في الستينات من هذا القرن فشلت القوة الجوية في تحقيق النصر على فيتنام الشمالية مع أنها مهدت الطريق أمام الانسحاب الامريكي من تلك البلاد, وفي العام ,1982 فشلت القوة الجوية في تحقيق الانتصار على لبنان , وكانت نتيجتها أنه وبعد مرور 17 عاما, لا يزال الاسرائيليون يقومون بأعمال عسكرية في لبنان, بشكل يومي تقريبا .. فالعسكريون لايكلون أبداً من ترديد الحديث عن الدقة في تحديد الهدف والضربات الجراحية والانتصارات التي لا توقع ضحايا ومن خلفهم, لا يمل المدنيون أبدا من سماع هذه الأحاديث. ففي السابق كما هي الحال الآن, استخدمت الأسلحة المتوفرة الأكثر تطورا, وكان من المفترض أن تكون القاذفات بي - 52 التي اشتركت في العمليات ضد هانوي والتي تحلق الآن فوق يوغسلافيا قادرة على استهداف بناية معينة دون التسبب بأذى للبنايات المحيطة كما أن أختها طائرة الفانتوم أف - 4 وصفت بأنها (أفضل قاذفة مقاتلة يتم بناؤها على الاطلاق) . وفي لبنان, لم يستخدم سلاح الجو الاسرائيلي طائرات اف - 15 واف - 16 نفسها التي تشكل العمود الفقري للحملة الحالية على يوغسلافيا فحسب, وانما استخدم ايضا نظام مراقبة وقيادة جديدا بالكامل, وكان من المفترض ان يجعل هذا النظام الضربات الجوية أكثر دقة وفاعلية مما كانت عليه في العام ,1973 وبدلا من ذلك, انتهى الحال بسلاح الجو الاسرائيلي, الذي لا يواجه جيشا عربيا نظاميا وانما الميليشيات اللبنانية المختلفة والبنية التحتية للبلاد, الى تحويل أجزاء كبيرة من بيروت الى خرائب. وفي حينه, كما هي الحال الآن لم يعدم المعتدي الأعذار التي تبرر فعلته, وخلال الحملة العسكرية على لبنان, خرجت أصوات بعض الاسرائيليين تنادي بأن يقوم سلاح الجو الاسرائيلي بقصف دمشق وبيروت, وفيما يتعلق بفيتنام, كان البعض يقول انه لم يتم استخدام ما يكفي من القوة وان تلك القوة التي استخدمت تم استغلالها بطريقة خاطئة ضد أهداف خاطئة. وفي أيامنا تلقى اللائمة على غطاء السحب الذي يقلل من فاعلية سلاح الجو, وفي ذلك الوقت كانت اللائمة تلقى على الرياح الموسمية, والآن تعتبر التضاريس جبلية ومليئة بالغابات, وفي ذلك الوقت كانت المناطق مغطاة بالغابات الكثيفة, وفي أيامنا هذه يتخذ العدو مواقع دفاعية ويلجأ للتمويه, أما في ذلك الوقت فقد كان العدو (ذكيا) و(مراوغا) . وعلى الرغم من ان طائرات الناتو الكثيرة قد (تضعف البنى التحتية اليوغسلافية) الا انه في النهاية, سيبقى منها ما يكفي لكي يقوم الصرب بطرد السكان المدنيين من كوسوفو, وهذا مرده الى انه بعكس ما يعتقد البعض في مقر قيادة الناتو, فان تنفيذ هذا العمل لا يحتاج الى الكثير (هذا ان احتاج في الأصل) من الوحدات الكبيرة والدبابات والعربات المصفحة والمدافع, فكل ما يحتاج اليه هو فرق صغيرة من الافراد ذوي العزم, وعربات مدنية وأسلحة خفيفة تعززها, على سبيل المثال, قذائف الهاون. واذا ما اضطرت هذه القوات الى الاحتماء من الضربات الجوية, فقد تأخذ معها رهائن من الشعب المستهدف نفسه, الا انه لا توجد في الوقت الحاضر أي مؤشرات تدل على ان الصرب قد انضغطوا الى هذا الحد. وللسبب نفسه, فإنه مهما ضرب الناتو من قدرات يوغسلافيا, فسيبقى منها في النهاية ما يكفي لمواجهة اية قوات برية قد يرسلها الناتو بحرب عصابات شرسة. وهذا هو بالضبط نوع الحرب التي يتقنها الصرب من القدم. فهم يعدون لهذه الحرب منذ عقود وفي اذهانهم الغزو الالماني في العام 1941 والغزو السوفييتي بعده. وفوق كل شيء, يجب ان يكون الهدف من وراء جميع الاعمال الحربية تحطيم ارادة العدو, وهو الهدف الذي لم يستطع لا الاسرائيليون في لبنان ولا الامريكيون في فيتنام تحقيقه ناهيك عن السوفييت في افغانستان او الروس في الشيشان. وبالتالي, ينبغي ألا نفاجأ بأنه وبعد انقضاء ثلاثة اسابيع على الحملة العسكرية, لا توجد أي دلائل على ان الامور تسير الى الاحسن في يوغسلافيا, واذا حدث شيء فهو الى الاسوأ كما يوحي التصاعد المخطط لعمليات القصف. وفي العام 1970 قاد العجز الامريكي على الانتصار في فيتنام الى غزو كمبوديا وتفكيكها وما تلا ذلك من مأساة انسانية تفوق الوصف. وفي العام ,1999 تعد عمليات الناتو ضد يوغسلافيا البلقان بسرعة لحرب يشنها الجميع ضد الجميع. ففي الوقت الحاضر, تتصارع العديد من القوى النظامية وغير النظامية ضد بعضها البعض في كوسوفو نفسها. وقد بدأت الحرب بالفعل بالانتقال إلى ألبانيا ومونتينيجرو ومقدونيا. وحتى ان بلغاريا واليونان اللتين تجدان هذه الدول والأقاليم قد تجدان نفسيهما تعجان باللاجئين وتستخدمان كمناطق انطلاق وتجران إلى الصراع كما حصل في العام 1913 خلال حرب البلقان الثانية. ان أية قوات برية للناتو تتورط في هذه الحرب ستكون تعيسة الحظ بالتأكيد, حيث ستجد نفسها في وضع لا تعرف من أين تطلق النار عليها, تماما كما حدث مع قوات الأمم المتحدة في الصومال في العام 1993. وفي هذه الحالة سيكون نجاحها محدودا وخسائرها عظيمة. وبدلا من الاحتفال بالجنود كأبطال, سيبدون كسفاحين أو أغبياء أو كليهما معا. لقد سبق وان حدث هذا كله من قبل. وفي الوقت الحاضر, لم تصل بعد الأمور إلى حد ضياع السيطرة السياسية على القتال. فجميع الدول المشاركة لا يزال لديها حكومات, وينبغي أن تكون هذه الحكومات قادرة على انهاء القتال. ويبدو ان الناتو لا يحقق تقدما في أي اتجاه باستثناء الفشل لنفسه والكارثة لمنطقة البلقان برمتها بما في ذلك سكان كوسوفو الذين يجدون العلاج أسوأ من المرض. إن هذه الأسباب وأسباب كثيرة غيرها تستوجب اللجوء إلى الدبلوماسية وايقاف الحملة العسكرية بينما لا يزال هناك متسع من الوقت. مؤرخ عسكري ومحلل استراتيجي- خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص بـ(البيان)