هيمنت روح الندم الأوروبي على قمة بروكسل اثناء اعدادهم لمسودة اتفاقية السلام والخطة الدبلوماسية التي تبنتها دول الاتحاد الاوروبي لانهاء الحرب الدائرة في كوسوفو واحلال السلام, بعد ان أثبتت الضربات العسكرية فشلها في انقاذ الأقليات الالبانية في الاقليم , بل ادت الى وقوع الآلاف منهم ضحية مجازر وحشية على ايدي الصرب ونزوح عشرات الآلاف على الحدود الاوروبية هربا من جحيم الموت والتنكيل. فقد ادركت اوروبا بعد فوات الاوان ان قرار شن الهجوم العسكري الذي جرتها اليه امريكا هو قرار خاطىء لم يتم الاعداد له بصورة جيدة من الناحية التكتيكية العسكرية رغم حشود الجنود والمعدات, ولم يوضع في الاعبتار مدى مقاومة ميلوسيفيتش وقواته العسكرية, كما لم تأخذ بالحسبان كيفية حماية المدنيين من الالبان, والآن والضربات العكسرية لحلف الناتو ضد صربيا تدخل اسبوعها الرابع, لم يقدم سلوبودان ميلوسيفيتش خلالها اي تنازلات, بل جاءت نتائج وإفرازات هذه الضربات على نحو غير متوقع, الامر الذي طرح خمسة سيناريوهات من قبل قادة وجنرالات حلف شمال الاطلسي لامكانية حل ازمة الصراع الدائر في كوسوفو, تمثلت بالتالي: * السيناريو الأول في حالة استمرار الضربات الجوية العسكرية على اهداف عسكرية يوغسلافية, سيؤدي هذا الامر تدريجبا الى ضعف القوات الصربية, وفي الوقت نفسه جيش تحرير كوسوفو, مع استمرار الضغط على ميلوسيفيتش, مما قد يدفعه للبحث عن مخرج سياسي, اما سلبية هذا السيناريو, فهي تتمثل في احتمالات حدوث اخطاء عسكرية امريكية تؤدي الى مزيد من الضحايا المدنيين, سواء من الألبان أو من الصرب, الامر الذي تكون نتيجته تراجع الدعم الدولي لحلف الناتو اضافة الى ان النتائج الفعلية قد لا تؤتي ثمارها الا بعد مرور اشهر طويلة, حيث لا توجد ضمانات حقيقية بأن ميلوسيفيتش قد يقدم تنازلات حقيقية, وهذا لا يمنع الصرب من الاستمرار في تصفيات عرقية, بجانب زيادة الفجوة بين الحلف وروسيا. * السيناريو الثاني استمرار الضربات الجوية بمشاركة قوات برية من اجل تحرير جزئي لكوسوفو, وايجابيات هذا السيناريو هي تمكين لاجئي الاقليم من العودة للمناطق المحررة, وذلك في حالة هزيمة القوات الصربية, ويتم خلال ذلك الضغط على ميلوسيفيتش للجلاء وتحقيق مطالب الناتو لشعب كوسوفو, مع تراجع الدعم السياسي لميلوسيفيتش, وسلبيات هذا السيناريو هي, ان تشكيل قوات برية يمكنها التعامل بصورة جيدة مع الاراضي اليوغسلافية امر يستغرق وقتا طويلا لتحقيق النجاح المطلوب مع احتمالات حدوث مقاومة عسكرية صربية برية لها خبرة بالتعامل مع طبيعة الارض سواء المنبسطة او الجبلية, مما يفجر احتمالات واسعة لوقوع حمامات الدم, كما يمكن ان تعطي الاشتباكات البرية الفرصة لحدوث نوع من الخلط يستثمره كل من الجيش الصربي وجيش تحرير كوسوفو على حد سواء لتصفية الحسابات, كما انه من المتوقع قيام بلجراد باحتلال مقدونيا, ألبانيا, المجر وليس من المستبعد زيادة حدة الغضب في موسكو, مما يدفع القوات الروسية للتحرك. * السيناريو الثالث استمرار الضربات الجوية مع تسليح قوات حفظ السلام (يو.سي.كيه) لتعمل من داخل ألبانيا, لحماية شعب كوسوفو من الهجمات الصربية, وفائدة هذا السيناريو هي عدم تفاقم الصراع والتقليل من الخسائر المحتملة حال دخول قوات برية, كما ان قوات الــ (يو.سي.كيه) من الممكن لها ان تعيق القوات الصربية, مع استمرار الضربات العسكرية التي تؤدي الى تحرير الاراضي من ايدي الصرب واعادة سكان كوسوفو لها, اما السلبيات التي يمكن ان تنجم عن هذا السيناريو فهي اطالة امد الحرب الجوية, واكتساب الصرب بمرور الوقت خبرة لمقاومة الطيران القادم من حلف الناتو, وتنازل الحلف سياسيا الى قوات حفظ السلام, وتراجع فرصة الحلول الدبلوماسية, اضافة لردود فعل غير متوقعة من روسيا قد تتمثل بمساعدات عسكرية للصرب. * السيناريو الرابع استمرار الضربات الجوية مع بداية تحرك دبلوماسي لجذب روسيا والأمم المتحدة, وذلك لاشراكهم فعليا في الحلول, فائدة هذا السيناريو هو زيادة الضغط العسكري على ميلوسيفيتش ودعمه بضغوط سياسية, وفرض عزلة دولية على يوغسلافيا, وتأكيد دور وقوة حلف الأطلسي حينما يحصل الحلف على دعم من الامم المتحدة, ومن الممكن التعامل مع ميلوسيفيتش دون خسارة ماء وجهه, اما سلبيات هذا السيناريو, فهي ان الحلف قد يضطر للتخفيف من حدة مطالبه من الصرب, وعدم قيام الحلف بتشكيل قوات حفظ سلام, وترك جزء من عصا القيادة للامم المتحدة, كما انه من الصعب ايجاد ضمانات لاتفاق كل من امريكا وألمانيا والأمم المتحدة وروسيا على صيغة واحدة, الأمر الذي يعطي الفرصة لميلوسيفيتش للاختراق السياسي والايقاع بين الاطراف. * السيناريو الخامس والأخير اعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية, والبدء بهدنة يتم معها ايقاف الضربات الجوية, فائدة ذلك هي وجود احتمالات لوقف العنف من قبل الصرب (وهو امر غير مؤكد تماما) , واعطاء الفرصة لروسيا للقيام بدور فعال ومؤثر, وسلبيات هذا السيناريو, هي تراجع حدة الضغوط على ميلوسيفيتش, الأمر الذي يمنحه نفسا اطول للتفاوض وفقا لارادته وشروطه, وتتراجع مع ذلك فرصة اعادة اللاجئين لديارهم, كما ان ميلوسيفيتش في هذه الحالة قد يضع عقبات امام تشكيل قوات حفظ سلام دولية, وتبقى اقدار الاقليات العرقية في كوسوفو في ايدي الصرب, وإراقة ماء وجه حلف الناتو بقيادة امريكا. واذا كانت كل هذه السيناريوهات ومعطياتها من سلبيات وايجابيات تم طرحها من قبل قادة وجنرالات حلف شمال الاطلسي في بروكسل, فإنه على التوازي وداخل مقر الاتحاد الأوروبي تجىء المفاوضات والمباحثات لترجيح اي من هذه السيناريوهات المطروحة شريطة ان يكون لأوروبا الدور الاول فيها, والا تكون امريكا هي القائد والمحرك الاول على غرار ما حدث في قرار الضربات العسكرية, حتى لا تجد اوروبا نفسها للمرة الثانية تقف موقف النادم الخاسر في حرب أوروبية ستدفع هي في النهاية كل تكاليف مكاسبها وخسارتها. بروكسل ــ سعيد السبكي