الحملة العسكرية الاطلسية الجارية بقيادة الولايات المتحدة, على الجمهورية اليوغسلافية ومنها اقليم كوسوفو, جاءت بعد التمهيد لها بحملة اعلامية مبرمجة, على مدى اسابيع عديدة, شاركت فيها وبكثافة, أجهزة الاعلام الغربية الجبارة, من مقروءة ومسموعة ومرئية, والتي راحت تلعب ادوارا هي في بعض الاحيان اهم من الجيوش , وقد هيأت هذه الحملة الاذهان للعدوان, واستهدفت: 1 ــ تبرير تدخل حلف الاطلسي عسكريا, من جديد, في الشؤون الداخلية اليوغسلافية. 2 ــ تصوير سبب هذا العدوان بأنه رفض يوغسلافيا منح سكان اقليم كوسوفو الحكم الذاتي. 3 ــ تفسير نزوح المدنيين من اصول ألبانية من اقليم كوسوفو باعداد غفيرة, منذ بدء الغارات الجوية الاطلسية على الاقليم كما على بقية اراضي الجمهورية اليوغسلافية.. تفسير هذا النزوح الكثيف بانه هرب من الارهاب الصربي وعمليات التطهير العرقي. وبينما يجري التركيز على هذه الاهداف الاعلامية, يتجاهل الاعلام الغربي بالكامل ما يحلّ ببقية سكان يوغسلافيا من تقتيل وتدمير وتشريد, جراء الغارات الاطلسية, التي تزداد كثافتها وتتسع دائرتها. وبالعودة الى مفاوضات رامبوية (الفرنسية) يتأكد ان الدولة اليوغسلافية قبلت بمنح سكان اقليم كوسوفو الحكم الذاتي, لكنها رفضت وترفض اشتراط ذلك بمرابطة ثلاثين الف جندي من حلف الاطلسي في الاقليم ــ كما تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها الاطلسيون. والامر لا يتعلق بمرابطة مراقبين او حتى قوات تابعة للامم المتحدة, بل قوات اطلسية, مما تعتبره يوغسلافيا نسفا كاملا لاستقلالها, مأخوذ في الحسبان ان اقليم كوسوفو يشكل اسفينا في خاصرة الجمهورية الصربية اليوغسلافية. وفي حينه, خاطبت مادلين اولبرايت, علنا, زعماء كوسوفو من اصل الباني, الذين رفضوا هذا العرض الثنائي ــ حكم ذاتي مقرون بمرابطة قوات الاطلسي في الاقليم ــ رفضوا ذلك من منطلق المطالبة بالاستقلال الكامل للاقليم عن الجمهورية الاتحادية اليوغسلافية, كما كانت تحرضهم قوى خارجية.. خاطبتهم اولبرايت بالقول الصريح انه لا يمكن توجيه الضربات العسكرية ليوغسلافيا طالما يرفض الألبان الصفقة الاطلسية المعروضة. وكان توقيع زعماء كوسوفو من اصل الباني في رامبوية منفردين على هذه الصفقة استجابة لنصيحة اولبرايت التي اشارت بالبدء بالغارات على كوسوفو نفسها وعلى بقية يوغسلافيا. اما ان تدفق المحاربين من اقليم كوسوفو مرده, في الاساس, الغارات المكثفة على الاقليم من الطائرات الحربية والصواريخ الموجهة الاطلسية, فتؤكده مطالبة زعماء كوسوفو من اصل الباني, وفي مقدمتهم ابراهيم راكونا بالوقف الفوري لغارات الاطلسي هذه, والتأكيد بان هذا النزاع لا يمكن حله الا سلميا, كما يؤكده نداء حكومة يوغسلافيا الفدرالية لسكان كوسوفو بعدم ترك بلادهم وبيوتهم. خلفيات أزمة كوسوفو الحالية ليست أزمة اقليم كوسوفو الحالية سوى حلقة من سلسلة ازمات, بدأت تتفجر الواحدة تلو الاخرى, بفعل تدخل وتآمر حلف الاطلسي وفي المقام الأول الولايات المتحدة والمانيا, وذلك بدءا من عام 1992, بغرض تفكيك الاتحاد اليوغسلافي والسيطرة عليه قطعة قطعة. وقد بدأ المسلسل الرهيب بكرواتيا, فمقدونيا, فالبوسنة والهرسك, فسلوفينيا, واخيرا... لم يتبق من ذلك الاتحاد الذي اقامه المارشال جوزيف تيتو, مع نهاية الحرب العالمية الثانية, سوى صربيا ومن ضمنها اقليم كوسوفو, علاوة على الجبل الاسود (مونتي نيغرو), الذي راحت تنطلق التلميحات الاولية بأنه سيكون مستهدفا لفصله بدوره عن جمهورية الصرب, لتبقى وحيدة, معزولة. ومن المعروف ان هذا الاتحاد, لدى تشكيله, كان يضم في اطاره قوميات واقليات اثنية ودينية متعددة, شكلت على مدى قرون بؤرة توتر وقلاقل في اوروبا, وبخاصة منذ الغزو العثماني لتلك المناطق اواخر القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. ولم تعرف تلك المناطق الهدوء والاستقرار الا في اطار الاتحاد الفدرالي الذي اقامة تيتو وضم تلك القوميات على أسس من المساواة والتآخي بينها, وذلك عقب تحررها من الاحتلال النازي, حيث لعبت حركة الانصار بزعامة تيتو دورا حاسما في هذا التحرير, باعتبارها اقوى وانجح حركات المقاومة المسلحة الشعبية ضد الاحتلال النازي في القارة الاوروبية. وخلال مرحلة المقاومة المذكورة شكل العنصر الصربي سنان الرمح في هذه المقاومة وتحمل القسط الاوفر من الخسائر والتضحيات. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي, وبالتالي: تداعي النظام الدولي ثنائي القطبية, الذي ساد الحياة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, باشرت الولايات المتحدة, فورا, في تدشين نظام دولي جديد بزعامتها المنفردة. وكان باكورة استعراض عضلاتها كشرطي العالم غير المنازع, في حرب الخليج الثانية عام 1991. وكان ذلك العدوان بمثابة تحذير لا يحتمل التأويل لبلدان العالم الثالث بشكل خاص, بان اي تمرد على ارادة واشنطن, في الوضع الدولي المستجد, سيعرض صاحبه لمثل هذا العقاب, دون ان يجد من يهب لنجدته. واليوم, يمثل العدوان على يوغسلافيا, بعد ثماني سنوات منذ العدوان على العراق, مرحلة نوعية جديدة في نفس الاتجاه, ويشكل رسالة تحذير صريحة للشعوب الاوروبية, هذه المرة, بما فيها روسيا. واذا كان قد سبق لقوات الاطلسي ان شنت غارات جوية على القوات الصربية, عام 1995, في اقليم البوسنة والهرسك لارغام الدولة اليوغسلافية على القبول, آنذاك, بخطة فانس ــ اوين لفصل الاقليم عن الفدرالية اليوغسلافية, فان الفارق النوعي هذه المرة, ان العدوان والقصف ليس محصورا في البقعة موضع الخلاف, بل يشمل الجمهورية اليوغسلافية بكاملها, بما فيها عاصمتها بلجراد التي تقصف لاول مرة منذ قصفها خلال الحرب العالمية الثانية من قبل الطيران الحربي الالماني الهتلري. التصعيد في الغارات وفي الاهداف يلاحظ انه مع تصعيد الغارات وتوسيع دائرتها, يجري تصعيد موازٍ للأهداف المعلنة لهذا العدوان. ففي البدء كان الهدف المعلن هو ارغام حكومة ميلوسيفيتش اليوغسلافية على قبول شروط رامبوية لتسوية ازمة كوسوفو وتحديدا الموافقة على مرابطة قوات الاطلسي. وفي وقت لاحق تطور هذا الهدف المعلن الى (اضعاف قدرات حكومة ميلوسيفيتش العسكرية) , واخيرا, وليس اخرا, راح كلينتون ومعاونوه يطرحون احتمال سلخ اقليم كوسوفو عن الدولة اليوغسلافية. وغنى عن القول انه اذا تحقق هذا الهدف, بسلخ كوسوفو عن الجمهورية اليوغسلافية, فان الطوق يكتمل من حول ما تبقى من الاتحاد اليوغسلافي ــ صربيا والجبل الاسود ــ بسلسلة من الدول التي كانت حتى الأمس القريب جزءا من هذا الاتحاد, لتتحول ليس فقط الى دولة معادية, بل وقواعد حلف الاطلسي, كما هو الحال في كرواتيا ومقدونيا, واخيرا كوسوفو ــ كما يطمح المعتدون. على صعيد آخر, يجري هذا العدوان الذي يباشره حلف الاطلسي بزعامة الولايات المتحدة, ضد دولة ذات سيادة وعضو في الامم المتحدة, بمعزل كامل عن الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي. بينما يعلن السكرتير العام للأمم المتحدة, كوفي عنان, الذي جاءت به واشنطن عقب ابعاد بطرس غالي, في شبه انقلاب, عندما تجرأ الاخير مرة واحدة على مخالفة ارادة واشنطن واصرّ على اجراء تحقيق دولي في جريمة قانا التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية.. يعلن عنان انه يوافق على عمليات حلف الاطلسي ضد يوغسلافيا, ويضيف على استحياء انه كان يتمنى لو جرى اعلام مجلس الامن بالامر!! واذا كانت كل من المانيا وبريطانيا وكذلك فرنسا تشارك الولايات المتحدة في هذا العدوان, فان اي منها لا تريد ان تخسر نصيبها من كعكة هذه المنطقة البالغة الأهمية من البلقان التي يجري تقسيمها وتقاسمها. وفيما يتعلق بألمانيا, فقد باشرت التطلع للتوسع خارج حدودها بمجرد انهيار جمهورية المانيا الديمقراطية عام 1989. وكانت المانيا هي التي تولت تحريض وتسليح الكروات بهدف الانفصال عن الاتحاد اليوغسلافي, وكانت اول من اعترف بالدولة الكرواتية الانفصالية بمجرد اعلانها, وحتى قبل ان تعترف بها المجموعة الاوروبية او الولايات المتحدة او الامم المتحدة. وانه لذو مغزى, اليوم, ان تكون اول مشاركة, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, للطائرات الحربية الألمانية, هي في الغارات على يوغسلافيا. على صعيد اخر, راحت بعض دوائر الادارة الامريكية تلمّح الى احتمال مطالبة الدول الاسلامية, بالمساهمة المالية لتغطية نفقات العدوان العسكري الاطلسي على يوغسلافيا, بزعم انه يجري دفاعا عن مسلمي كوسوفو!! وهكذا, فالولايات المتحدة تريد مكافآت مالية, لدى ضرب المسلمين وتجويعهم ــ كما هو جار في العراق ــ وكذلك لدى العدوان, بزعم انه دفاع عن المسلمين, كما هو جار في يوغسلافيا اليوم. اما روسيا المريضة, فقد عرفت واشنطن كيف تضغط عليها من اليد التي توجعها, ولم يكن صدفة ان وصل موفد البنك الدولي, الذي تتحكم فيه واشنطن, الى موسكو في اليوم التالي مباشرة لبدء الغارات على يوغسلافيا, ولكن من يضمن, اذا ما مرت هذه الجريمة, هذه المرة ايضا, كما تريد واشنطن, ان لا تكون روسيا ذاتها الهدف القادم؟ وفي الحقيقة, فان العدوان الواقع اليوم على يوغسلافيا, هو بمثابة ناقوس الخطر الاقوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, الموجه الى جميع شعوب العالم ودوله.