مرة اخرى تتجه انظار العالم وانفاسه نحو منطقة يوغسلافيا والبلقان.. هذه المنطقة صاحبة ثاني اكبر رصيد ـ من بعد منطقة الشرق الاوسط ـ في طول وعدد وكثافة المشكلات التي تدور منها وحولها, والتي ترتبط فيها النزاعات سواء السياسية او الاقتصادية, بدعاو تاريخية ومواجهات قومية ومسوح دينية وحروب أهلية.. بل وتدخلات دولية. وفي هذه المرة, ايضا, وفي اطار التدخل العسكري لحلف الناتو, تتردد حول يوغسلافيا وفيها نغمات عالية عن الانفصال والاستقلال والحكم الذاتي, والمزيد من التفتت لوحدة الاراضي واعادة توزيع السكان ومراجعة الدساتير والحدود. وبرغم ان تعبير (البلقنة) قد نشأ اصلا ليعكس اوضاعا خاصة بهذه المنطقة: البلقان, حيث تعدد القوميات والاجناس والاديان واللغات, إلا انه صار الآن, وبعد اتفاقية (دايتون) الخاصة بالبوسنة في العام 1995, أشبه بفلسفة او منهجية سياسية قائمة بذاتها لتسوية الصراعات والازمات ليس فقط في البلقان, وانما في مواقع اخرى ايضا, فلسفة تقوم على فكرة التفتيت الى وحدات وكيانات اصغر, تحكمها اعتبارات المواءمة بين الانتماء العرقي الخالص ومساحة الاراضي وعدد السكان ودواعي الامن والهوية الدينية والثقافية.. الى جانب المصالح ـ الدولية. والواقع ان هذه المنهجية السياسية, كانت هي الاساس الذي اعتمدت عليه لجنة الاتصال الدولية المعنية بمشكلات يوغسلافيا (والمكونة من : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا, اضافة الى روسيا) .. حيث ترددت اقتراحاتهم, بشأن حل (مشكلة كوسوفا) في ما بين منح الاقليم ـ الواقع في جمهورية صربيا ـ حكما ذاتيا, وبين منح الاقليم وضعا دستوريا خاصا في الاطار الفيدرالي الراهن لجمهورية يوغسلافيا الاتحادية. بل ان ما هو جدير بالملاحظة ان كل الطروحات الواردة في مختلف المشروعات المقدمة للتسوية في يوغسلافيا, تشترك في سمة رئيسية, هي الحرص على ان يكون لكل القوميات والجماعات القاطنة في هذا الاقليم, نصيب متكافىء من الحكم والادارة وحق تكوين قوات بوليس وصياغة نظم تعليمية وانشاء ادوات اعلامية خاصة بها. ولعل هذا ما دفع النظام الحاكم في بلجراد, نظام الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش, الى رفض كافة مشروعات التسوية هذه.. وكان ذلك, ولاشك, المقدمة والدافع لتدخل الولايات المتحدة, ومن ورائها حلف الناتو, عسكريا في يوغسلافيا. واذا ما حاولنا الاقتراب من الازمة المشتعلة في يوغسلافيا وذلك فيما يتعلق باقليم كوسوفا.. يمكن ملاحظة انها من نوع الازمات التي يتقاطعها اكثر من جانب. فمن جانب, يتمثل الصراع الدائر في الاقليم بين الالبان الذين يمثلون اكثر من 90% من سكان الاقليم, وبين السلطات الصربية المسيطرة على الاقليم.. يتمثل ـ كما يرى الكثيرون ـ بين المسلمين والارثوذكس (اي الصرب) والذي اتخذ شكلا سياسيا حينما بدأ المسلمون الالبان في المطالبة بحقهم في انشاء دولة مستقلة. وقد وجدوا في البانيا سندا قويا لطموحاتهم, مما تسبب في ازدياد التوتر في الاقليم, بل وازدياد التوتر بين البانيا وجارتها صربيا. ومن جانب ثان, تسعى جمهورية صربيا الى توسيع حدودها الاقليمية, لاقامة ما تطلق عليه جمهورية صربيا الكبرى وهذا يتناقض قطعا مع مطالبة اهالي اقليم كوسوفا بالانفصال واقامة دولة مستقلة.. بل ان اهم ما يأتي في هذا الشأن وله دلالة خاصة في اطار حرب (التطهير العرقي) التي خاضها الصرب في الاقليم خلال سنوات مضت, ان معدل الزيادة السكانية للمواطنين الالباني البالغ عددهم مليون نسمة يصل الى 2.8% سنويا, بينما لا يتجاوز معدل الزيادة في مواليد الصرب البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة 1% اي انه مع استمرار تلك المعدلات فإن التركيبة السكانية لجمهورية صربيا بما فيها اقليم كوسوفا يمكن ان يتحول الى غالبية البانية مقابل اقلية صربية, خلال المستقبل المنظور. ومن جانب ثالث رغم انه لم يكن لاقليم كوسوفا في آية مرحلة زمنية, الوضعية القانونية التي تسمح له بالانفصال, ومع ذلك فقد تمتع هذا الاقليم في اطار حكم الرئيس السابق تيتو, بوضعية خاصة في النظام الفيدرالي اليوغسلافي, أمكن من خلالها لسكان هذا الاقليم وقياداته المثول على صعيد شبه متكافىء في آليات الحكم والقيادة الجماعية للبلاد, بل صار له من بين ابنائه الالبان, من حل عليه الدور لرئاسة مجلس الرئاسة الجماعي للاتحاد الفيدرالي حينذاك. وعندما قامت القيادة اليوغسلافية (الصربية) في عام 1989 بالغاء هذا الوضع القانوني الخاص للاقليم, على المستوى الفيدرالي, وقامت بجعله تابعا لجمهورية صربيا, كانت هذه الخطوة بمثابة (المفجر) للمشكلة التي تعاني منها الآن يوغسلافيا ومنطقة البلقان, بل سائر اوروبا والعالم. اضافة الى هذه الجوانب الثلاثة, يأتي الجانب الخاص بالدور الذي تمارسه بعض الاطراف الخارجية, وذلك في اتجاه تغذية توجهات التشرذم والتفتيت.. وهو الامر الذي يبدو بوضوح من خلال المواقف الخارجية للدول الاوروبية, ومدى ما تعطيه من اولويات للامن الاقليمي, او لحساب مصالحها المباشرة. فكل من المانيا والنمسا وفرنسا تؤيد بشدة انفصال الاقليم او اعطائه حكما ذاتيا في الحد الادنى, اما كل من اليونان وايطاليا فلها تخوفاتها, حيث توجد بها اقليات مماثلة للاقليات اليوغسلافية, مثل اقليم مقدونيا في اليونان. وهكذا فإن تقاطعات الجوانب المختلفة للازمة اليوغسلافية كأحد بؤر الصراع السياسي التي تهدد الامن الاقليمي الاوروبي في معناه الواسع.. انما تشير الى سلبيات عديدة, سواء من حيث تأثيرها الأكيد على الدول المجاورة للاتحاد اليوغسلافي الجديد (صربيا والجبل الاسود) , او من حيث مساهمتها في ايجاد توازن جديد للقوى السياسية بالمنطقة خصوصا بعد حصول سلوفينيا وكرواتيا على الاعتراف بهما كجمهوريتين مستقلتين. اضف الى ذلك ان هذه الازمة قد اكدت على التحديات التى تواجهها دول الاتحاد الاوروبي (دول اوروبا الغربية) حول كيفية استيعاب دول وسط وشرق اوروبا, سياسيا وعسكريا واقتصاديا وعرقيا في البناء الاوروبي, وهو الامر الذي طرحته قمة حلف الاطلسي من خلال ما اسمته (مجلس التعاون الاطلسي) الذي ضم الى جانب دول التحالف الغربية, دول شرق اوروبا وجمهوريات البلطيق. بل لعل هذا وما قبله هي الدوافع الحقيقية للتدخل العسكري لحلف الناتو لفرض منهج وشروط التسوية, وهي الشروط التي يبدو ان هناك اتفاقا عاما على ملامحها وكيفية تنفيذها, فيما بين الولايات المتحدة الامريكية ودول اوروبا الغربية.. بدليل التدخل الحاسم عسكريا هذه المرة, على خلاف ما حدث في المرة السابقة في البوسنة والهرسك. صحيح ان البعد الانساني وجرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقي, قد اعتبرت من الاسانيد التي تبرر بها الاطراف الاوروبية والامريكية تدخلها وضغوطها من اجل التسوية العاجلة.. إلا انه يبقى من الصحيح ايضا, ان صيغة (دايتون) التي تم فرضها من جانب الاطراف الدولية نفسها من قبل ـ ولكن دون تدخل عسكري ـ في البوسنة, تمثل على ما يبدو صيغة مناسبة بالنسبة للاطراف الدولية وذلك في اطار رؤيتها لكيفية تسوية الازمة. هذا..رغم اختلاف الظروف الموضوعية والقانونية لكل من البوسنة وكوسوفا, ورغم انها صيغة سوف تؤدي ـ كما حدث في حالة البوسنة ـ الى صياغة كيانات سياسية متعددة ومتداخلة, وهياكل للحكم بعضها كامل وبعضها منقوص. ولا يتبقى لنا اخيرا سوى القول, ان من المفارقات العجيبة ان ملامح حل الازمة اليوغسلافية تشير الى تكريس لهذه المنهجية السياسية في التعامل مع الازمات الجديدة الناشئة منهجية التشرذم والتفتيت.. في الوقت الذي يتجه العالم في المناطق المتحضرة صوب التجمعات السياسية والاقتصادية الاكبر, وصوب المزيد من مشروعات الاندماج في اطارات اكثر اتساعا. باحثة ـ معهد البحوث والدراسات العربية ـ القاهرة