من المقرر أن يقيم حلف شمال الأطلسي في 23 ابريل الحالي في واشنطن احتفالا كبيرا بمناسبة مرور خمسين عاما على تأسيسه, فاذا ما قدر للصراع في كوسوفو أن يستمرحتى ذلك الوقت فان اللقاء سيكون بمثابة فرصة مناسبة لاجتماع (مجلس الحرب) (نعم انها حرب) والتأكيد على التزام الحلف لتحقيق النصر, أما إذا حقق الحلف انتصارا قبل ذلك الموعد, فان الحدث سيكون احتفالا بكل ما في الكلمة من معنى, ولكن إذا دخل الحلف في مفاوضات للتوصل الى تسوية تقدم بعض التنازلات لميلوسيفيتش وخصوصا فيما يتعلق بمطالب حلف الاطلسي قبل بدء عمليات القصف الجوي, فان الاحتفال سيكون مأتما يعلن وفاة الحلف. ان الرهان في حقيقة الأمر لم يعد مقتصرا على مصير كوسوفو, وانما تعداه الى قضايا عديدة أخرى أكثر أهمية وخطورة, وليس من قبيل المبالغة القول ان فشل حلف الناتو في احراز نصر بائن قد يعني نهايته كتحالف يمكن الوثوق به أو الاعتماد عليه, ويقلل في الوقت نفسه من مصداقية الولايات المتحدة باعتبارها الدولة العظمى الوحيدة, التي تنفرد بقيادة العالم وما قد يترتب على أي من هذين الأمرين سيترك آثارا مدمرة على الاستقرار العالمي. من المفيد لنا جميعا أن نتوقف لبرهة وجيزة, ونطرح السؤال التالي: من الذي يؤيد استخدام القوة لوضع حد لاعمال القتل والتطهير في كوسوفو ومن يعارضه؟ جميع الدول الاعضاء في حلف الناتو التسع عشرة يقفون جبهة واحدة متماسكة, كما ان الأنظمة الديمقراطية الأخرى في أوروبا تدعم استخدام القوة بشكل عام, أما المعارضون بشدة لهذا التدخل فلا يزيدون على ذلك المعجب بالقائد النازي هتلر في روسيا البيضاء ونظام الحكم القائم في روسيا, والذي فشل أن يحقق في الشيشان ما يحاول أن يحققه ميلوسيفيتش اليوم في كوسوفو ويمكن القول اذن ان هناك رؤيتين متضاربتين لأوروبا المستقبل: الأولى ترى أوروبا كمجتمع يربطه احترام لا يتزعزع لحقوق الانسان, أما الثانية فلا تزال تعتقد أن للنخبة الوطنية الحاكمة كل الحق بارتكاب المجازر الجماعية ضد الأقليات. ومن يضمرون السوء للولايات المتحدة وأوروبا يفهمون ذلك جيداً, حتى ان احدى الصحف الرائدة التي تصدر في موسكو (نيزا فيسمايا جازيتا) حرصت في افتتاحيتها في 25 مارس الماضي على التبشير (ببداية الحقبة التي ستشهد ليس انهيار الامبراطورية الامريكية وحسب, ولكن بداية افول نجم أوروبا ايضا, وتابعت الافتتاحية لتحض روسيا على الاكتفاء بدور المراقب الذي يقول كل ما يجب قوله بينما يقوم حلف الاطلسي بتدمير نفسه) . نجحت ادارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حتى الآن بالابقاء على وحدة الحلف, ولكنها لم تحقق مثل هذا النجاح على الصعيد العسكري الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات حول تماسك الجبهة السياسية, كانت الغارات الجوية التي شنها الحلف ضد الصرب خلال الاسبوعين الاولين تتسم بعدم الاقدام ومكبلة بالحذر الشديد وتفتقر في الوقت نفسه الى المسؤولية الأخلاقية, ومن المؤسف حقا ان الحلف فشل بالقيام بما يجب ان يقوم به وفي الوقت المناسب لمنع عمليات المجازر والتهجير الجماعي والتطهير العرقي الذي مارسته صربيا ضد سكان اقليم كوسوفو العزل, وبالرغم من عمليات التطهير العرقي كانت قد بدأت عمليا قبل بدء القصف, الا ان الحقائق على الأرض تؤكد تسارع وتصعيد العمليات الوحشية ضد المدنيين العزل بعد بدء القصف, لا يستطيع البيت الأبيض التهرب من مسؤوليته لفشله القيام بأقل ما يمكن ليمنع المجازر الجماعية والتطهير العرقي اللذين ينفذان بناء على أوامر مباشرة من ميلوسيفيتش. يصعب عليّ فهم الأسباب التي أعاقت تجهيز الطائرات المروحية الهجومية قبل بدء عمليات القصف, ألم يخطر ببال أي من كبار المسؤولين ان القوات الصربية ستتحرك ضد سكان الاقليم؟ ولماذا تم تجاهل طلب القيادة العليا للحلفاء في أوروبا, ولما يزيد على عشرة أيام, ارسال طائرات مروحية هجومية, بينما يشاهد العالم عمليات التهجير الجماعية ويعلم بما ارتكبه الصرب من مجازر؟ ان هجوما جويا تكتيكيا وفعالا ضد قوات ميلوسيفيتش البرية, كان لابد من شنه منذ اليوم الأول, بالرغم من احتمال وقوع خسائر في صفوف القوات الحليفة, من المؤلم حقا ان نتخيل الشباب الألبان وهم ينظرون بيأس إلى السماء على أمل وصول الحماية لهم قبل أن يتعرضوا للاغتصاب أو للتصفية الجسدية. أضف الى ذلك ان عمليات القصف الجوي اديرت بأسلوب يتعارض مع أبسط الميول النفسية الأساسية التي تتحكم بالانسان في أوقات الحروب, فبدلا من زعزعة الخصم وزرع الرعب في قلبه, سعت الحملة الجوية لتجنب وقوع إصابات ليس في صفوف الطيارين فحسب, ولكن بين صفوف كبار مساعدي ميلوسيفيتش ايضا, وبالتالي فان عمليات القصف الجوي جاءت بمثابة (تلقيح) الصرب بمضاد للخوف من عمليات القصف وتحريك مشاعر الصرب الوطنية التي تدعم دكتاتور بلجراد. الجدير بالذكر ان القصف الاستراتيجي للمواقع الصربية جاء وكأن الهدف من ورائه معاقبة وانهاك الجيش الصربي استعدادا لشن هجوم بربي, ولكن التناقض بدا واضحا عندما أعلن الرئيس الأمريكي عن عدم وجود نية للقيام بمثل هذه العملية واستمر خلال الاسبوع الثاني من القصف بطمأنة ميلوسيفيتش ان الولايات المتحدة لن تدخل معركة برية, لا يمكن للمراقب أن يتجاهل ما يثار من شكوك حول تأثير العوامل السياسية السلبي في وقت نحتاج فيه الى قيادة صارمة تتمتع بروح المبادرة, لقد شجع هذا الموقف السلبي, والمتردد ميلوسيفيتش على الاختباء في الملجأ ويستوعب العقاب الذي تنزله فيه قوات الحلف الجوية, بينما يقوم باكمال ما بدأه من تطهير عرقي في كوسوفو. ومن المؤكد ان الهجوم البري يحتاج الى دراسة متأنية, حول كيفية نشر القوات, بالاضافة الى ضرورة تأمين دعم جماهير الشعب, ولكن إذا ما فشلت الحملة الجوية بتحقيق النجاح السياسي المطلوب, فان الهجوم البري يصبح ضرورة ملحة, لماذا إذا لا نبدأ بالتحضير له من الآن؟ ولماذا في ظل الظروف الراهنة اعطاء ميلوسيفيتش مزيدا للشعور بالثقة بأنه لا يحتاج لأن يقلق بشأن احتمال شن عمليات عسكرية برية؟ فمن العبث ان يستمر الرئيس ومستشاروه بالادعاء بأن قوات الناتو لن تدخل كوسوفو الا بعد موافقة مسبقة من ميلوسيفيتش. ما الذي يجب أن نفعله اذن؟ في كل الظروف الراهنة فان على الولايات المتحدة التي تتزعم قيادة الحلف, ان تؤكد ان شيئًا لن يقف في وجهها أو يعيقها عن تحقيق النصر, يجب أن تتوصل الطغمة الحاكمة في بلجراد الى قناعة مفادها ان جرائم ميلوسيفيتش ستؤدي الى دمار جماعي, ومن أجل تحقيق هذا لابد من الاقتداء بالخطوط السياسية العريضة التالية: 1- ان صيغة رامبوييه للحكم الذاتي لكوسوفو في اطار الحكم الصربي قد ماتت, وقتلها ميلوسيفيتش بما ارتكبه من جرائم ضد الانسانية, ولسنوات مقبلة فان الوضع في كوسوفو سيظل معلقا وتحت حماية مباشرة من حلف الناتو. 2- لابد من التأكيد انه لن تجرى مفاوضات مع ميلوسيفيتش شخصيا الا في اطار بحث شروط الانسحاب الصربي بعد الالتزام التام بشروط حلف الناتو, وعلى الملف ايضا ان يرفض القبول بأية صفقة قد تقترحها روسيا على اساس منح ميلوسيفيتش بعد التنازلات عن مطالب حلف الناتو الاساسية, ان من شأن هذا التنازل ان يحول الغارات الجوية الى فشل كامل من ناحية, ومكافأة ميلوسيفيتش على ما ارتكبه من جرائم ومجازر وتطهير عرقي من ناحية أخرى, اضف الى ذلك ان تقديم تنازلات سيبدو وكأنه نصر سياسي عظيم لموقف الكرملين المعارض لحلف الناتو. 3- لابد من تكثيف الغارات الجوية إما لتدمير قوة ميلوسيفيتش العسكرية أو لاجباره على القبول بشروط الناتو, ان القيود على الأهداف الصربية قللت كثيرا من الآثار العسكرية والسياسية لعمليات القصف. 4- لابد من بدء تحضير عمليات الهجوم البري لقوات الناتو اما من ألبانيا أو مقدونيا, وخصوصا بعد ان تنجح الغارات الجوية بعزل القوات الصربية في كوسوفو عن صربيا لتصبح مكشوفة وتعاني من نقص حاد بالوقود والذخيرة. 5- ان ضحايا المذابح والاغتصاب والتطهير العرقي في كوسوفو لهم الحق الأخلاقي بالدفاع عن أنفسهم, وبالتالي لابد من تسليح أولئك المستعدين للمقاومة, اضف الى ذلك ان مثل هذا العون لسكان الاقليم يبعث برسالة واضحة الى بلجراد تؤكد ان استراتيجية التطهير العرقي محكومة بالفشل. 6- لابد من مصادرة جميع ارصدة يوغسلافيا الموجودة في جميع الدول الاعضاء في حلف الناتو وذلك لممارسة الضغوط على بلجراد أو للقيام بأعمال إعادة البناء في كوسوفو بعد التدمير الذي سببته القوات الصربية. 7- من دون انتظار نهاية العمليات الحربية, فان على الولايات المتحدة واوروبا الاعلان عن نيتهما التوصل الى خطة شاملة لاعادة اسكان وتأهيل واعادة بناء كوسوفو, وكذلك التأكيد على ضرورة عودة جميع اللاجئين حتى لايكون لدى بلجراد ولو بصيص أمل بالاحتفاظ بالاقليم أو جزء فيه. 8- البرنامج الذي تقدم ذكره يجب أن يحتوي على بند أساسي يفيد بأن صربيا الديمقراطية في مرحلة ما بعد ميلوسيفيتش يمكن ان تستفيد من جهود اعادة بناء منطقة البلقان, والتي ستضم مقدونيا والبانيا والجبل الأسود, ومن شأن هذا البند أن يشجع الصرب الواقعيين على اعادة النظر في تأييدهم لسياسات ميلوسيفيتش الانتحارية, وفي جميع الأحوال فان الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف الناتو سيقومون بدور أكثر فاعلية لضمان أمن واستقرار منطقة البلقان, وعندما يستعيد الكرملين وعيه, فان مشاركة روسيا في قوات حفظ السلام في المنطقة ستكون موضع ترحيب, تماما كما كانت في البوسنة. * مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق لشؤون الأمن القومي خدمة لوس انجلوس تايمز خاص بـ (البيان)