نقول أن الناتو حلف مبني على قيم مشتركة بين جميع الدول الاعضاء فيه, لكن هل تحمل هذه الكلمات معنى حقيقيا ؟ لقد اجبر سلوبودان ميلوسيفيتش الدول الاعضاء في الحلف على اعطاء جواب لا لبس فيه عن هذا السؤال, ولقد قررنا بأن القيم لا ينبغي الحديث عنها فقط, وانما ينبغي ايضا تقديم الدعم لها, ولهذا السبب دعم الحلفاء الجهود الرامية الى ايجاد حل دبلوماسي للأزمة في كوسوفو, ومما لا شك فيه ان محادثات رامبوييه كانت نتاج صبر الدبلوماسية التي اتبعتها الدول الحليفة ودأبها, ولكنها ايضا سبب اختيار الحلف استخدام القوة العسكرية ضد قوات الامن اليوغسلافية والحكومة في بلجراد, عندما فشلت مفاوضات رامبوييه. ولم يكن اتخاذ ذلك القرار بالامر اليسير فالمأساة الانسانية لم تكن لتتوقف في غضون بضعة ايام, والمخاطر العسكرية التي تواجه جنودنا ستكون كبيرة وقد تقع خسائر في صفوف المدنيين وكان من المتوقع ان تتأثر علاقتنا المهمة مع روسيا, وان يتهم الناتو من قبل البعض بأنه يطبق القانون الدولي على هواه. إلا انه على الرغم من هذه المخاطر فإن علينا ان نمضي قدما لاسباب ثلاثة. اولا وقبل كل شيء, تحركنا من اجل وقف المأساة الانسانية. ان الوقوف وقفة اللامبالي حيال ما يجري في قلب اوروبا من حملة وحشية تستهدف الترحيل القسري والتعذيب والقتل, كان سيعني اعلان الافلاس الاخلاقي. تخيل غضبة الجماهير التي كان من الممكن ان تحدث لو ان الافلاس الاخلاقي, تخيل غضبة الجماهير التي كان من الممكن ان تحدث لو ان الناتو قرر ان يغض النظر عن الامر, وكان من الممكن ان يظهر منطق تحويل اوروبا الى كيان سياسي واقتصادي وامني مشترك ككلام خطابي فارغ, لو اننا تحملنا رؤية عمليات التطهير العرقي البربرية فمن الدروس التي تعلمناها من البوسنة, ان التحرك مبكرا قد يكون اقل خسارة في النهاية. ثانيا, لقد تم استنفاد جميع الوسائل الاخرى, السياسية والاقتصادية, قبل ان نلجأ الى العمل العسكري, وقد عبر رفض ميلوسيفيتش التوقيع على اتفاق رامبوييه عن عدم اهتمامه بالحل السلمي. وبدلا من ذلك حاول ايجاد واقع عرقي جديد على الارض في الاقليم, وان اي مراقب نزيه يدرك ان القوة العسكرية كانت الخيار الوحيد المتبقي لايقافه واجباره على اعادة التفكير بالامر, ويتعين على الحلفاء ان يبقوا حازمين, بحيث لا يتركون بديلا لميلوسيفيتش سوى الانصياع والقبول بسلام عادل. واخيرا, تحركنا لمنع تدهور الاستقرار في منطقة البلقان. وكما اكد مجلس الامن الدولي قبل شهور, فإن زعزعة الاستقرار التي احدثها الهجوم الضاري لقوات ميلوسيفيتش الوحشية على كوسوفو تشكل تهديدا للمنطقة برمتها, ويجب ألا يغيب عن بال احد ان عملية التطهير العرقي بدأت في كوسوفو قبل شهور عديدة من قيام الناتو بشن اولى ضرباته الجوية, لقد كان تحركنا من اجل منع ميلوسيفيتش من كتابة آخر فصل في حملته الهادفة الى تفريغ اقليم كوسوفو من سكانه, وكان ذلك هو السبب وراء قرار الناتو عدم تأجيل العمل العسكري. لن تكون تلك هي المرة الاولى التي يتحول فيها نزاع اقليمي في البلقان الى نزاع اكثر اتساعا واشد خطورة, فمع تدفق مئات الألوف من اللاجئين الذين طردوا الى الدول المجاورة بفعل الاعمال الوحشية لميلوسيفيتش, فإن المنطقة بأكملها تواجه خطرا حقيقيا بامتداد الصراع, ان تلك الدول المجاورة التي تواجه ما يكفيها من مشكلات سياسية واقتصادية قد وصلت منذ مدة الى حدود قدرتها على التعامل مع هذا العبء الاستثنائي وخلاصة القول انه لو لم تجد سياسة بلجراد المتمثلة في الطرد المتعمد لالبان كوسوفو معارضة قوية, لكانت النتيجة حدوث مزيد من عدم الاستقرار ووقوع المجازر بحق المدنيين. وستتواصل العمليات العسكرية التي يشنها الناتو حتى يذعن ميلوسيفيتش لمطالب المجتمع الدولي المتمثلة فيما يلي: ـ وقف جميع العمليات العسكرية وعمليات القتل. ـ سحب قوات الجيش والشرطة والقوات شبه العسكرية الصربية من كوسوفو. ـ نشر قوات دولية في الاقليم ـ عودة جميع اللاجئين الى كوسوفو ـ وضع اطار سياسة لكوسوفو على اساس اتفاقية رامبوييه. ويتفق الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان ودول الاتحاد الاوروبي والناتو على انه من دون جميع هذه الخطوات, لن يكون هناك كوسوفو ديمقراطية سليمة متعددة الاعراق, حيث يعيش جميع سكانه في امان والناتو مستعد للمساعدة في تنفيذ مثل هذا الاتفاق, الذي لم يفت اوان تحقيقه, وميلوسيفيتش يعرف تماما ما ينبغي عليه القيام به. تتركز معظم جهودنا العسكرية على تكريس حل سياسي دائم في اقليم كوسوفو, لكننا ايضا نبذل قصارى جهدنا للتخفيف من معاناة ضحايا هذه الازمة وهم البان كوسوفو الذين طردوا بوحشية من ديارهم, ويقدم الناتو الدعم للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين عبر تقديم الطعام والامدادات. ويقوم الحلف ايضا بتقديم الرعاية الطبية ويساعد في اقامة مراكز اللاجئين في الدول المجاورة, وسنبقي على عمليات الاغاثة الانسانية التي نقوم بها ونكثفها حسب الحاجة دعما للمنظمات الانسانية الأخرى العاملة على تقديم يد المساعدة لضحايا سياسة بلجراد. انني أدرك ان الكثيرين داخل يوغسلافيا لا يعون ما يحدث, فهم يعتقدون ان بلادهم وقعت ضحية للمجتمع الدولي, مع ان الناتو ليس في حالة حرب مع يوغسلافيا, وخلافنا ليس مع شعب يوغسلافيا, وانما مع الحكومة التي استغلت سلطتها, وشنت حرباً ضد مواطنيها في كوسوفو, ولو ان التلفزيون الصربي قام بعرض صور معاناة اللاجئين نفسها التي نراها كل يوم على شاشات أجهزتنا, يشعر الكثير من الصرب بلا شك بالغضب تماما كما يشعر الناس في الدول الأعضاء في الناتو, وبالتأكيد في العالم أجمع, وعندما ينتهي هذا الصراع, ويتم التوصل الى تسوية سلمية, فان شعب يوغسلافيا سيرى أفضل مما يرى الآن انه وضع مصيره بيد قائد سياسي مجرم, قاد بلاده خلال عشرة أعوام مؤلمة إلى الحرب والعزلة والحرمان الاقتصادي المتزايد. وهذه ستكون اللحظة التي سنفتح فيها قلوبنا وعقولنا لاعادة يوغسلافيا الديمقراطية الى حضن الأسرة الأوروبية التي تنتمي اليها. وتعتبر كوسوفو لحظة مصيرية ليس فقط بالنسبة للناتو وانما ايضا لطبيعة أوروبا التي نرغب بالعيش فيها, فنحن لن ننعم بالسلام والرخاء, إذا تحملنا وجود نظام بربري من عصر آخر بيننا. هناك لحظات لايكون فيها مفر من التدخل, لعدم وجود بديل آخر, فالسلام والاستقرار والعدل في البلقان كلها مصالح أساسية لجميع شعوب منطقة أوروبا ــ الأطلسي, وسيتطلب إحراز النجاح الصبر والمثابرة واستمرار الوحدة والتصميم لدى الحلف, لكن ما من شك في ان العدل سيسود في النهاية, وستتوقف عمليات التطهير العرقية تماماً. السكرتير العام للناتو- خدمة لوس انجلوس تايمز (خاص بـ (البيان) )