سياسة تقليم الأظافر، العجز الاوروبي في ادارة الأزمات واعادة صياغة مفهوم الأمن، بقلم: د. بسيوني حمادة *

منذ انتهاء النظام العالمي الذي ظهر عقب الحرب العالمية الثانية واختفاء حلف وارسو كان من المتوقع ان يختفي حلف الناتو لان مبرر وجوده هو الدفاع الجماعي ضد التهديد العسكري المقبل من الاتحاد السوفييتي وحلفائه. فما ان انهار حلف وارسو حتى توقع المجتمع الدولي اختفاء حلف الناتو لاختفاء مبرر وجوده لكن الاحداث تشهد ليس فقط على استمرار الحلف بل توسعه وتعزيز مكانته والاهم انه اصبح يعمل كبديل للامم المتحدة, اي انه تحول الى مهام ذات طابع سياسي اكثر منها مهام عسكرية وامنية محددة. الواقع ان تغير الطموحات الامريكية ومفهوم الامن الاوروبي مثلا معا الدافع لبقاء وتوسع الحلف بدلا من تفككه, فالولايات المتحدة باتت تفكر في زعامة منفردة للعالم وادواتها في ذلك قوة عسكرية وتكنولوجية واقتصادية وتخطيط استراتيجي بعيد المدى يهدف الى احتواء شرق اوروبا والدول الاسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي القديم. فضلا عن تقليم اظافر من تسول له نفسه منافسة الزعيم في اهدافه او تهديد مصالحه كما حدث بالنسبة للعراق في حرب الخليج الثانية وكما هو واقع الان ضد الصرب او متوقع مع ايران في الحلقة القادمة من مسلسل لا نهائي الحلقات. فما هي مبررات وتأثيرات توسع الناتو في الوقت الذي كان متوقعا له الانهيار؟ والاجابة يقدمها لواء عثمان كامل في دراسته (توسيع حلف الناتو) شرقا وتأثيراته الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية حيث يرى ان عدم تمكين روسيا من ان تلعب دورا عالميا في المستقبل وحرمانها من اعادة الروابط الوثيقة مع الجمهوريات الاسلامية المستقلة ومع دول اوروبا الشرقية هو من اهم الاهداف الاستراتيجية الامريكية الاوروبية لتوسيع الحلف وتعزيز مكانته. فتحرك الناتو شرقا يحقق مصالح استراتيجية امريكية في ان يكون لها تواجد مسبق قبل ان تتمكن روسيا من استعادة دورها الدولي كوريث للاتحاد السوفييتي وايضا من اجل صراعها الخفي وعدائها للاسلام في اطار المواجهة والتكتل المحتمل بين المسيحية واليهودية معا ضد الاسلام ولا يقل عن ذلك اهمية احتمالات التقارب بين الدول الاسلامية المستقلة وايران والعالم العربي من جانب اخر فالجمهوريات المستقلة تشكل خطرا نوويا على حلفاء امريكا الاوروبيين. لكن التساؤل الذي واجه قادة الناتو بعد نهاية الحرب الباردة هو كيف يمكن تبرير وجود الحلف ذاته بعد زوال الداعي لوجوده او على الاقل العدو الاكثر بروزا وهو الاتحاد السوفييتي القديم وقد تطلب هذا التساؤل البحث في سياسة جديدة للحلف فيما بعد الحرب اساسها تعظيم الامن والاستقرار في القارة الاوروبية ومواجهة اي تهديد عسكري يمكن ان يؤثر سلبا على الامن الاوروبي اي ان انهيار حلف وارسو قد اعاد صياغة مفهوم الامن الاوروبي والهدف الامريكي بطريقة تسمح لهما بالتدخل في اي صراعات يتصور كلاهما انها ذات صلة وثيقة بمفهوم الامن بمعناه العام وقد ادى هذا المنطق لمفهوم الامن الى توسيع عضوية الناتو لتشمل دول اوروبا الوسطى والشرقية وهي التي كانت في السابق في فلك الاتحاد السوفييتي. تفكك الاتحاد اليوغسلافي والامن الاوروبي اظهرت سلسلة الازمات السياسية والعسكرية التي تمخض عنها تفكك الاتحاد اليوغسلافي الى عجز القارة الاوروبية وحدها عن حماية امنها وقد عملت الولايات المتحدة بطرق شتى للحيلولة دون انخراط ناجح للدول الاوروبية في ادارة هذه الازمات منفردة. الامر الذي برهن على ان الولايات المتحدة هي رجل الشرطة الذي لا يمكن الاستغناء عنه للامن الاوروبي وقد ادى هذا الاقتناع الى تعزيز زعامة امريكا في ادارة الصراعات الدولية في حرب الخليج من قبل وفي حرب البلقان من بعد حتى بدأ الامر وكأن هناك علاقة عضوية تجمع بين الطموح الامريكي للسيطرة على مقدرات العالم من ناحية ورغبة الدول الاوروبية في تحقيق امنها الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي عجزت عن تحقيقه بمفردها من ناحية اخرى. تهميش الامم المتحدة: ان فراغ الساحة الدولية من قوة مناوئة للولايات المتحدة واتفاق المصالح الامريكية ومتطلبات الامن الاوروبي جاء على حساب الشرعية الدولية وتهميش دور الامم المتحدة وعلى المدى البعيد تكريس التبعية للعالم العربي والاسلامي الذي كاد يفقد فاعليته وهو يدخل القرن الحادي والعشرين لاسباب معروفة وظاهرة للعيان. فالولايات المتحدة وتحت تفسيرات ذات طابع انساني اجتماعي تتجاهل الامم المتحدة وتستبدلها بقوات حلف الناتو وكأنها نصبت من نفسها حكما لصراعات هي بالضرورة طرف فيها, فالأمم المتحدة لم تنشأ الا لحفظ السلم والامن الدوليين والجمعية العامة باعتبارها الجهاز الاكثر تعبيرا عن المجتمع الدولي هي الاكثر اهلية لادارة الصراعات الدولية التي تهدد امن وسلامة المجتمع الدولي خاصة اذا لم ينجح مجلس الامن في القيام بمهمته الرئيسية لانعدام الاجماع من جانب الاعضاء الدائمين فيه. ان ادراك الولايات المتحدة لعجزها عن تحقيق اجماع الاعضاء الدائمين بالمجلس في ظل وجود روسيا والصين يجعلها تنفرد باتخاذ القرار بالاعتماد على الناتو الا ان عجز مجلس الامن عن مباشرة مسؤولياته لا يبرر الخروج عليه بقدر ما يعني اللجوء الى الجمعية العامة للامم المتحدة التي يحقق لها وفق المادة الرابعة عشرة من الميثاق الذي اسبغ عليها الصلاحيات التالية من خلال احكامه: * اذا اخفق مجلس الامن في القيام بمسؤولياته الرئيسية لانعدام الاجماع من جانب الاعضاء الدائمين يكون من حق الجمعية العامة في حالات تهديد السلم او خرقه النظر في الموضوع مباشرة واصدار التوصيات اللازمة بما في ذلك استخدام القوة المسلحة. * انشاء لجنة لمراقبة السلم والامن الدوليين. * وغيرها من الصلاحيات التي تعطي الجمعية العامة مباشرة التدخل فيما هو حادث الان في الصرب حال عجز مجلس الامن, الا ان الولايات المتحدة وهي اكثر دول العالم ادعاء للممارسة الديمقراطية وادعاء لحقوق الانسان والاحتكام الى القانون تتجاهل كل ذلك طالما انها تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية. ضياع المسلمين في ظل التقاء المصالح يتجاهل كلا الطرفين امريكا واوروبا الاحتكام الى الشرعية الدولية ويتقدمان للعالم وكأنهما يرسيان قواعد السلام ويحققان اسمى المبادئ الانسانية الداعية للمحافظة على مسلمي كوسوفو لكن الواقع بمنأى عن ذلك ويتحول المسلمون الى ضحايا ادعاءات الغرب الكاذبة لاقناع العالم بانسانية وعدالة ما يقومون به من وحشية من جانب واصرار الصرب على التطهير العرقي والدمار الشامل للمسلمين العزل في كوسوفو من جانب اخر, والاسوأ هو الا تمس مصالح الغرب او الصرب في بلاد المسلمين فهل يكفي الدعم المعنوي او المالي للمحافظة على ما تبقى من مسلمي كوسوفو؟ استاذ بقسم الاتصال الجماهيري، جامعة الامارات

طباعة Email