شن حلف الناتو, منذ ما يزيد على اسبوعين, حربه على يوغسلافيا (للحيلولة دون وقوع كارثة انسانية) . وأيا كان ما يمكن قوله غير ذلك عن الحرب الجوية, فمن الواضح تماما انها قد فشلت في تحقيق هدفها الأول المعلن . وعندما هاجم الناتو يوغسلافيا جوا, بادرت قواتها بشن هجوم بري كاسح, وهكذا فإن حرب الناتو الجوية أصبحت أبعد ما تكون عن الحيلولة دون وقوع كارثة انسانية, بل وأصبحت جزءا من تصعيد أفضى الى كارثة ذات أبعاد تستعصي على الوصف. وكان يتعين التنبؤ بهذا مسبقا, ولكن الاعتقاد ساد في العواصم البارزة بأن الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش سيعلن الاستسلام بعد الضربات الجوية الأولى ويوقع اتفاق رامبوييه على الفور. وكان يفترض ان عملية الناتو ستكون ممارسة أخرى للدبلوماسية من خلال صواريخ الناتو وشبكة السي.ان.ان. وبينما مضت طائرات الناتو تنفذ هجماتها الجوية الليلية من ارتفاع شاهق, ترك الأبرياء من دون دفاع عنهم, ضد الفزع النهاري الذي تجسده جماعات الصرب شبه العسكرية, وذلك مع تصاعد الحرب بين الجيش اليوغسلافي وقوات ألبان كوسوفو بصورة كبيرة. وقبيل شن الحرب الجوية, وجهت مع آخرين تحذيرا من احتمال اجبار مليون شخص على الهرب من ديارهم, خلال الشهور المقبلة, فمنطق الحرب الرهيب له بعد اضافي فظيع في البلقان. الآن يتعين على الناتو, بعد ان خسر الجولة الاولى في الحرب, وفشل في تحقيق هدفه الأول المعلن, ان يعيد النظر في استراتيجيته. وفي الوقت الحالي تنقل بيانات الناتو حول الحرب بصورة متزايدة باتجاه ضمان العودة الآمنة من جانب الهاربين من اقليم كوسوفو الى بلادهم. ويتعين ان تكون القضية الاولى المطروحة الآن هي كيفية اعادة مئات الآلاف من الاشخاص البائسين الذين انتشروا في مختلف أرجاء العالم, فهم لا يريدون الذهاب الى بلاد بعيدة لا يعرفون عنها الكثير, وانما هم يريدون العودة الى دورهم في بلادهم. ولكن لا يوجد سبيل لتحقيق هذا الهدف من خلال الحملة الجوية وحدها, وحتى اذا تم قصف الجيش اليوغسلافي على نحو يحوله الى فوضى كلية فإن كوسوفو لن تكون آمنة, بل ان عصابات الصرب المتجولة سعيا وراء الانتقام قد تشكل خطرا أكبر على ألبان كوسوفو من القوات المسلحة النظامية. وليس بمقدور الناتو ان يستخدم سياسة التدمير المنتظم للبنية التحتية في باقي صربيا للتعويض عن فشله في مواجهة الموقف في كوسوفو, فالدمار قصير المدى في صربيا سيجعل من المستحيل القيام بعملية اعادة بناء طويلة المدى لصربيا الديمقراطية المزهرة. وبمقدورك ان تدمر جسرا على الدانوب في ثوان, ولكن الامر يقتضي سنوات من العمل والجهد لاعادة بنائه. ويتعين على الناتو الآن الاستعداد فورا للدخول عنوة الى اقليم كوسوفو, ومن المؤكد ان هجوما بريا سيكون صعبا وباهظ التكاليف, على الرغم من ان المقاومة المنظمة الأولية ستكون محدودة, والحملة الجوية ليس بوسعها ان تهزم جيشا على الاطلاق, ولكن بمقدورها ان تحطم معنوياته تماما. ولكن هذا الهجوم البري لن يكون الا بداية لاشتباك طويل في الاقليم, حيث سيتعين على ادارة كوسوفو باعتباره محمية دولية, ومن الافضل ان يكون ذلك في ظل السلطة المطلقة لمجلس الأمن الدولي الى ان يتم التوصل الى ترتيب أوسع نطاقا في يوغسلافيا والمنطقة. ولم يعد هناك وجود للاستراتيجية للناتو في البلقان, ومن المحتم ان البلقان قد أصبحت الجبهة المركزية الجديدة للناتو في أوروبا, ويتعين ان يكون هناك التزام طويل المدى من جانب قوات كبيرة في المنطقة. ومع خسارة دول الناتو للمرحلة الأولى من الحرب, فإنه يتعين كذلك ان تبدأ في التعامل مع القضايا السياسية بعيدة المدى للبلقان بكاملها, فاقليم كوسوفو ليس جزيرة من الحرب في اقليم يغمره السلام, وإنما هناك مؤشرات متزايدة الى عاصفة يحتمل ان تهب في المنطقة بكاملها اعتبارا من سلوفينيا جنوبا وحتى اليونان شمالا. ويتعين اعادة بناء التحالف السياسي بين روسيا من ناحية والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة من ناحية اخرى, اذا ما أريد ان تكون هناك أية فرصة لتجنب حروب مدمرة اخرى في المنطقة. ولا يمكن السماح للناتو بخسارة حرب مع ميلوسيفيتش حول مستقبل كوسوفو, ولكن هناك احتمالات محدودة لأن تحول العمليات الراهنة وحدها دون حدوث هذا التطور, ومحنة من من يتعرضون للقتل أو (التطهير العرقي) تجعل استعداد حكومات الحلف لشن عملية برية في كوسوفو أمرا محتما على الصعيد الاخلاقي, واستمرار بقاء الناتو ذاته يجعله أمرا محتما سياسيا. رئيس وزراء السويد السابق- خدمة لوس انجلوس تايمز-خاص بــ (البيان)