رغم أن بعض الأحزاب والقوى السياسية لم تحسم اختيارها بعد بين نظامي الانتخاب بالقائمة أو الفردي, الا انها جميعا تتفق على ان المهم في البداية هو الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة بعيدة عن التدخلات الإدارية التي لا تعمل إلا لمصلحة حزب واحد هو الحزب الوطني الحاكم . ففي الحزب الناصري يقول أحمد حسن الأمين المساعد بالحزب انه لم يتم دراسة الموضوع بعد وان كان هناك اجماع على ان نظام الانتخاب بالقائمة هو الأفضل إلا انه يحتاج إلى تعديلات دستورية حتى لا يتعرض للطعن في عدم دستوريته مثلما حدث من قبل. ويرى ان القائمة تجيز للأفراد النزول على مقاعد فردية.. أما في النظام الفردي فإن هناك تدخلات عنيفة جدا من أجهزة الإدارة.. كما ان الامكانيات المادية تلعب دورا هائلا لصالح من يستطيعون الانفاق ببذخ في الحملات والدعاية الانتخابية.. أما من لا يملكون امكانيات ضخمة سواء من الأفراد أو الأحزاب فإنهم لا يستطيعون الصمود في هذه المنافسة الحامية. ويرفض أحمد حسن القول بأن نظام الانتخاب بالقائمة يجعل ولاء النائب لمن اختاروه من القيادات الحزبية وليس لأفراد الشعب مؤكدا ان الحكم في نهاية الأمر يكون للشعب وليس لمن اختاروا القائمة والذين يجب أن يتوقف دورهم على اختيار أفضل العناصر لخوض العملية الانتخابية. ويؤكد أحمد حسن على ضرورة البدء في وضع ضمانات لنزاهة الانتخابات مشيرا إلى ان نظام الانتخاب الفردي أنتج ظواهر البلطجة وسيطرة المال وتفشي الرشوة وفساد اللجان وفساد الإدارات. القائمة ... أنسب كذلك يرى حسين عبدالرازق أمين الدائرة السياسية بحزب التجمع ان الانتخابات بنظام القائمة هي الأصلح والأنسب للحياة السياسية في مصر.. ويرى ان نظام القائمة في جوهره يؤدي إلى تمثيل كل القوى والتيارات سواء الاجتماعية أو السياسية وهو يحول دون هيمنة حزب واحد على أغلبية مقاعد البرلمان. كذلك يؤكد عبدالرازق على المطلب الأساسي للقوى السياسية المختلفة وهو اجراء انتخابات نزيهة بعيدة عن تدخلات الجهات الإدارية وتتوافر فيها جداول قيد انتخابية واضحة لا لبس فيها ولا تزوير وتتاح الفرصة لكل القوى والتيارات السياسية للتعبير عن نفسها من خلال وسائل الاعلام المختلفة. ويشير إلى ان نظام الانتخاب الفردي جعل نواب البرلمان يتحولون إلى أعضاء مجالس محلية تنحصر اهتماماتهم في مشكلات الدوائر المرشحين بها وابتعدوا عن الاهتمامات القومية المنوط بها كافة نواب الشعب. ويقول ان نائب مجلس الشعب تحول الآن إلى (مكتب خدمات) بما يضر بمصالح الناخبين وبالعملية التشريعية والرقابية التي يجب أن يقوم بها مجلس الشعب وأعضاؤه. أما في نظام القائمة فإن النائب ـ كما يقول حسين عبدالرازق ــ مطالب بأن يتابع ويناقش السياسات العامة ويتخذ مواقف منها باعتباره نائبا عن الأمة كلها وليس عن دائرة انتخابية ضيقة. مع القائمة النسبية أما ياسين سراج الدين نائب رئيس حزب الوفد المعارض فيوضح ان الحزب لم يقرر حتى الآن اختيار أي النظامين للمطالبة به, مشيرا إلى ان من سيقرر ذلك هو الهيئة العليا للحزب والمكونة من 60 شخصا.. لكنه يسجل أن رأيه الشخصي هو الميل إلى القائمة النسبية لانها أكثر تمثيلا للأحزاب وتعطي الفرصة لكل حزب ــ حتى لو كان تواجده بسيطا ــ أن يكون ممثلا ولو بنائب واحد في البرلمان. ويطالب ياسين سراج الدين بادخال بعض التعديلات إذا تم الأخذ بنظام القائمة النسبية ومن ذلك عدم اشتراط عدد معين في القائمة لكل دائرة وقبول أي قائمة منقوصة حتى لا نفرض على الأحزاب اختيار أشخاص يكونون مجرد (كمالة عدد) ! كما يرى ياسين سراج الدين ضرورة توسيع صفة العامل منتقدا أداء من يمثلون نسبة الـ50% عمال وفلاحين في مجلس الشعب الحالي ومؤكدا ان من يشتركون في المناقشات منهم هم نسبة لا تتعدى 10% أما الباقون فيكتفون بالموافقة على كل ما يثار في المجلس. ويرى أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط المصري ان العبرة في النهاية هي بتحقيق نظام انتخابي عادل تكون فيه ضمانات حقيقية لعدم التلاعب بنتائج الانتخابات لصالح حزب دون الآخرين. ويؤكد ان الأحزاب بامكانها تحقيق نسبة من الأصوات إذا ما تم الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة.. مشيرا إلى ان نظام الانتخاب الفردي يتميز باتاحة الفرصة للأفراد المنتمين لقوى سياسية واجتماعية غير معترف بها لخوض الانتخابات البرلمانية والمحلية.. الا ان هذا النظام في النهاية لا يسفر سوى عن تمثيل ضعيف للمعارضة في البرلمان كما هو حاصل الآن. أما أحمد طه عضو مجلس الشعب ــ مستقل ــ فيشير إلى ان هناك حوارا صامتا يدور حاليا حول هذه القضية ــ مشيرا إلى ان أبرز عيوب نظام الانتخاب بالقائمة تتمثل في عدم الاختيار الجيد وان الناخبين يصوتون للقائمة بكاملها رغم انهم قد يرفضون بعض أفرادها.. كما ان المرشح في هذا النظام عادة ــ وبحسب التجربة لا يهتم كثيرا بالناخب وتظل علاقاته وولاؤه منحصرا فيمن اختاروه ضمن القائمة حفاظا على استمرار عضويته. ومع ذلك ــ والكلام لأحمد طه ــ فإن نظام الانتخاب الفردي أيضا له عيوبه ذلك انه أفرز أشكالا مختلفة من الفساد والسيطرة على العملية الانتخابية وظهر ذلك بوضوح في الانتخابات الأخيرة وينتظر ظهوره بشكل أوضح وأخطر في أي انتخابات مقبلة تستمر على هذا النظام, ذلك ان الأموال الهائلة التي تم صرفها في الانتخابات الماضية سوف تتضاعف مستقبلا نتيجة للتغييرات الاقتصادية التي تعيشها مصر والتي أفرزت قوى اجتماعية جديدة تصل إلى ما تريد بالمال والعلاقات بالحكومة. وفي النهاية فإن الأمر متروك حسمه للجدال الدائر بين مختلف الأوساط في مصر. شروط الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد السابق وعضو مجلس الشعب المصري الحالي يؤكد انه يفضل الانتخابات بالقائمة بشرط تخطي العقبات الدستورية الموجودة حاليا بالنسبة لتمثيل المستقلين إلى جانب أن تحسن الأحزاب اختيار مرشحيها للقائمة وتلتزم بالموضوعية في هذا الاختيار. ويشير الدكتور مصطفى السعيد إلى ان نظام الانتخاب الفردي أظهر ان المال أصبح وسيلة النجاح الرئيسية في الانتخابات. موضحا ان جميع الدساتير والقوانين في العالم تدرك خطورة ذلك وتضع قيودا على الانفاق في الحملات الانتخابية وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد في مصر. لكن المستشار محمد موسى رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب يرى ان هذا الموضوع انتهى الحديث فيه بتصريحات القيادات السياسية والتي أكدت فيها على الأخذ بالنظام الفردي في الانتخابات المقبلة. ومع ذلك فإن موسى يرى ان نظام القائمة من شأنه افراز عناصر أفضل وان المهم هو تخطي العقبات الدستورية التي تحول دون الأخذ بهذا النظام. النسبية هي الأفضل ويرى الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة ان النظام الفردي يتوسط بين الجيد والسيء أما نظام القائمة المطلقة فهو أسوأ النظم الانتخابية على الاطلاق.. ويقول انه يميل إلى القوائم النسبية ويعتبرها أفضل النظم حيث يتم فيها تقسيم الدولة إلى عدد قليل من الدوائر الكبيرة ولكل دائرة عدد محدد من المقاعد وتوزع فيها المقاعد بنسبة عدد الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة. ويرد الدكتور البنا على الذين يرون ان هذا النظام تكثر به القوائم ولا يوضح كيفية اتفاق المستقلين على قوائم.. مؤكدا انه لا يوجد ضرر من تعدد القوائم الانتخابية, كما ان كل مجموعة تقترب في أفكارها مع مجموعة أخرى يمكنها أن تتحد معها في قائمة واحدة. ويضيف البنا ان نظام القوائم النسبية يتيح لكل القوى حزبية وغير حزبية أن تعبر عن نفسها بعدد من المقاعد في البرلمان وانه إذا تم تنظيم ذلك بالنسبة للمستقلين فلن يواجه هذا النظام بعدم الدستورية. الفردي ... أفضل أما الباحثة السياسية والمتخصصة في شؤون الأحزاب الدكتورة هالة مصطفى فإنها ترى ان العودة إلى الأخذ بنظام الانتخاب الفردي لها ما يبررها موضوعيا, وان هذا النظام أقرب إلى تحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليهما في الدستور دون تمييز. كما انه ــ كما تقول الدكتورة هالة ــ أقرب إلى الروح الليبرالية التي ترتبط بالنظام الديمقراطي التعددي الذي تأخذ به مصر. وترى ان الانتخاب بالقوائم الحزبية بما يضعه من شروط معينة يحرم غير المنتمين للأحزاب من فرص الترشيح, والأخذ به يفترض وجود درجة عالية من الالتزام الحزبي, الذي لا يوجد الا في النظم ذات التاريخ الطويل من الممارسة الحزبية وهو أمر لا يتوافر للدول التي تعاني من الضعف في مستوى الأداء الحزبي. كذلك فإن نظام الانتخاب بالقائمة يتطلب درجة عالية من الوعي السياسي لدى الناخبين بشكل عام, حيث يكون الاختيار وفقا للمعايير السياسية والحزبية, وهو أمر ما زال غير متحقق في البيئة السياسية والثقافية التي تحكم عمليات الانتخابات حتى الآن, حيث ان معايير الاختيار عند الناخبين ما زالت تحكمها اعتبارات شديدة التقليدية مثل الولاءات العصبية أو العائلية أو القبائلية وغيرها, وهي اعتبارات تخرج عن معايير المشاركة السياسية والحزبية بالمعنى الحديث. كذلك فإن ضعف أو محدودية التجربة الحزبية تنعكس بالضرورة على قدرة الأحزاب المختلفة على التواجد السياسي أو الجماهيري من خلال برامج انتخابية تجذب الناخبين وفق أفكار ورؤى معينة, ومن هنا تعتمد أغلب الأحزاب على الخصائص الذاتية لمرشحيها, من قبيل النفوذ العائلي أو القبلي أو المالي, دون أي اعتبار لمعايير الالتزام الحزبي أو السياسي. ولهذه الاعتبارات أو بعضها فإن نظام الانتخاب الفردي ــ في رأي الدكتورة هالة مصطفى ــ هو الأكثر توافقا مع السياق السياسي والاجتماعي والثقافي والحزبي القائم في مصر. وفي دراسة لأحمد عبدالحفيظ المحامي بالنقض ذكر فيها ان الأخذ بنظام الانتخاب بالقوائم الحزبية طبقا لحكم القانون رقم 114 لسنة 1983 والذي جرت الانتخابات على أساسه في عام 1984 ــ أدى إلى ان تفوز أحزاب المعارضة بثمانية وخمسين مقعدا وهي أكبر نسبة منذ اقرار التعددية المقيدة في مصر عام 1976. وكانت مصر قد أنهت النظام التعددي عقب قيام ثورة ,1952 وحين عاد عام 1976 لم تفز المعارضة والمستقلون بأكثر من خمسة عشر مقعدا, وتم الاطاحة بهذه المقاعد في الانتخابات التالية عام 1979 نتيجة معارضة أصحابها لمشاريع الرئيس السابق أنور السادات في الصلح مع اسرائيل.. وفي تلك الانتخابات الجديدة فاز حزب العمل الاشتراكي وهو حزب معارض جديد كان السادات قد صرح بقيامه ردا على مقاطعة معارضيه لمشاريعه في الصلح مع اسرائيل بأكثر من ثلاثين مقعدا. وترصد الدراسة ان مشاكل الانتخاب الفردي تبدأ بعملية تقسيم الدوائر حيث تقسم الدولة كلها إلى مجموعة كبيرة من الدوائر الصغيرة المفترض أن تكون متساوية تحقق التناسب التقريبي بين عدد السكان اللازم لاختيار نائب أو نواب كل دائرة, وهو ما يمكن الحكومات المختلفة من القيام بمناورات متعددة لاعادة تقسيم الدوائر بما يضمن نجاح أنصارها الأمر الذي تلاحظ في معظم الانتخابات المصرية التي جرت خلال العقدين الماضيين وكانت موضع شكوى المعارضة وموضع طعون قضائية إدارية ودستورية عديدة. كذلك فإن الانتخاب الفردي يثير مسألة العلاقة بين الناخب والنائب والتي تصبح علاقة ذات طابع محلي في الغالب تسيطر فيها على كلا الطرفين الهموم والمشاكل المحلية للدائرة على تلك الهموم والمشاكل ذات الطابع القومي, خصوصا إذا لم يكن النواب ينتمون إلى أحزاب كبيرة لكن ميزة هذا النظام انه يجعل النائب معروفا لناخبيه وقريبا منهم, من ناحية أخرى فإن مشكلة هذا النظام تتمثل في انه يثير العصبيات والنعرات بين المرشحين وبين الناخبين. أما نظام الانتخاب بالقائمة فإنه يثير تحكم القيادات الحزبية في اختيار مرشحين بما يجعل لهذه القيادات ــ من الناحية العملية ــ السلطة الحقيقية في تحديد أشخاص النواب وذلك من خلال ادراجهم في القائمة ثم ترتيبهم فيها بعد ذلك. كذلك هناك مشكلة المستقلين غير الحزبيين وكيفية تجميعهم داخل قائمة واحدة سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الدائرة. وتثور التساؤلات أيضا في هذا النظام حول حق القوائم المختلفة في اجراء تحالفات فيما بينها من عدمه وكذلك حق الأحزاب المتعددة والاتجاهات السياسية في المجتمع داخل قائمة واحدة.. وما إذا كان يجب على كل قائمة ان تستوفي العدد اللازم من المرشحين لكل مقعد مخصص للدائرة, أم انها يمكن أن تكون ناقصة وقاصرة على أي عدد من المرشحين حتى لو لم يستوف العدد اللازم لشغل كافة مقاعد الدائرة. ومن ناحية الناخب فإن لهذا النظام مشاكله المتعددة أيضا, ومنها حق الناخب في المزج بين القوائم المختلفة, أي اعطاء صوته لمرشحين من قوائم مختلفة وكذلك حقه في اعادة ترتيب المرشحين داخل القائمة التي يصوت لصالحها مقابل التزامه الصارم بالترتيب الوارد في القائمة كما هو... وهي مشاكل تثار من واقع ما يحدث في العادة من اختيار بعض الشخصيات المعروفة أو ذات الشعبية على رؤوس القوائم المختلفة لاستقطاب أصوات الناخبين في حين ان بقية أعضاء القائمة لا تتوافر لهم مثل هذه الشعبية أو المعرفة لدى الناخبين. على ان هذه الطريقة ــ كما يقول أحمد عبدالحفيظ معد الدراسة ــ تتميز بتخليص الناخبين من ضغوط الانتخاب الفردي ومنحهم القدرة على الانتخاب الحر المحايد بين مرشحين لا يرتبطون بهم ولا يعرفونهم على المستوى الشخصي, بما يجعل اختياراتهم محكومة باعتبارات المصلحة العامة في الأساس ويجعل الهموم والمشاكل القومية هي محط المفاضلة بين المرشحين, الأمر الذي يمكن النواب أنفسهم بعد انتخابهم من التحرر من ضغوط المشاكل المحلية للدائرة والتفرغ لمعالجة الهموم القومية المنوط بالبرلمان معالجتها. وترى الدراسة ان هناك اعتبارات سياسية كثيرة لا تجعل نظام الانتخاب بالقائمة مناسبا للأخذ به في مصر وذلك لعدة أسباب منها ما يتعلق بقدرة الجهاز الإداري الفائقة على انجاح العناصر التي يدعمها حسب ولائها للحكومة ومنها: ما هو متعلق أيضا بطبيعة دور المجلس التشريعي نفسه ودوره داخل النظام السياسي في مصر على امتداد التاريخ المصري منذ دستور 1923 الذي قنن وجود المجلس التشريعي المنتخب بشكله الكامل لأول مرة وحتى اليوم, ذلك ان المجلس فشل طوال هذا التاريخ في أداء الدور الرقابي والتشريعي المنوط به. وقد كان العامل الأساسي وراء الغاء نظام الانتخاب بالقائمة والعودة إلى الانتخاب الفردي هو تتابع صدور الأحكام بعدم دستورية النصوص القانونية الخاصة بطريقة الانتخاب بالقائمة.. وقد انحصرت أسباب القضاء بعدم الدستورية هنا في طريقة تنظيم العملية الانتخابية نفسها ـ وليس نظام الانتخاب بالقائمة ـ ذلك انها تتضمن تمييزا لصالح المنتمين للاحزاب السياسية ضد غير المنتمين لها, ثم اهدارها لمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة المنصوص عليه في الدستور لصالح الحزبيين, وذلك حين سمحت لغير الحزبيين بترشيح انفسهم بشكل محدود من خلال الجمع بين نظامي الانتخاب بالقائمة والانتخاب الفردي. معارضة الانتخابات بالنظام الفردي موجودة ايضا حتى بين بعض الاوساط الحكومية ذاتها وان كانت تظهر بينهم على استحياء دائما وتربطها دائما بضرورة تلافي العيوب الدستورية بالنسبة لنظام القائمة.. ومن ذلك ان الدكتور احمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري الحالي قال في ندوة بجامعة حلوان مؤخرا ان افضل نظام للانتخاب في مصر هو المزج بين نظامي القائمة والفردي في حالة اعداد تشريع يراعي كل الجوانب الدستورية.. مؤكدا ان النظام الفردي الذي ترفضه المعارضة حاليا قد وضع اساسا لحماية أحزاب الأقلية. لكن الكاتب الصحفي البارز سلامة أحمد سلامة بصحيفة (الأهرام) الحكومية يتخلى عن هذا الاستحياء ويقول: ان فوائد المزج بين نظامي القائمة والفردي تتجاوز كثيرا مجرد تقوية الأحزاب أو ربط النائب بدائرته.. ويضيف: لقد أثبتت التجارب ان ما ينقصنا هو اختيار الأحزاب للعناصر الصالحة التي تمثل الشعب تمثيلا حقيقيا والتي تقوم بدور فعال في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وتتفرغ لواجبها النيابي وليس لأعمال السمسرة وجلب المنافع والاستثناءات ورخص البناء والاتجار في الأراضي.. ولو ظل النظام الفردي كما هو فسوف تدخل إلى الساحة عناصر رجال المال والأعمال والأثرياء الجدد.. ولا يعني هذا ان هذه الشرائح ليس من حقها أن تمثل في البرلمان ولكن بروز نفوذها في المجتمع قد يقلب كثيرا من الموازين. ويستشهد سلامة بواقعة ضرب إحدى السيدات الموظفات بمجلس الشعب على يد اثنين من نواب المجلس قائلا: ان هذه الواقعة تظهر نوعية النواب الذين يمثلوننا الآن.. ونحن هنا لا نعمم الحكم فالمجلس الحالي فيه أيضا الكثير من الشخصيات التي تتميز بالنزاهة والوعي السياسي. ولكننا ونحن ندخل مرحلة من العمل والبناء الجاد على مشارف الألفية الثالثة لن نتحمل استمرار مثل هذه العناصر في حياتنا السياسية.. وقد ثبت ان الفاكهة الفاسدة المعطوبة تفسد غيرها. ويضيف سلامة ان البقع في ثوب المجلس أصبحت كثيرة واكتشاف أعضاء في المجلس يجمعون بين العضوية وأعمال أخرى أمر غير مفهوم ولا يصح السكوت عليه.. وما دام هناك اقتناع بوجوب تغيير قانون الانتخاب.. فلماذا التأخير حتى الآن؟! سلبيات أمين مبارك رئيس لجنة الصناعة والطاقة في مجلس الشعب أعلن أمام لجنة الرد على بيان الحكومة الأخير ان نظام الانتخاب الفردي له سلبيات أكثر من ايجابياته كما أظهر واقع التطبيق العملي, فعن طريقه دخل أصحاب المال حلبة المنافسات الانتخابية وانتزعوا الفرصة ممن هم أقدر على العمل البرلماني لانهم لا يملكون سطوة المال وسحره في جذب أصوات الناخبين.. لكن نظام القائمة ـ كما يقول أمين مبارك ــ يتيح فرصة أفضل أمام كافة القوى الحزبية والمستقلين والمرأة لتشكيل مجلس نيابي يكون تعبيرا حقيقيا عن مختلف القوى الوطنية ويحد من احتمال عودة سيطرة رأس المال على مؤسسات وهيئات الحكم بالدولة. نماذج سيئة أما المعارضون فيؤكدون صراحة ان الانتخاب بالنظام الفردي يتسبب في وقوع حوادث البلطجة وادخال نواب المخدرات والقروض والنواب (الصيع) وغيرهم من هذه النماذج إلى البرلمان المصري. ويقولون: ان العمل البرلماني الشعبي أصبح وسيلة لمن يبحثون عن دور, وهؤلاء يتخيلون ان مجرد ذهابهم إلى سرادقات التعزية وحفلات الأفراح أو عقد مجالس صلح بين المتنازعين كفيل بادخالهم تحت قبة البرلمان.. وهؤلاء ينسون دورهم الرئيسي في الارتقاء بالأداء البرلماني والحرص على المصلحة العامة واعلاء شأن الوطن والمواطنين. ويقول المعارضون ان نظام الانتخاب الفردي ساهم أيضا في أن يعتنم أصحاب المال الفرصة ممن هم أقدر على الخدمة العامة وذلك لمجرد حماية مصالحهم وزيادة ثرواتهم والتهرب من أداء حق الوطن في الضرائب والجمارك وغيرها. ويحذر المعارضون من ان موسم الانتخابات ــ في ظل النظام الانتخابي الفردي ــ تحول إلى موسم للبلطجة يقع فيه العديد من الضحايا وان هذه الانتخابات تفرز نوابا لا يهمهم سوى ارضاء رؤساء العائلات ومراكز التأثير في الريف والمدن تحت أي مسمى حتى لو كان ذلك بالمخالفة للقوانين مما يعرض الوزراء والمحافظين للحرج الشديد.. حتى انه في بعض الأحيان تتأزم الأمور فيما بين الجهازين الشعبي والتنفيذي.. وفي البداية كانت الأزمات بين الجهازين هي الاستثناء لكنها أصبحت القاعدة الآن حول أمور أقل ما يقال عنها انها سطحية وتافهة. ويقول هؤلاء أيضا انه في ظل الانتخابات الفردية (شعب وشورى ومحليات) لن تقوم لأحزاب المعارضة قائمة. استقرار الدكتور رفعت السعيد أمين عام حزب التجمع ومن موقع المعارضة الصريحة والشديدة لنظام الانتخاب الفردي يرى ان الانتخابات بالقائمة أفضل للحياة السياسية ولاستقرارها.. ذلك ان الناخب يوجه صوته للحزب ومن هنا يصبح الحزب جزءا مهما من العملية الانتخابية وليس الفرد المرشح أو الأسرة أو القبيلة أو القرية. لكن المشكلة في رأي أمين عام حزب التجمع هي أن الحكومة حددت نظاما حسب رغبتها ومصالحها, فوصفت ما سمي بالقائمة النسبية الحسبية واشترطت حصول الحزب على 8% من اجمالي الأصوات على نطاق القطر كله كشرط لحصوله على مقاعد في البرلمان, وإذا فشل الحزب في الحصول على هذه النسبة فإنها تؤول ــ أي أصواته ــ إلى الأغلبية. ويرى الدكتور السعيد ضرورة الأخذ بنظام القوائم في كل دائرة على حدة وأن تكون نسبة الفوز هي ان توزع المقاعد وفق ما تحصل عليه كل قائمة من أصوات. عيوب ومن منطلق المعارضة أيضا للنظام الفردي في الانتخابات أعد حسن حافظ النائب البرلماني السابق عن حزب الوفد المعارض دراسة جاء فيها: ان تتبع الحياة النيابية في مصر منذ عام 1924 حتى الآن يسلم بأن العيوب التي اتضحت في كثير من الدول الديمقراطية لنظام الانتخاب الفردي تكاد تلازم أغلب البلاد ومنها مصر.. فكلما صغرت الدائرة الانتخابية غلب فيها بداهة العامل الشخصي وصعبت حياة النائب وحاولت الإدارة السيطرة على الناخبين لمصلحة مرشح بالذات.. فضلا عن ملاءمة المجال للرشوة وشراء الأصوات وتأثير أصحاب الشركات والمصانع في عمالهم حتى يكاد حق الانتخاب ينقلب في مجال الانتخاب الفردي إلى سلعة تستغل, رغم ان الدستور وضعه كوظيفة عامة قومية. وترى الدراسة ان عدول أغلب الدول عن النظام الفردي لم تحفز عليه الرغبة في تحقيق التناسب الصحيح بين العدد الاجمالي لأصوات الناخبين الذي يحصل عليه كل من الأحزاب الكبيرة والصغيرة, وبين عدد النواب الذين يفوزون من كل حزب, نظرا لما أثبتته الأرقام في الانتخابات في أعتى الدول ديمقراطية وأيضا في مصر من أن أحد الأحزاب قد يفوز في ظل الانتخابات الفردية بأقل من نصف مجموع أصوات الناخبين في البلاد بأكملها.. ومع ذلك يحصل هذا الحزب على أكثر من 60% من المقاعد في البرلمان, أي انه يخرج بأغلبية برلمانية كبيرة في الوقت الذي أعلن فيه أكثر من نصف الناخبين في مجموعهم معارضتهم لهذا الحزب بالذات.. فهذه النتيجة وان كانت غير عادلة إلا انها غير ذات شأن في حمل كثير من البلاد على الانتقال من الفردي إلى القائمة, وإنما أقلعت هذه البلاد عن (الفردي) لعيوبه الأخرى والتي ظهر منها في مصر ــ كما تقول الدراسة ــ شكوى الأحزاب من ان الإدارة اضطهدتها وان الأموال بذلت في سخاء وهذا ما يخشى منه في الفترة المقبلة من أثرياء المرشحين من رجال الأعمال وغيرهم الذين يتجمعون للدفاع عن مصالحهم هم دون أي اعتبار آخر ودون أي تأثر بمبادئ اقتصادية عادلة لمصلحة جماهير الشعب. وتنتقل الدراسة إلى جانب آخر سلبي في نظام الانتخاب الفردي فتقول ان المقارنة بين انتخابات المجلس لعام 1984 وعام 1987 ــ وكان فيهما الانتخاب بالقائمة ــ وبين مجلس عام 90 وعام 1995 ــ نظام فردي ــ لوجدنا المجلسين الأولين أكثر انضباطا في نسبة الحضور والغياب والمناقشات الحيوية في المجلس, بل إذا أحصينا عدد طلبات رفع الحصانة في هذه المجالس لوجدنا ان النسبة قد ارتفعت كثيرا في المجلس الحالي.. وان خلو المقاعد من أعضاء المجلس غالب أيضا حتى ان رئيس المجلس الدكتور فتحي سرور ــ هدد ذات مرة بعدم عقد إحدى الجلسات بسبب غياب النواب. وتؤكد الدراسة ان النظام الفردي يجعل النائب عبدا للناخب ويكون نائبا لدائرة وليس للأمة, ويظل دائما يقوم بدور الطلبات الخاصة بالناخبين وهذا دور النقابات وأعضاء المجالس المحلية. الأمر الذي تضيع معه كرامة النواب ومصالح الأمة وتضعف الرقابة لأن النائب يكون أسير السلطة لتيسر له تحقيق طلباته. كما انه في النظام الفردي يتيسر للمرشح جذب ورشوة كبار الناخبين وذلك مع صغر وضآلة مساحة الدائرة الانتخابية في حين لا يتحقق ذلك في الانتخاب بالقائمة لاتساع الدائرة وضخامة عدد الناخبين. وتخلص الدراسة إلى ان النظام الفردي يجعل النائب يعيش طوال مدة خدمته البرلمانية في ثياب المرشح ولا يستطيع الفكاك منها. القاهرة ــ محيي الدين سعيد