منذ ان بدأ الاتحاد اليوغسلافي بالتداعي وبروز المشكلات الدينية والاثنية اثر ذلك, دأب العديد من الساسة والمحللين الى استحضار الجذور التاريخية لهذا الصراع الذي برز على أشده في نهاية القرن السابع عشر بسبب الضعف والوهن الذي اصاب الامبراطورية العثمانية , وبروز الحركات القومية الاستقلالية في تلك المنطقة. مغفلين من حساباتهم التحولات الكبيرة والمذهلة التي عبرت عن نفسها بوضوح في انهيار المعسكر الشيوعي. والذي افقد العالم بأسره جملة من الخصائص والميزات التي كان يتحلى بها, وأهمها ثنائية القطب التي كانت تحافظ بشكل او بآخر على السلام والامن الدوليين. وبسبب هذا الانهيار اصبح العالم محكوماً لارادة القطب الواحد واهدافه واستراتيجياته المعلنة والمستقرة. وما من شك اذا ما اعتبرنا ان الحرب الدائرة في البلقان تعتبر جزءا من هذه الاستراتيجيات, وتندرج في اطار خطة مرسومة او معدة سلفا بحملة من الاهداف والغايات التي تسعى الولايات المتحدة لانجازها قبل دخولها القرن الواحد والعشرين. ولعل ما يجري لايطال الصرب وحسب, بل ثمة اهداف موجهة لدول الناتو الاوروبية. فقد بدأت اوروبا (الغربية) تشهد نزوعاً ملحوظا نحو انتاج احزاب قومية, لها مفاعيلها داخل المجتمعات الاوروبية, والتي ستؤدي بالنهاية الى سياسة الانسلاخ عن الولايات المتحدة, خاصة وان التشكل لهذه الاحزاب يتزامن مع ولادة الوحدة الاوروبية التي اذا ما تمت بشكل فعلي قد تشكل قوة اقتصادية سياسية تزاحم الولايات المتحدة على مناطق نفوذها سلميا على اقل تقدير. وان ثمة تجربة قريبة في التاريخ الاوروبي قد جسدتها المانيا, فبسمارك بنى وحدة المانيا من خلال استطالاتها العرقية السياسية على حساب ما كان يسمى بالمسألة الشرقية, وهتلر الذي سار على خطى بسمارك استكمل عملية البناء المتأخرة شيئا ما تكنولوجيا وعسكرياً. وليس غريبا وفي غفلة من الولايات المتحدة ان تعود المانيا او غيرها من دول اوروبا الى ترميم اوضاعها الداخلية واعادة قوتها وهيبتها العسكرية, ومن ثم تصبح اوروبا قادرة على توسيع جملة مطالبها والتي تتمثل بالتقاسم او المحاصصة في مناطق النفوذ على اقل تقدير. دون التقليل من الاهمية الصربية اذا ما استخدمت نفوذها العرقي والديني ان تكون هي الدولة التي قد تدعم او تحرض على هذه المحاصصة, خاصة وانها قد بدأت تظهر كشريك قوي لبعض الاتجاهات الاوروبية التي ذكرناها, بعدما تجاوزت مرحلة التفتيت الكلي التي شهدتها دول اوروبا الشرقية بشكل عام, ورفضت الانضمام الى حلف شمال الاطلسي في ظل مرحلة تشهد اوروبا الشرقية والغربية محاولات حثيثة لم يسبق لها مثيل في الانتقال من التخطيط المركزي الى السوق الحرة, والاتحاد طواعية داخل سوق شديدة الاتساع, وتضم الاعداء العسكريين السابقين. فاذا كان سقوط سور برلين في نوفمبر 1989 ايذاناً بنهاية الصراع القديم بين الرأسمالية والشيوعية, فان مجرد الاعلان عن توحيد السوق الاوروبية, سيكون ايذاناً ببداية صراع متعدد الاوجه في قرن جديد هو بداية الالف عام الثالثة. فعند تلك اللحظة, وللمرة الاولى خلال اكثر من قرن, ستصبح الولايات المتحدة ثاني اكبر قوة اقتصادية. وهذه الحقيقة ستصبح الرمز لبداية المنافسة التي تحدد من سيملك ناصية القرن الحادي والعشرين, هذا من جانب. اما من الجانب الاخر فبعد غياب النظام الشيوعي, وتحرر الكنيسية الارثوذكسية من قيود هذا النظام, بدأت تسد الثغرة التي حصلت في العالم المسيحي بشكل عام, وقد بدأت بمد جسور مع الكنيسية الغربية عبر الفاتيكان, وهذا قد يقض من مضجع الكنيسية البروتستانتية البريطانية ــ الامريكية, التي تسعى لاضعاف واحتواء الكنيستين وتقويض دعائمهما واضعافهما. فالكنيسية الارثوذكسية لها امتدادات كبيرة جدا في العالم العربي والاسلامي وتحظى بالثقة الكبيرة عند أبناء الامة الاسلامية لظروف النشأة والعلاقة التاريخية التي تكونت منذ فجر الاسلام, والتي رفضت تبعية الشرق للغرب على مدى القرون الماضية, لا بل شاركت بكل الحركات الاستقلالية التي قامت بديار المسلمين, وهنا لست بصدد استحضار التاريخ الاسلامي, او البحث في مناقب هذه الكنيسية والاخلاقيات العامة التي تحملها والتي تشبه الى حد كبير الاخلاقيات الاسلامية, لكني بصدد القول ان امريكا ولاضعاف هذه العلاقة التاريخية, قد نجحت في اختراق الصف الاسلامي الاوروبي من خلال جمهورية البانيا وان المذابح التي تجري اليوم هي بفعلة وبدعم خارجي مغرض هدفه تدمير المسلمين والقضاء على مستقبلهم السياسي في اوروبا ومنع قيام اي شكل سياسي لهم والذي سيعتبر في نهاية المطاف اذا ما تحقق هو امتداد للامة الاسلامية داخل العالم الاوروبي. وهذا ما عملت الولايات المتحدة جاهدة على منعه من التحقق, ولعل الحاق البوسنة والهرسك بالكروات الالمان هو دليل دامغ على النوايا الامريكية, في منع قيام دولة اسلامية تحظى بحضور في تلك المنطقة او مكانة تؤهلها القيام في مهامها الحضارية داخل الرقعة الجغرافية الاوروبية. ولو كان الامر غير ذلك ما الذي يدفع بريطانيا البروتستانتية من رفض المبادرة الروسية لانهاء الحرب في يوغسلافيا, باعتبارها انها لا تتضمن انتهاء عمليات القتل التي تقوم بها السلطات الصربية في كوسوفو. علما ان بريطانيا وامريكا تعيان جيدا انه كلما اشتدت الحرب كلما زادت الخسائر بين صفوف مسلمي كوسوفو, واعطت المبرر للرئيس اليوغسلافي وجيشه لممارسة التطهير العرقي الذي يطال اكثر من نصف مليون مسلم. وليس صدفة افشال الوساطة الروسية خاصة بعدما استعد الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش للقيام بخطوة هامة الى الامام والبدء بسحب القوات من كوسوفو اذا اوقف الناتو ضرباته وسحب قواته المحتشدة على حدود يوغسلافيا وهذا كاف لبدء عملية التسوية السياسية للأزمة, التي يدفع الصرب والمسلمين ضريبتها. علما ان الالمان وعلى لسان وزير الخارجية الروسي ايفور ايفانوف, قد اعترفوا بان الوضع اصبح اكثر تعقيدا بعد بدء عمليات القصف وان استراتيجية الناتو قوضت آليات المفاوضات وصيغ العملية السلمية التي تم التوصل اليها بصعوبة فائقة. وليس غريبا اذا ما قلنا ان التعارض الروسي ــ الامريكي, هو الذي اسس لمثل هذه الحرب القذرة, والذي يدفع ثمنها البان كوسوفو حياتهم, خاصة بعدما بدأ مجلس الدوما الروسي يستعيد عافيته في وقف الانهيارات الداخلية ويبشر بعودة جديدة للشيوعية.. بعد فشل خيارات الانفتاح الاقتصادي والمعالجات بالصدمة, والاعتماد على ديون الخارج واستثماراته التي اوصلت روسيا الى الهاوية ما أدى الى انتاج التغيرات الجوهرية في بنية السلطة السياسية الروسية الحالية, وتراجع وزن القوى التي قادت مرحلة الانهيار والتبعية للغرب وامريكا. وعلى ما يبدو ان الولايات المتحدة الامريكية قد تجاوزت والى غير رجعة اذاعة (اوروبا الحرة) وعقلية بجينزنيسكي فيما كان يسمى بالحرب النفسية. والتي كانت فيما مضى افضل الوسائل لبلوغ التحول السياسي الداخلي لما كان يسمى بالمجتمعات الاشتراكية الى التدخل العسكري المباشر في هذه المجتمعات واقامة قواعد عسكرية واستخبارية ثابتة فيها, اشبه ما يكون بالاحتلال, للسيطرة المطلقة عليها ومنعها من التحولات الاجتماعية الصحيحة التي تعيد لها على المدى المنظور جزءا من مكانتها وكرامتها المهدورة في ظل الازمات المركبة التي تعصف بها داخليا. والاهم من ذلك تسعى الولايات المتحدة من خلال حربها الى تأمين كل الخطوط البرية التي توصل اوروبا بالشرق الاوسط ليتسنى لها السيطرة المطلقة على مقدرات اوروبا والشرق الاوسط, وفتح المجال رحباً لتطويق روسيا وحصارها, كمقدمة لتدميرها من الداخل والذي سيكون من نتائجه منع حتى عودة الاحلام القيصرية السابقة.. والذي بدأ بعض القادة الروس يعيشونها كأحلام يقظة ومنهم من بدأ حملة التبشير بها. واذا ما قيض لها فستنقل المذابح ضد المسلمين داخل روسيا ايضا كما حاولت اللعب على المتناقضات في فترة سابقة لكنها لم تفلح في الاستمرار بهذه اللعبة, لان القيادات الشيشانية وعيت حقيقة غاية في الاهمية وهي الحفاظ على البقاء والوجود افضل من الانتحار والتلاشي. ولعلي اجزم القول ان كل من دفع بألبان كوسوفو نحو وهم الاستقلال وساهم في بناء وتسليح جيش تحرير كوسوفو, لم يكن يريد للاسلام ولا للمسلمين خيرا, بقدر ما كان ينفذ املاءات وخطط وبرامج الولايات المتحدة, الرائدة الاولى في التطهير العرقي ومازال تاريخها يشهد على مذابح الهنود الحمر. ولا ينطلي الامر على أحد ان مسلمي كوسوفو يختلفون عن مسلمي العراق وفلسطين وجنوب لبنان.. وان كل الصيحات الامريكية المنادية بوقف التطهير العرقي بيوغسلافيا هدفها ضرب وحدة اوروبا ومنع قيام دولة اسلامية في اوروبا ومحاولة تأزيم روسيا وضرب العلاقة الكاثوليكية الارثوذكسية من جهة والارثوذكسية ــ الاسلامية من جهة اخرى وتسييد الكنيسية البروتستانتية. كاتب فلسطيني