يتسلم الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة مهامه هذا الاسبوع من الرئيس السابق اليمين زروال فى وضع يميزه جدل واسع بين القوى الرئيسية فى البلاد حول الشرعية الشعبية والدستورية التى سيستند اليها فى مواجهة ازمة سياسية وامنية فجرتها نتائج انتخابات برلمانية عام 1992 . ولم يعرف صف المؤيدين للرئيس الجديد غداة الاعلان عن فوزه وافدين جددا ولم يتلق التهانى الا من المنظمات المدنية الكبرى العمالية وقدماء المحاربين ومتقاعدى الجيش الموالية لانظمة الحكم المتعاقبة بالتقليد واربعة احزاب كبرى كانت قد شكلت تحالفا انتخابيا لدعمه وهى حزب التجمع الوطنى الديمقراطى الحاكم وشريكيه فى الحكومة جبهة التحرير الوطنى وحركة مجتمع السلم الى جانب حركة النهضة الاسلامية التى طلقت المعارضة. ويعبر ذلك فى نظر مراقبين اجانب دعتهم السلطات ضيوفا بمناسبة الاقتراع عن فوز مهزوز لم يثر القبول الواسع فى الشارع حتى وان لم يظهر الجزائريون شعورهم ذلك بمظاهرات. ودهش بعض هؤلاء المراقبين للبرودة التى تعامل بها غالبية الجزائريين مع فوز الرئيس الجديد ولم يكن ذلك من عادتهم وهم نفسهم الذين خرجوا فى نوفمبر 1995 لاسناد انتخاب وزير الدفاع اليمين زروال على الرغم من مقاطعة اهم القوى السياسية وقتها. وقد اشتد الجدل غداة اقتراع الخميس الماضى بين المرشحين الستة المنسحبين والسلطات بشأن صدقية ارقام التصويت وقال ابرز منافسى بوتفليقة حسب استطلاعات للرأي نشرت قبل اسابيع قليلة وهما وزير الخارجية السابق احمد طالب الابراهيمي والوزير الاول الاصلاحى مولود حمروش ان نسبة المشاركة لم تتجاوز فى افضل الاحوال 25 بالمائة وان الرئيس الجديد لم يحصل الا على 28 % من الاصوات المعبر عنها. ولم يقم حد ادنى من التفاهم عن صدقية نسبه المشاركة التى قدمتها السلطات وهى 25ر60 بالمائة واعتبرت حتى فى حال مطابقتها للواقع صفعة موجعة من رجل الشارع للاقتراع حيث تعد الاضعف منذ عشرة اعوام وربما كانت تعكس برأي سياسيين من الجيل الجديد رفضا كامنا للوضع والنظام القائم وبديله الوحيد فى هذه الانتخابات. وبالرغم من مساندتها له فقد ترددت حركة مجتمع السلم اكبر الاحزاب الاسلامية المعترف بها فى البلاد للشيخ محفوظ نحناح فى تأكيد ما اذا كان بوتفليقة قد تمكن من شرعية شعبية قائمة على اصوات اغلبية الناخبين. ويشير حسين ايت احمد اقدم واشد المعارضين للجيش وزعيم جبهة القوى الاشتراكية واحد القادة الستة الكبار للثورة الجزائرية الى ان التطور التكنولوجى فى البلاد اقتصر على اكتشاف اشكال جديدة من التزوير عند كل انتخاب. ويقول زعيم حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية (بربرى علمانى) سعيد سعدى الذى قاطع الانتخابات انه لايعقل ان تجرى نصف الانتخابات فى الثكنات ومحافظات الشرطة ويصوت الالاف من الناخبين بالوكالة نيابة عن اخرين . ويبدو الوضع اليوم فى الجزائر على الرغم من اشتداد الشكوك بشرعية الرئيس الجديد كما لو انه امر واقع بالنسبة لمجموع القوى الكبرى فى البلاد لابديل عنه اذ يصف بعض قادتها سلطة بوتفليقة بالفعلية وليست بالدستورية ولكن لا مفر من التعامل معه مثلما تعترف بذلك رئيسة حزب العمال لويزة حنون المعارضة لحكم الرئيس المنتظر رحيله اليمين زروال والمؤيدة لحل تفاوضى بين جبهة الانقاذ والحكومة. ويرى الدبلوماسى والمدير السابق لمعهد الدراسات الاستراتيجية الشاملة بالجزائر العاصمة محمد يزيد ان نظام الحكم القائم يخشى ان تفرز انتخابات مفتوحة نتائج مفاجئة له قد تعرضه لتغيرات سريعة وتعصف باركانه التى بناها العسكر غداة استقلال البلاد. وتعتقد مجموعة من كتاب الرأي يدعون الى الواقعية ان سيناريو بوتفليقة ربما كان الافضل لمؤسسة عسكرية ارهقتها ازمة امنية مستنزفة ومستمرة منذ قرابة ثمانية اعوام فهو صنعها وبمقدوره ان يجسد طموحها فى مرحلة انتقالية يعبر خلالها الحكم نحو العنصر المدنى ولكن فى هدوء. ويعتبر بوتفليقة مدنيا خريج مدرسة الجيش السياسية فقد بدأ مسيرته فى جيش الثورة ولمع نجمه مع تعيينه رئيسا للدبلوماسية خلال حكم رمز الوطنية الجزائرية الرئيس الراحل هوارى بومدين وهو ايضا على دراية كبيرة بمخارج نظام الحكم وقد وعد قبل انتخابه بان يحفظ الجيش عن التغيير. بيد ان عبدالعزيز بوتفليقة الذى يتعايش منذ سنوات مع مرض القصور الكلوى وان كان يمثل اقوى ضمان بين الشخصيات المترشحة المنسحبة فانه يجلس على كرسى هش فى ظل الانقسام بشأن شرعيته الامر الذى يجعل الوفاق يبدو مستحيلا فى المرحلة القادمة.