في الوقت الذي تتكثف به ضربات حلف الاطلسي, لتجمعات الجيش اليوغسلافي ومعسكراته والبنية التحتية ليوغسلافيا لارغام بلجراد على وقف قمعها لالبان كوسوفو, فيما يحاول الرئيس الصربي ميلوسيفيتش استثمار الوقت لانجاز عملية التطهير العرقي التي يمارسها ضد البان كوسوفو , تقف اوروبا بشكل عام وايطاليا بشكل خاص مكتوفة اليدين امام ارتكاب كل الفظاعات, تطهير عرقي وتهجير ومجازر جماعية. امام نظام لايزال يستأنف لعبته الدامية. ولاتزال ايطاليا بحكم موقعها الجغرافي تذكر بشرارات الحربين العالميتين اللتين ادمتا هذا القرن انطلاقا من المسرح الاوروبي, كما مازالت تحاول ترتيب فضاءات تفاوضية, بعد ان ادركت ولربما قبل غيرها من دول حلف الاطلسي بأن الوسائل الحالية القاصرة على توجيه ضربات جوية لا تكفي بايقاف الديكتاتور الصربي الذي مازال يمارس سياسة التطهير العرقي, ممتنعا عن التوقيع على وثيقة رامبوييه التي كان من شأنها ان تمثل اطارا لحل مشكلة كوسوفو كما ان حكومة رئيس الوزراء الايطالي ماسيمو داليما ادركت عدم تلاقي تيارات اليمين واليسار بداخلها في دعم سياسة خارجية غير متناقضة كما هو الحال في هذه الازمة التي كشفت عن ارادة اوروبية سياسية اضعف بكثير عن ارادتها الاقتصادية. الامر اللافت للانتباه في التصدي للرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش هو عدم تلاقي تيارات اليمين المتمثلة بالحزب الحليف المشارك بالائتلاف وهو (حزب اتحاد الديمقراطيين من اجل الجمهورية) وله ثلاثة وزراء مع قوى اليسار والمتمثلة بالحزب الديمقراطي اليساري (الشيوعي سابقا) الذي يقود التحالف, والحزب الشعبي الكاثوليكي, وحزب الشيوعيين الايطاليين, وجماعة الخضر, فقد فشل رئيس الوزراء وهو من الحزب الديمقراطي اليساري في اقناع حكومته بالاضرار البالغة بالمصالح الايطالية في المدى القريب والبعيد, جراء اتخاذ سياسة مستقلة عن الحلف الاطلسي, وهو الذي كان ايام زعامته للحزب الشيوعي من المتحمسين لخروج ايطاليا من الحلف, كما ان قيادة حزبه الحالية انقسمت على نفسها بين من يعتقد بان تدخل الناتو في كوسوفو سيزيد من لحمة العلاقات الاوروبية, ويدفع الاتحاد الاوروبي باتجاه صياغة وتأسيس سياسة دفاعية وخارجية اوروبية مشتركة في المستقبل, وحفظ التوازن في منطقة البلقان, وتحقيق هدف انساني, ما يعزز مقولة التدخل في شؤون الاخرين لاسباب انسانية, والاحتذاء بمشاركة المانيا في الحرب ولاول مرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية, وبفرنسا التي تشارك في حرب اطلسية كاملة, وخفض قدرة ميلوسيفيتش على تحقيق انتصار عسكري, وخفض قدرته على التطهير العرقي وقتل الابرياء واجباره على الاعلان شخصيا عن وقف النار في كوسوفو, ومن ثم تفادي كارثة انسانية. اما قوى اليسار داخل التحالف وعلى رأسها حزب الشيوعيين الايطاليين وجماعة الخضر ولهما اربعة وزراء, لكل حزب اثنان, فهما يعارضان مشاركة الحكومة الايطالية, وهم الى جانب بعض الوزراء من الديمقراطي اليساري يرون بانه للمرة الاولى تشن حرب على بلد لم يعتد على بلد عضو في الاطلسي, وعلى بلد يتمتع بسيادة على اراضيه, ولهذا فهم يبدون اعتراضاتهم حول المساهمة في عملية التدخل في كوسوفو, ويسوقون اثناء ذلك اسبابا قانونية, كما يستنكرون اعلاء (شرعية) الناتو على شرعية الامم المتحدة, على اعتبار انها المرة الاولى التي يشارك فيه الحلف الاطلسي في تحرك عسكري دون اذن من مجلس الامن الدولي الذي يتحمل بموجب ميثاق الامم المتحدة, المسؤولية الرئيسية في حفظ السلام والامن الدوليين. وقد هدد زعيم حزب الشيوعيين الايطاليين ارماندو كوسوتا الذي زار بلجراد في اليومين الماضيين والتقى بميلوسيفيتيش, بسحب وزيريه من حكومة الاغلبية الحالية في حالة مشاركة القوات المسلحة الايطالية بالحرب التي يقودها حلف شمال الاطلسي, كما انحازت جماعة الخضر لموقف الشيوعيين, وهذا يعني في حالة تنفيذ هذه التهديدات سقوط الحكومة الايطالية, الا ان المعارضة اليمينية (قطب الحرية) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق, وملك التلفزيونات الخاصة سيلفيوبيرلوسكوني, اكد على دعم الحكومة برلمانيا في حالة تعرضها لحجب الثقة البرلمانية, بشرط مواصلة نهجها الحالي وضرورة اشراك الطائرات الحربية الايطالية بعمليات القصف الجوي, بل سيؤيدونها حتى لو وافقت هي وقيادة الاطلسي على استخدام قوات برية في مرحلة لاحقة اذا اقتضت الظروف. ودعا كوسوتا منذ بدايات الحرب جميع الايطاليين الى الخروج للشوارع والساحات للتظاهر ضد الحرب التي وصفها بــ (الهمجية), اذ تشهد المدن الايطالية يوميا تظاهرات ضد الحرب. كما عبأ حزب اعادة التأسيس الشيوعي الايطالي جميع قواه في الشارع الايطالي بحملة تظاهرات تكاد تكون يومية للتنديد بالحرب ولاسيما الغارات الجوية, ومتهما حلف الاطلسي (بالسعي لابادة المسلمين في هذا الجزء من اوروبا تحت حجة الحد من سياسة التطهير العرقي). ووصف زعيم هذا الحزب المعارض فاوستو بيرتينوتي الرئيس الامريكي بيل كلينتون (بانه يريد مواصلة لعب دور الجندرمة في العالم, وان عملية التدخل التي تريدها امريكا لفرض هيمنتها الكاملة على كل مناطق العالم, وتصفية كل وجود غير مرغوب فيه, هو امر غير مرغوب فيه وعلى الشعوب ادانته). وقد تساءل كوسوتا في اكثر من مناسبة (عن السبب في تدخل حلف الاطلسي في حل مشاكل الالبان في كوسوفو, وعدم تدخله منذ عشرات السنين لحل مشكلة الشعب الكردي والشعب الفلسطيني, حيث يتعرض الشعبان لانتهاكات خارقة وفاضحة من قبل الاتراك الحلفاء في الاطسي, والاسرائيليين؟). وزير الدفاع الايطالي كارلو سكونياميليو وهو من حزب اتحاد الديمقراطيين, مازال يصر على ضرورة مشاركة الطائرات الحربية الايطالية (تورنادو) في عمليات القصف الجوي التي تقوم بها طائرات حلف الاطلسي. في الوقت الذي تؤكد الحكومة بان طائراتها مخصصة للدفاع عن الاراضي الايطالية التي تنتشر عليها شمالا وجنوبا قواعد حلف الاطلسي, والتناقض في السياسة الايطالية لا يقف عند هذا الحد, فوزير الخارجية الايطالي لامبيرتو ديني الذي كان في بداية عمليات القصف الجوي مؤيدا استمرارها, اتخذ موقفا مغايرا, وصرح في اكثر من مناسبة وكان اخرها اجتماعات وزراء الخارجية للاتحاد الاوروبي في لوكسمبورج, بانه في حالة عدم تحقيق النتائج المتوخاة من عمليات القصف الجوي, فانه يتعين اتخاذ اجراءات بديلة تتمثل في فرض حصار شامل على صربيا وعزلها عن العالم (اذ لا يمكن استمرار القصف الى ما لا نهاية) بل يتعين حسب تصريحات الوزير الايطالي اتخاذ اجراءات الحصار وقطع كل الامدادات ما عدا المواد الغذائية والطبية, حتى يستجيب الصرب للمطالب العالمية. وبعد تزايد الضغوط الداخلية في حكومة داليما, وشعوره بوقوف حكومته على شفرة الانهيار السريع طالب بانتهاج (الطريق السلمي كحل وحيد للازمة البلقانية). وهو الامر الذي اجل تقديم الوزراء الاربعة (الشيوعيون والخضر) استقالتهم الا انه سرعان ما غيّر نهجه باعتراضه على مبادرة حكومة صربيا بوقف النار من جانب واحد, بحجة ان العرض الصربي لوقف النار غير كاف مقارنة بشروط حلف الاطلسي القاضية بانسحاب القوات الصربية من كوسوفو والموافقة على انتشار قوة دولية لحفظ السلام. وسماع صوت العقل, ووقف اعمال التطهير العرقي, والعودة الى المفاوضات, لان العمل العسكري وحده لا يقود الى السلام, والموافقة على اطار سياسي استنادا الى اتفاقيات رامبوييه, وانتشار قوة امن دولية. ومما يزيد هذا الوضع القلق الذي تعيشه الحكومة الايطالية, والتي بدأ قادتها يشككون في الآونة الاخيرة بانه من غير المرجح ان يحقق القصف الجوي لوحده الاهداف السياسية المتوخاة في كوسوفو, يقف الفاتيكان بكل مساعيه في ايجاد حل للازمة, وهذا الموقف الرافض للحرب من قبل رئيس الكنيسة الكاثوليكية يوحنا بولس الثاني, يجد صدى كبيراً في الاوساط الشعبية والرسمية, فقد دعا بابا الفاتيكان عدة مرات الى (هدنة). وقام بمحاولات للوساطة كان آخرها زيارة وزير خارجيته جان لوي توران لبلجراد في مهمة (لتحريك صوت الضمير في قلوب الجميع). وفور عودته اجتمع بالحبر الاعظم وأمين سر الفاتيكان انجيلوسودانو, ولم تصدر لحد الان اية معلومات عن الاجتماع. كما دعا البابا يوحنا بولس الثاني بوقف الدوامة الجهنمية للاعمال الانتقامية والنزعات العبثية بين ابناء الوطن الواحد. ولاتزال الصحيفة الرسمية الناطقة باسم حاضرة الفاتيكان (المراقب الروماني) تشن حملة هجومية ضد الولايات المتحدة لمواقفها في مواصلة غاراتها ضد الاهداف العسكرية والمدنية الحيوية في يوغسلافيا, وعدم موافقتها على مبادرات البابا بقبول العرض الصربي بايقاف القتال من طرف واحد, واطلقت على تلك المواقف بــ (تمجيد ثقافة العنف), وتشكك بموقف امريكا للبحث عن (مخرج) من يوغسلافيا يضمن تطهير أوروبا من اخر بقايا الحرب الباردة. ويسود الرأي العام الايطالي اعتقاد بان واشنطن ورغم الاعتراضات الايطالية على قصف يوغسلافيا, والمظاهرات اليومية التي تطوف المدن شمالاً وجنوباً, والمقالات الاعلامية والتعليقات الصحافية, لن تثني الولايات المتحدة عن المضي في تحقيق هدفها (الاوروبي) بعد ان نجحت في دفع حلف الاطلسي لاول مرة منذ تأسيسه قبل خمسين عاما لان يقوم بالدور الذي تشكل من أجله كحلف, وفي اوروبا تحديداً. فلقد دفعت الولايات المتحدة الحليف الايطالي في طريق كان يحاول تجنبه طوال اشهر على اعتبار ان ايطاليا ورئيس وزرائها (الشيوعي السابق) كانت مقتنعة بامكانية التوصل الى حل سياسي لازمة كوسوفو, لذلك فان ايطاليا التي تشكل الساحة الامامية لصربيا غير مقتنعة بامكانية التوصل الى حل على الطريقة التي ستعمد الولايات المتحدة فيها على انهاء الازمة التي اتسعت بممارسات التطهير العرقي الواسعة التي تقوم بها القوات الصربية والميليشيات التابعة لها في كوسوفو. وقد ادان مستشار الامن القومي الامريكي السابق زبينيف برزيزنسكي الموقف الايطالي الحالي ووصفه بانه غير جدي, وان ايطاليا لا يمكن لها ان تكون واحدة من دول القيادة لمواقفها المتذبذبة, وبالفعل فان ايطاليا وكما اثبتت التجربة, لا تريد الدخول بأي حرب, وهي في الازمة البلقانية الحالية ضد تصاعد الدعوات لحشد قوات على الارض بهدف دعم الحملة الجوية التي تشنها قوات حلف الاطلسي, كما ان قادة احزابها المؤتلفة في السلطة يبدون تحفظات عميقة ازاء اسلوب الادارة الامريكية في التعامل مع المشكلة الكوسوفية. الا ان ايطاليا من الجانب الاخر ستكون بمثابة البوابة لنزوح الآف الفارين من جحيم كوسوفو فقد اقامت جسرا ما بينها وبين البانيا بعملية كبيرة اطلقت عليها (قوس قزح) تحت اشراف وزيرة الداخلية روزا روسو يورفيلينو, وزارها بالمواقع رئيس الوزراء اذ لاتزال تنصب الخيم في معسكرات كبيرة في المدن المتاخمة لكوسوفو وتمدها بالاغذية والادوية لتجنب حصول كارثة انسانية. كما فرضت السلطات الامنية حالة التأهب القصوى لاستقبال اعداد كبيرة من المهاجرين الذين تجد السلطات الامنية وخفر السواحل في المناطق الجنوبية وخاصة في مقاطعة بوليا, العشرات منهم يوميا, فتوفر لهم حق اللجوء الآمن في مخيمات اعدت لهذا الغرض. كما بدأت خلال اليومين الماضيين حملة جديدة لمئات المتطوعين الايطاليين للقيام بمهمات انسانية في المدن الالبانية التي تستضيف المتشردين الفارين من جحيم كوسوفو. روما: البيان