ما يحدث الان في كوسوفو يعد مأساة انسانية حقيقية بكل المقاييس فهناك مئات الالاف من المواطنين الابرياء العزل بينهم الاطفال والنساء والشيوخ, يتعرضون حاليا لحملات تطهير عرقية بشعة, وإبادة كاملة من القوات الصربية, وكأن القرن العشرين قد أبى ان يغادرنا دون ان يخلف وراءه مأساة جديدة تضاف الى سلسلة المآسي التي شهدها هذا القرن.. ورغم ان قوات حلف الناتو تقوم حاليا بتوجيه الضربات الجوية المتتالية للمواقع اليوغسلافية وهي الضربات التي اختلف البعض حولها ما بين مؤيد لها ومعارض على اعتبار انها انتهاك للشرعية الدولية ولمبادئ الامم المتحدة.. رغم هذه الضربات التي طالت الجسور والكباري والوزرات وبعض المواقع السكنية في يوغسلافيا, فالملاحظ ان هذا لم يردع القوات الصربية ومازالت تواصل ممارساتها اللاإنسانية في الاقليم ومازالت عمليات الابادة والتهجير للشعب الكوسوفي مستمرة.. (الملف السياسي) التقى طاهر مصطفى ممثل مشيخة كوسوفو في القاهرة في حوار حول رأيه فيما يمكن ان تحققه الضربات الجوية من قبل حلف الناتو للمواقع الصربية, وتقييمه للموقف الاوروبي والامريكي والروسي بالنسبة لما يحدث حاليا في كوسوفو, وحول المطلوب من الدول العربية والاسلامية لدعم حقوق الشعب الكوسوفي, وتأثير عمليات التهجير الجماعية على استقرار منطقة البلقان. * يقوم حلف الناتو حاليا بتوجيه الضربات المتتالية للمواقع اليوغسلافية فهل تعتقد ان هذه الضربات يمكن ان تحقق أهدافها في أن يرضخ ميلوسيفيتش ويقبل بشروط اتفاق؟ ** لاشك ان الضربات التي يقوم بها حلف الناتو حاليا ذات تأثير بالغ حيث طالت هذه الضربات الكثير من المواقع الحساسة في يوغسلافيا مثل وزارة الداخلية والجسور ومقر الجيش والآلة العسكرية الصربية ولكن هذه الضربات ثبت حتى الان انها لن تستطيع تحقيق اهدافها الا اذا حدث التدخل البري وهذا الامر يتفق عليه الكثير من المراقبين والمتابعين للامور في كوسوفو.. التدخل البري بات مطلوبا من أجل طرد الميليشيات النظامية وغير النظامية الصربية والتي ارتكبت ومازالت ترتكب مجازر وحشية لم يسبق ان شهدت اوروبا مثلها من قبل, وتهيئة الجو لعودة الألبان اللاجئين الى ديارهم ومساعدتهم في إعادة الاستقرار الى كوسوفو وتهيئة المناخ لاجراء الانتخابات في الاقليم بحيث تعود الحياة الطبيعية اليه, وهذا كله لن يحدث الا إذا حدث تدخل بري وبقوات ضخمة ودون الخوف أو التردد من ان تقع خسائر بشرية لان ما يحدث الان لا يمكن السكوت عنه, آلاف البشر يبادون بهذه الصورة دون ان تكون هناك وسيلة لانقاذهم. خسائر كبيرة * ولكن التدخل البري من المنتظر ان تكون خسائره كبيرة في الافراد وهذا ما يخشاه الناتو؟ ** أعتقد ان الناتو لن تكون خسائره كبيرة بالشكل الذي يتحدث عنه البعض في حال تدخله بريا وهذا لعدة اسباب منها ان التقارير الاخيرة التي أتت من ارض المعارك اكدت ان البنية التحتية للجيش الصربي انهار اغلبها فهناك خسائر صربية فادحة في الدفاعات الجوية, والدبابات وثكنات الجنود والاماكن السرية التي كان يجري فيها الاعداد للهجوم على الألبان في كوسوفو كما تم ضرب مخازن النفط وهذا ادى بدوره الى ان تتعطل بعض قطاعات الالة العسكرية الصربية, ايضا هناك الجانب الاقتصادي فاذا كان الاقتصاد اليوغسلافي يعاني من تدهور كبير قبل بداية الهجمات فماذا سيكون عليه الحال الان وبعد هذه المواجهة العسكرية الشرسة, كما لا ننسى الجانب النفسي فالصرب يعانون الان من العزلة شبه التامة والتي يشعر بها حاليا القادة اليوغسلاف والمواطنون العاديون والتي تركت اثرا سيئا في نفوسهم, لذلك فانني ارى ان التردد الواضح في موقف حلف الناتو من التدخل البري في كوسوفو ليس له ما يبرره اذا كان الحلف يريد ان يكسب المعركة وعموما كسب المعارك وانهاء الصراعات في الأزمات من هذا النوع لابد ان تكون له خسائره. حالة من الارتياح * ما هو تقييمك لموقف حلف الناتو بالنسبة لقضية البان كوسوفو وما هي دوافع اطرافه التي جعلت هجومه يكون بهذه الضراوة على المواقع اليوغسلافية؟ ** بصراحة هناك حالة من الارتياح بالنسبة لنا كشعب كوسوفي بالنسبة للموقف الاوروبي والامريكي الحالي وما يقوم به حلف الناتو حاليا من ضربات موجعة للمواقع الصربية, فهذه هي المرة الاولى التي تهتم اوروبا بقضية الالبان وعلى هذا النحو رغم ما قامت به من قبل, فالمعروف انها هي التي جزأت الاراضي الالبانية على جمهوريات متعددة في عام 1913 وسبق ان قام الصرب واليونانيون والبلغار بحملات في ذلك الوقت لتصفية الشعب الالباني ولم تتحرك اوروبا بل على العكس اعطوا شرعية لتقسيم الاراضي الالبانية بين مقدونيا والجبل الاسود وصربيا, وكوسوفو, وفي شمال اليونان, وفي عام 1918 بعد تأسيس مملكة الشعوب السلافية (يوغسلافيا) لم يكن للألبان فيها أية حقوق وكان يتم تهجيرهم بصورة اجبارية منظمة الى تركيا واوروبا لم تتحرك ايضا وهذا ادى الى وجود حالة مستمرة من عدم الاستقرار في هذه المنطقة وبصورة باتت تهدد كل اوروبا, ولذلك كان الموقف الاوروبي هذه المرة يضع نصب اعينه اخذ قضية الالبان بشكل جدي وبعد ان ثبت لهم ان الصرب هم الذين يؤدون الى عدم الاستقرار في منطقة البلقان بسبب غطرستهم على بقية شعوب المنطقة.. عموما اوروبا تدفع حاليا ثمن اخطائها السابقة في التعامل مع القضية الألبانية, واذا لم يكن هناك حل هذه المرة فسوف تستمر حالة عدم الاستقرار, فالألبان يصل عددهم في منطقة البلقان الى نحو سبعة ملايين نسمة وعدم حل مشاكل كل هذا العدد من المؤكد سيؤدي الى توتر وعدم استقرار المنطقة وبشكل مستمر, الحل الوحيد لوجود الاستقرار يكمن في إعادة حقوق هؤلاء الألبان حقوقهم المشروعة. * هناك اتفاق تم في (رامبوييه) وافق عليه الألبان ورفضه الصرب وهو ما أدى الى حدوث الضربات الجوية فهل كان هذا الاتفاق ظالماً للصرب؟ وماذا عن الموقف الامريكي من القضية؟ ** الاتفاق الأخير الذي تم في (رامبوييه) وافق عليه البان كوسوفو وهو ينص على وجود حكم ذاتي موسع للألبان وتم تحديد ماهية هذا الحكم وفيه سيكون للألبان برلمانهم الخاص, وحكومتهم ورئيس للحكومة ورئيس للبرلمان ورئيس لكوسوفو, ومؤسسات تشريعية وتنفيذية ولن يكون للصرب على هذه المؤسسات سلطان او دور رقابي.. وافق البان كوسوفو على هذا الاتفاق لانه افضل الحلول المتاحة حاليا وخاصة انه نص على انه سيتم النظر في موضوع الاستقلال الكامل لكوسوفو بعد مرور ثلاث سنوات, وهناك نقطة اخرى جعلت البان كوسوفو يوافقون على هذا الاتفاق وهي ان حلف الناتو ضمن تحقيقه.. وأعتقد ان اكبر مكسب فيما حدث وما يحدث حاليا هو ان قضية كوسوفو اخذت الان بعدا عالمياً ويتحدث عنها الجميع ولم تعد مجرد شأن داخلي اضافة الى وقوف الدول الغربية الى صف الالبان وتأكيدهم على الحقوق الالبانية في كوسوفو وأخيرا هذه المرة الاولى التي يتفاوض فيها الالبان مع الصرب كطرف مساو, وليس كطرف يملى عليه فقط ما يريده الاخرون, هذه ليست مكاسب هينة.. اما الموقف الامريكي فقد كانت امريكا في المرحلة الماضية لم يكن لديها اهتمام بالدرجة المطلوبة بقضية الألبان لانها كانت مشغولة بقضايا اخرى كثيرة, وبحكم كون امريكا الدولة العظمى الوحيدة حاليا فهي تستطيع ان تملي شروطها في أية مسائل في دول العالم المختلفة, وقد أبدت تفهما بالنسبة لقضية الألبان وخاصة انها باتت تدرك ان الاستقرار في البلقان لن يتحقق الا اخذت الشعوب الالبانية حقوقها.. ايضا لا أستطيع ان انفي ان للأمريكان مصالح يسعون وراءها في هذه المنطقة المهم ان التدخل الامريكي في القضية وضعها في بؤرة الاهتمام وجعل هناك اهتماما دوليا كبيرا بها. * كيف ترى الموقف الروسي بالنسبة لما يحدث حاليا من مواجهات بين الناتو ويوغسلافيا؟ وهل هناك دور يمكن ان تلعبه الأمم المتحدة في الوصول الى حل لمشكلة الألبان؟ ** لا خلاف على ان الموقف الروسي مؤيد جملة وتفصيلا للصرب فهما من نفس السلالة وعرق واحد, كما ان روسيا لها اطماع في ان يكون لها تواجد في البلقان وخاصة في منطقة البحر الادرياتيكي ولكن على العموم الموقف الروسي لا يمثل الكثير في الوقت الراهن فقد أضعفه التدهور الاقتصادي الكبير الذي حدث في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي. صحيح تماما * أدت عمليات التطهير العرقي التي يقوم بها الصرب الى فرار مئات الآلاف من ألبان كوسوفو الى الحدود مع الدول المجاورة هل يؤدي ذلك الى عدم الاستقرار في المنطقة؟ ** هذا الكلام صحيح تماما فما يقوم به الصرب في الوقت الحالي من عمليات التطهير العرقي والتهجير الجماعي لمئات الآلاف من البان كوسوفو الى مقدونيا والبانيا والجبل الاسود يهدف ميلوسيفيتش من ورائها خلق جو من عدم الاستقرار داخل هذه الدول واحراج الناتو بقضية اللاجئين.. ومن خلال ذلك يستطيع ان يصدر عدم الاستقرار من كوسوفو الى هذه الدول ومعروف ان مقدونيا لديها مشاكل سياسية مع صربيا, وفي الجبل الاسود هناك قيادة تابعة للدول الغربية ونتيجة لعملية تهجير الالبان اليها من المنتظر ان يحدث التصادم بين مؤيدي الرئيس اليوغسلافي داخل الجبل الاسود وبين مؤيدي الرئيس الحالي لها, وهذا من شأنه احداث حالة من عدم الاستقرار ولذلك لابد للناتو ان ينتهي من المسألة في كوسوفو سريعاً وقبل ان تنتقل المشكلة والمأساة الى الدول المجاورة عن طريق عمليات التهجير التي يقوم بها الرئيس اليوغسلافي وخاصة ان دول الجبل الاسود ومقدونيا وألبانيا التي يفر اليها اللاجئون لديها من المشاكل الكثير.. اما فيما يتعلق بالامم المتحدة فهي ادانت المذابح التي وقعت ومازالت تقع في حق البان كوسوفا ولكن المطلوب ان يكون دورها اكثر من مجرد الادانة, لابد ان يكون هناك قرار بالاعتراف بجمهورية كوسوفو وحسب الاعراف والمواثيق الدولية, فشعب كوسوفو اعلن في استفتاء عام عن رغبته في الاستقلال وبنسبة تزيد عن 90% ويجب ان يكون دور الامم المتحدة مؤيداً لهذه الرغبة ويعترف بجمهورية كوسوفو. * هناك العديد من الدول الاسلامية والعربية اسرعت بتقديم المساعدات الانسانية لألبان كوسوفو فهل هذا يكفي ام مطلوب ان يكون لها دور اكبر من ذلك؟ ** ما يريده الشعب الكوسوفي هو اعتراف الدول العربية والاسلامية بكوسوفو وليس مجرد تقديم المساعدات الانسانية او الادانة والشجب, ولكن هذا لا ينفي اننا نقدر ونشعر بالامتنان لهذه المساعدات والتي كان لها أثر طيب في نفوس الشعب الكوسوفي المسلم, ولكننا مازلنا نرغب في ان يكون هناك دور اكثر فعالية من الدول العربية والاسلامية فيما يتعلق بمساندة حقوق شعب كوسوفو.. يجب ان يكون للعالم الاسلامي دوره في تحديد مصير الشعب الالباني المسلم في اوروبا, وأعتقد ان الدول الاسلامية لديها من المقومات والامكانيات الكثير الذي تستطيع ان تقدمه, كما أطالب المجتمعات الاسلامية ان تقاطع وبصورة نهائية الدولة الصربية وان تقطع الدول الاسلامية علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية بها فلا يعقل ان تقيم الدول الاسلامية علاقات طبيعية مع صربيا في الوقت الذي تقوم فيه بحملات تطهير عرقي وإبادة كاملة لشعب مسلم ومنذ سنوات عديدة.. يجب ان يكون التحرك الاسلامي لمساندة كوسوفو بالقدر الذي يجعل الشعب في الداخل يشعر ان هناك اخواناً له يدعمون موقفه, وبحيث يساعد ذلك في تحقيق مطالب شعب كوسوفو والآمال التي يريدها الألبان. أجرى الحوار: صالح الفتياني القاهرة: مكتب (البيان)