاطار نفسه طرحت ورقة عمل قدمها مركز التخطيط الفلسطيني الى ندوة مستلزمات الدولة قضية الاعتراف من زاوية اكثر تركيزا على الجانب الدولي وشرحت الاساس القانوني للدولة الفلسطينية من جانب الامم المتحدة مستندة الى نموذج ناميبيا في الاستقلال وقالت: يعتمد الاساس القانوني للدولة على المادة 22 من عصبة الامم المتحدة وفقرتها الرابعة التي اعتبرت فلسطين آهلة للاستقلال شرط مساعدتها بانتداب فئة (أ) بينما اعتبرت ناميبيا التي كانت تسمى آنذاك جنوب غرب افريقيا غير آهلة من فئة (ج), كما ان المادة 103 من الميثاق تنص على ان الالتزام بنصوص الميثاق يعلو على اي التزام آخر, وتوصلت الدولة الى ان فلسطين مازالت مشمولة قانونا بنظام الانتداب والمعاهدات الخاصة به وذلك بسبب ان فلسطين لم توضع تحت نظام الوصاية ولم تعقد اتفاقية دولية جديدة بشأنها وان قرار التقسيم 181 لم يتم تطبيقه من قبل الامم المتحدة, وبذلك فإن الاقليم الفلسطيني مايزال يعتبر مسؤولية من مسؤوليات الامم المتحدة التي يتحتم عليها نقل الاقليم للوصاية ثم اقامة الدولة الفلسطينية فيه. وتوصلت الورقة الى ان كافة الاسس القانونية التي استندت اليها عملية اصدار القرار 435 بشأن استقلال ناميبيا هي نفس الاسس التي يجب ان تقف وراء اصدار قرار مماثل بشأن فلسطين وذلك بدءا بالمادة 22 من عهد العصبة واتفاقية الانتداب, والمواد 77/1 و80/1 و103 من ميثاق الامم المتحدة, وتطبيق قرار التقسيم 181, والفارق الوحيد هو عرقلة الولايات المتحدة لاصدار قرار مماثل للقرار 435 والتهديد باستخدام القوة. ويجسد ذلك الفقرة التاريخية في اعلان الاستقلال الصادر عام 1988 في الجزائر ونصه: استنادا الى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات اجياله المتعاقبة دفاعا عن حرية وطنهم واستقلاله وانطلاقا من قرارات القمم العربية ومن قوة الشرعية الدولية التي تجسدها قرارات الامم المتحدة منذ عام 1947, ممارسة من الشعب العربي الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره والاستقلال السياسي والسيادة فوق ارضه, فإن المجلس الوطني يعلن باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطينية فوق ارضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وبعد ذلك.. تحمل لنا الايام القليلة المقبلة توقعات اعلان الدولة.. يكون أو لا يكون!؟