البيان الذي أصدره المؤتمر الوطني الحاكم في ساعة متأخرة من ليل الخميس الماضي حول مبادرات الوفاق الوطني والحوار مع المعارضة, أثار بتوقيته وملابسات صدوره تكهنات حول نشوب خلافات داخل الحكومة وحزبها . فلقد بث التلفزيون البيان, والسودانيون يتهيأون لنوم, وعندما تسابقوا في الصباح الباكر لمطالعة الصحف للاطلاع على مضمون البيان, وجدوا الصحف لم تتمكن من ملاحقته ونشر نصه, باستثناء صحيفة (الأنباء) الحكومية الرسمية. زاد الطين بلة, ان التلفزيون أقلع عن اعادة اذاعة البيان, كما هو معهود, وراجت الشائعات والتكهنات حول نشوب الخلافات بين أقطاب المؤتمر الوطني الحاكم عقب بث البيان الطارىء. اكتسب البيان أهميته, كونه صدر عقب اجتماع عقده المكتب القيادي برئاسة الفريق عمر البشير مساء الثلاثاء, ناقش أول تقرير للجنة يترأسها النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه, وتشكلت قبل شهر لاستقصاء وتقويم مبادرات الوفاق الوطني, بهدف ارساء قواعد ثابتة للحوار, مما دعا المعارضة الداخلية الى الترحيب بتشكيلها بتحفظ, لجهة استهداف رموز المعارضة, وأن تكون مثل هذه اللجنة منبثقة عن الحكومة وليس الحزب, الى ان اصدر المؤتمر بيانه الطارىء حول الوفاق الوطني. ونلاحظ ان البيان أكد ان السلطة التنفيذية القائة تمثل المؤتمر الوطني, الذي بدأ واضحا انه سيتولى من الآن دفة الحوار في كل القضايا بما فيها مشكلة الجنوب, وأشار البيان الى عدم اغلاق الباب أمام المبادرات الخارجية دون ان يلمح الى تبنيها باعتبارها تدخلا في قنوات الحكومة لا المؤتمر. ومن هنا اتضح تعامل الدولة مع الوساطة المصرية باعتبارها صادرة عن الحكومة ولا دخل للتنظيم السياسي في البلدين بها, وبغير هذا فإن المؤتمر الوطني أصبح مسؤولا عن الحوار مع كل الأطراف السودانية باستثناء تجمع المعارضة. كما ان بيان المؤتمر الوطني أكد بصراحة انه اذا حدث وفاق مع تلك الاطراف بعيدا عن تجمع المعارضة, فيمكن تجاوز التحفظ على عدم اقامة حكومة قومية أو ائتلافية, والمعني بالوفاق هنا التزام تلك الأطراف بثوابت الدستور والقوانين المنبثقة عنه, وان تكون كل سياسات الحكومة الحالية في السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية مفتوحة للحوار, وحق الآخرين في المنافسة على السلطة بعد نبذ العنف وإلقاء السلاح, ولاشك ان ما أورده البيان هنا يفتح الطريق لأطراف من المعارضة للمفاوضة حول حكومة قومية أو ائتلافية, وهو ما كانت ترفضه قيادات بارزة في المؤتمر الوطني عندما يصدر مثل هذا الشرط من بعض المعارضين, وكان الرفض يطال الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي قام بتسجيله الشريف زين العابدين الهندي, المنشق عن المعارضة, الذي ما زال يتمسك بالحكومة, ولكن طرح المؤتمر الوطني لم يصل في البيان الى (الحكومة الانتقالية) وهو المطلب الأساسي لتجمع المعارضة. هذا وقد أكد البيان ان دعوة المعارضين يمكن ان تصل الى حد تغيير الدستور, ولكنه لم يشر عما اذا كانت هذه الدعوة تتم من خلال الحوار أو الممارسة السياسية, وما يدعم الافتراض الاخير تذكير البيان للمعارضين بقرب انتهاء رئاسة الجمهورية والبرلمان والاحتكام للشعب لتولي السلطة. الخرطوم ــ يوسف الشنبلي