تعلمت الولايات المتحدة واوروبا درسا قاسيا من جراء فشلهما في مواجهة عمليات التطهير العرقي في البوسنة, ونعرف جميعا اننا تخلينا عن شعب اوروبي في وقت كان ابناؤه بأمس الحاجة لمد يد العون والمساعدة, وندرك جميعا أن ذنب 200 الف قتيل ومليوني لاجىء يعد وصمة عار ملازمة لنا . ولكن الاوروبيين والامريكيين وقادتهم لا يريدون اليوم تكرار هذه المأساة وان يتحملوا اوزار الفشل الاخلاقي في كوسوفو. فالرئيسان الامريكي والفرنسي بيل كلينتون وجاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير يدركون تماما ضرورة عتق انفسهم من الخطايا التي اقترفها فرانسوا ميتران وجورج بوش وجون ميجور, وشأن شعوبهم واداراتهم تعلموا الدرس المخيف نتيجة فشلهم بالتحرك لانقاذ البوسنة, فالاوروبيون والامريكيون يقفون جنبا إلى جنب اليوم للعمل بجد لمحو العار الذي لحق بالقيادة السيئة التي سيطرت على الساحة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة. القادة الجدد بمن فيهم بيل كلينتون وتوني بلير والامين العام لحلف الناتو خافيير سولانا ووزير الخارجية الالماني جوشكا فيشر ونظيره الفرنسي هيوبرت فردان ينتمون جميعا إلى جيل (المحتجين والرافضين) في عام ,1968 وعلى نقيض قادة الحقبة السابقة, فانهم حريصون على استخدام قوة الغرب العسكرية للدفاع عن القضايا الانسانية. فوزير الخارجية الالماني جوشكا فيشر, على سبيل المثال, يعرف ان المبدأ الاساسي الذي تقوم عليه اوروبا الحديثة هو (عدم السماح لارتكاب نفس الاخطاء مرة ثانية) وهو يعلم تماما ان كل شيء دون استثناء يعتمد على عدم السماح مطلقا لأي قوة ان تقف على باب عربة القطار وتصدر اوامرها لليهود أو الالبان أو المسلمين بالوقوف على اليسار, ويقف الكاثوليك أو الصرب على ناحية اليمين, ان المبدأ الثابت لاوروبا الجديدة هو الرفض القاطع لجميع انواع التفرقة العنصرية والتطهير العرقي. وباستخدام القوة العسكرية لحلف الناتو التي انشئت خلال الحرب الباردة, يبدو أن جيل القادة الجدد مصمم على بناء عالم جديد طالما راود احلامهم في شوارع واماكن مثل باريس وبرلين وبيركلي. ولكن عندما يقوم جيش بقتل الناس في شارع تلو الاخر وفي قرية تلو الاخرى مستخدمين القنابل اليدوية والبنادق الآلية والخناجر والفؤوس, لا نستطيع بأي حال من الاحوال الاكتفاء بالرد من الجو, لابد وان نحمي الناس على الارض ووضع حد لمعاناتهم حيث يعانون. فنحن لسنا مجبرين على قبول المقولة المضللة والتي تقوم على اساس احد الخيارين (إما حرب جوية شاملة) أو (حرب برية شاملة) , من العبث ان نقبل أو نصدق بانه ليس باستطاعتنا شن عمليات برية ان لم يتوفر لدينا 200 الف جندي على الاقل, لم يكن هذا صحيحا في حالة البوسنة وليس صحيحا في حالة كوسوفو, فقوات حلف شمال الاطلسي البرية يمكن ان تدخل كوسوفو على مراحل. قد تكون الخطوة الاولى تقدم قوات الحلف لمسافة خمسة أو عشرة كيلومترات داخل كوسوفو لاقامة منطقة آمنة مما يسمح للسكان الذين يهربون من كوسوفو البقاء في منازلهم بدلا من اجبارهم على اللجوء إلى المنفى. اما الخطوة الثانية, والتي لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة, فتقضي بارسال قوات خاصة لحلف الناتو للقيام بمهمات خاصة, فالاقمار الصناعية ووسائل جمع المعلومات الاخرى, نستطيع ان نعرف على وجه الدقة القرية أو مجموعة القرى تتعرض لحصار على ايدي القوات الصربية, فلدى الفرنسيين والبريطانيين والامريكيين قوات خاصة قادرة على توجيه ضربات محددة لفك الحصار عن هذه القرى وتحريرها أو على الاقل اقامة ممرات انسانية تؤمن انسحابا آمنا للقرويين. ان مثل هذه العمليات لابد وان تؤدي إلى وقوع اصابات لا يمكن تجاهلها, ولكن مثل هذه الاستراتيجية التي تعتمد على مراحل وتجمع بين العمليات الجوية وانتشار وتدخل القوات البرية ستقلل كثيرا من حجم الاصابات التي قد تسفر عن حرب برية شاملة, ان من شأن هذه الاستراتيجية أن تؤكد بوضوح تصميم حلف الناتو المتنامي للاضطلاع بمهام انسانية بغض النظر عما قد يتعرض له من خسائر أو بتحمله من تضحيات. خدمة لوس انجلوس تايمز خاص لـ (البيان)