داخل الضباب يكون من العسير على الانسان ان يشق له طريقا معينا, فأي مسير في ذلك الظرف العسير قد يكون نتاجه صداماً يضفي الى تقويض شبكة الصلات الاجتماعية . فالجزائري الذي يوجد ضمن تلك الشروط لم يكن شيئا اخر, سوى مجرد فرد معزول عن جماعة, اصبحت مفككة الاوصال, بفعل (القابلية للاستعمار) .. حتى لتكاد تشبه مساعي الفرد فيها, مساعي الفرد الذي تبقى على قيد الحياة, بعد نوع بشري منقرض, عقب كارثة جيولوجية! ليس ابلغ من هذا التعبير ــ لمالك بن نبي ــ ما يصور مأساة الجزائر السياسية التي يراد لها ان تحل بمحفل انتخابي مثير, ابرز اوجه اثارته ان رئيس الجمهورية نفسه غير مشترك فيه, ان النتيجة ليست مفصلة سلفا لصالح ذلك الرئيس, وهو زاهد فيها عن صدق, بعد ان خبر الرئاسة ومتاعبها, وباشر تقليب معظم ملفاتها الموروثة الملغزة العصيّة. ولكن كون النتيجة ليست مفصلة سلفا لصالح الرئيس, لا يعني بحال أن تلك الانتخابات تجرى عفوا, وان بيروقراطية الحكومة والجيش لا يتدخلان في توجيهها, ولا ان النظام السياسي الجزائري قد تحول اخيرا الى نظام ديمقراطي رئاسي, يجري انتخابات مباشرة لاختيار الرئيس, كما يجري في الولايات المتحدة, وان الثقافة السياسية تحولت الى ثقافة (متحضرة) يقل فيها التقاطع والنزاع. اضطراب التوازنات كل ما هناك ان ازمة الاختناق التي تعيشها مراكز القوى التي تدير السياسة الجزائرية, قد حتمت عليها اجراء تلك الانتخابات. فقد استحال على زروال ان يستمر في تعايشه وتوافقه مع تلك المراكز المتطاحنة بعنف, لاسيما بعد ان قام قبل اشهر بتحدي جنرال الجزائر القوى خالد نزار, وحذّره من ان يتحدث من مركز قوة, وهو جنرال معزول, او ان يتحدث باسم مؤسسات الدولة, وهو غير مخوّل بذلك شرعا او قانوناً. يعرف لجنرالات الجزائر دورهم الكبير في صنع السياسة, وانهم يستمرون في أداء ذلك الدور حتى بعد ان يحالوا الى التقاعد. وهذه ميزة عجيبة لا يتمتع بها جنرالات التقاعد الا في اقطار ثلاث فقط هي: الصين, ونيجيريا, والجزائر. اما في الصين فبدافع من الاحترام لنضالات الجنرالات في الحفاظ على استقلال الوطن, وامنه القومي, وخوضهم لحروب التحرير, لذا يتبوأون مواقع عليا في مراكز اتخاذ القرار, وغالبا ما يستجاب لضغوطاتهم ومطالبهم. اما في نيجريا فهم يعتبرون امتدادا او تمثيلا لنفوذ زعيم القبيلة, او المجموعة الاثنية, وقد ظهر نفوذهم اخيرا في تواطئهم على اختيار أوباساتجو لمنصب الرئاسة. اما في الجزائر فلا يعلم ما سر نفوذ خالد نزار, حتى بعد تقاعده, لاسيما مع انتفاء العاملين السابقين, فتاريخ خالد نزار القديم معروف, وقد طفا بعضه اخيرا الى السطح مع حرب الملفات القديمة, التي بعثت في الاسابيع الماضية, خلال الحمى الانتخابية, فحينما هاجم خالد نزار بوتفليقة, وعمل على عرقلة ترشيحه قائلا انه يمثل عودة الى الماضي البغيض, وانه كان مجرد دمية في يد هواري بومدين, رد عليه بعض انصار بوتفليقة قائلين: ان بوتفليقة كان يقاتل في طلائع جيش التحرير الوطني الجزائري عندما كان عمره 16 عاما, ذلك في الوقت الذي كان فيه خالد نزار, يعمل ضابطا في صفوف جيش الاحتلال الفرنسي, الذي كان يعمل على قمع الثورة, وارتكاب (المجازر) بحق المدنيين! سكت خالد نزار ولم يرد على تلك التهمة بالرغم من انه كتب مقالا عنيف اللهجة يرد فيه على تحدي وتهديد زروال له. والغريب ان خالد نزار غيّر موقفه تماما من بوتفليقة, فانقلب بين عشية وضحاها الى مؤيد له, وكتب مقالا بتاريخ 15 يناير الماضي ينقض موقفه السابق تماما ويقول: (ان اختياري الشخصي ذهب بسرعة باتجاه بوتفليقة, لانه في رأيي الشخصية التي تمتلك احسن الحظوظ لاخراج البلاد من الأزمة رغم الحكم الذي ابديته بحقه سابقاً) .. كان خالد نزار يكتب بعقله الباطن, لذا افلتت منه عبارة: (تمتلك احسن الحظوظ) فهو قد عرف مؤخرا بأن اركان الجيش قد تواطأت على اختيار بوتفليقة, واكتشف انه بذلك قد تورط بمعارضته, وبالتالي بمعارضة اختيار الجيش, ولذا فضّل ان يحث الخطى راجعا ليسير في تيار الجيش.. وقد تسرّبت مؤخرا معلومات شبه مؤكدة, تقول بان عرّاب صنع الرؤساء في الجزائر الجنرال العربي بلخير قد دعا خالد نزار للاجتماع به, وأفهمه بذلك, بل وجمعه في لقاء ودي مع بوتفليقة, وانتهى اللقاء ببذل كل المساومات الممكنة بين الطرفين, وادى بذلك الى كسب بوتفليقة لجانب خالد نزار. اجماع.. ام نزاع؟! لقد تم ترشيح بوتفليقة في دوائر الجيش التي قررت ان تتخلص من زروال لانه ابدى بعض المقاومة, والغريب ان بوتفليقة كان قد ابدى تلك المقاومة سابقا عندما تم ترشيحه في 1994, اذ رفض ان يقبل ذلك الترشيح, الا اذا اعطى صلاحيات الحكم كاملة, فقام الجيش بالاستغناء عنه, ورشح زروال بديلا عنه, وهكذا يبدو ان بوتفليقة قد استوعب الدرس اخيرا, وقرر ان يستجيب لكل طلبات وشروط الجيش, فتم ترشيحه ودعمه بناء على ذلك, بل سمي مرشح الاجماع, وهي تسمية دعائية غير سليمة, لان مرشح الاجماع, هو المرشح الوحيد الذي يفوز بالتزكية, اما مرشح شبه الاجماع, فهو المرشح الذي يفوز مكتسحا كل الخصوم مجتمعين اما مع المنافسة والنزاع المحتدم فلا حديث عن اجماع ولا شبه اجماع! ولكن مع احساس الشعب الجزائري, واحزابه, بان ارادتهم الحرة مرفوضة لدى اجهزة الضغط العليا, فان كثيرا من كتل الشعب, وبعض الاحزاب الرئيسية, قد تلجأ الى موقف عملي فتدعم ترشيح الجيش لبوتفليقة. هنا يبدو موقف حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري طبيعيا ومقبولا, ولا غبار عليه, فبوتفليقة يعتبر كادرا وقياديا قديما في ذلك الحزب. كما يبدو موقف حركة النهضة منطقيا نوعا ما, فزعيم الحركة الجديد د. لحبيب ادمر برر اتجاه الحركة لدعم بوتفليقة, بان الجزائر تحتاج هذه المرة الى رئيس بشعبية ضاربة, تكسبه شرعية الحكم, وتضعه في مركز قوة فوق المراكز الاخرى, التي تتسلط عادة على الرئيس, وتعطل كثيرا من صلاحياته ومبادراته. كما بررت حركة النهضة دعمها لبوتفليقة, بان ما بين الحركة الوطنية, التي تمثلها جبهة التحرير, والحركة الاسلامية, التي تمثلها حركة النهضة, من جوانب الاتفاق الاستراتيجي, اكثر مما بينهما من التعارضات والفروق. هذا وترجو حركة النهضة بدعمها لبوتفليقة ان تبدو كحركة سلمية غير متطرفة, شأنها شأن حركة مجتمع السلم, بقيادة محفوظ نحناح, التي بالغت في التقرب الى القيادة العسكرية, والهجوم على خط الجبهة الاسلامية للانقاذ, بزعامة عبدالقادر حشاني, كما ترجو حركة النهضة ان تدعم جانب الوفاق الوطني, وتقول انها اخذت تعهدات غير مكتوبة من بوتفليقة برعاية ذلك الوفاق. وتريد كذلك ان تقطع الطريق على الحركات اليسارية والفرانكفونية, فتصطف مع بوتفليقة, وتنال ثمن دعمها اياه. اتجاهات الكتل الاسلامية من بعيد تبدو حركة النهضة, وكأنها تسعى لتحل محل حركة مجتمع السلم, في التقرب من عسكر النظام, الذين لفظوا اخيرا محفوظ نحناح.. هذا بينما بدأت قواعد حركة السلم تتجه اتجاها مناوئا لاتجاه العسكر, وتلقي بثقلها لتأييد المرشح المستقل.. د. احمد طالب الابراهيمي, لانه اقرب فكريا الى منطلقاتها, والغريب ان د. الابراهيمي المرفوض من قبل قمة هرم العسكرتاريا, يحظى ترشيحه بدعم خفي من ذلك الجانب, ولكن بهدف اخر, هو تشتيت اصوات الحركات الاسلامية (حوالي ثلاثة ملايين صوت!) حيث يريدون لها ان تتوزع على أكثر من مرشح ولا تصب في خانة مرشح واحد.. هو في هذه الحالة الشيخ عبدالله جاب الله الذي انشق اخيرا عن حركته التي انشأها, وكون حزبا جديدا عوضا عنها, باسم حركة الاصلاح الوطني.. ان الشيخ جاب الله, مع انه ليس راديكاليا, شأن عباس مدني, او علي بلحاج, الا انه اضحى يفزع مراكز القوى الكبرى, ولا يستبعد المراقبون ان اصابع تلك القوى كانت وراء التمزق الاخير الذي اصاب حركته السياسية, لاسيما ان الشرخ الاكبر في الحركة حدث قبيل الانتخابات ببضعة اسابيع فقط. ان مفارقات الحركات والاحزاب الاسلامية الجزائرية, لا تختلف كثيرا عن مفارقات الحركات والاحزاب العلمانية. فاتجاهاتها متضاربة جدا, وكأنها لا تلتقي على ثوابت راسخة, والتكتيك السياسي يبدو غالبا او متغلبا على المرتكزات الفكرية. وهذا شأن مضمك تماما, ولكنه ليس خارجا عن تفسيرات قاعدة الرشق في الضباب التي تحدث عنها الفيلسوف الامثل مالك بن نبي. وقد كان بإمكان تلك الحركات لو إجتمعت في صعيد واحد, ان تضمن فوزا كاسحا لاقرب المرشحين فكريا من الخط العروبي, وهو أحمد طالب الابراهيمي. الذي ربما فاز حتى من دون دعم الحركات الاسلامية المنظم, لو كانت الانتخابات طبيعية تماما. فقبل شهرين قام مركز الدراسات الاستراتيجية الشاملة, التابع لرئاسة الجمهورية الجزائرية, وبطلب من وزارة الدفاع, بإجراء استطلاع, شمل الولايات الثماني الاكثر كثافة سكانية, حول اتجاهات التصويت, واشارت نتائج الاستطلاع الى ان د. احمد طالب الابراهيمي هو صاحب الحظ الاوفر, اذ حصل على 24% من الاصوات, يليه مرشح جبهة القوى الاشتراكية. حسين آيت احمد بنسبة 18%, ثم بوتفليقة بنسبة 16%, ثم مولود حمروش بنسبة 12% وحصل بقية المرشحين مجتمعين على 30% من الأصوات.. نتائج ذلك الاستطلاع تم التحفظ عليها رسميا, الا انها تسربت الى الساحة السياسية, وبدأت تؤثر على اتجاهات الرأي العام, ومواقف بعض الاحزاب اما مغزى التحفظ الرسمي, فهو ان تلك النتائج غير مقبولة, وربما اتخذت مدخلاً لهندسة الوضع لصالح بوتفليقة, الذي يحظى فوق حظوته لدى العسكر, بدعم فرنسا صاحبة الشأن غير المنكور في ثقافة الجزائر وسياستها. ومن قديم كانت فرنسا تراهن على بوتفليقة, وقدمته مرشحا للرئاسة, عندما سقط بومدين في قبضة المرض الغامض الطويل.. ولكن السؤال الاكبر هل سيحل مقدم بوتفليقة الى الرئاسة شيئا من معضلات الجزائر, فضلا عن ان يخرجها من دائرة الضباب؟! الاجابة على ذلك ترتبط بقدرة بوتفليقة على الخروج من قبضة مراكز القوى الكبرى في الجيش, تلك القبضة التي اعيت زروال, واضطرته الى الاستعجال في مغادرة الحكم, قبل ان تنتهي دورة تفويضه لمباشرته!.