الخميس المقبل يتوجه الى صناديق الاقتراع نحو 17 مليوناً و400 الف ناخب جزائري لاختيار احد المرشحين السبع لمنصب رئيس الجمهورية وهي الانتخابات التي دعا اليها الرئيس الحالي الأمين زروال وقبل ان تنتهي فترة رئاسته بعدة أشهر والذي اكد حرصه على أن يضمن لها اكبر قدر من الحيدة والنزاهة من خلال كل الوسائل الممكنة, ولذا جاء اختياره للدكتور محمد بجاوي كرئيس للجنة الاشراف والمراقبة للعملية الانتخابية, وهو المعروف عنه النزاهة والسمعة الطيبة سواء داخل الجزائر او خارجها عند تقلده للكثير من المناصب الدولية. والملاحظ ان هذه الانتخابات يعلق عليها المراقبون الكثير من الآمال في أن يساهم الانتقال السلمي للسلطة بعد انتهائها في وجود مناخ سياسي جديد يأخذ بيد الجزائر للخروج من دوامة العنف التي تعانى منها منذ عام 92 عندما تفجرت اعمال العنف والارهاب والتي أدت الى مقتل ما يزيد عن 77 الف مواطن على أيدي الجماعات الارهابية, وتعديل الصيغة السياسية في الجزائر بحيث يمكن الوصول الى الوفاق بين اطرافها, اضافة الى تخفيف المعاناة الاقتصادية التي تشهدها الجزائر حاليا بسبب الكثير من المشكلات وعلى رأسها الفساد والتضخم والتي زادت حدتها مؤخراً عقب انخفاض اسعار البترول.. فهل ينتج عن هذه الانتخابات انهاء لحالة العنف المسلح في الجزائر؟, وما هو الدور المنتظر ان تقوم به المؤسسة العسكرية في إدارة المعركة الانتخابية؟ وما هي طبيعة التحديات التي ستواجه المرشح الفائز؟ وسائل خفية الدكتور محمد السيد سعيد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام يرى انه على الرغم من إعلان الرئيس الجزائري الأمين زروال الحياد الكامل بالنسبة للعملية الانتخابية المقبلة وكذلك المؤسسة العسكرية الا ان هناك بعض الاشارات والتلميحات قد صدرت من بعض الوزراء وأجهزة الدولة في اتجاه تأييد مرشح بعينه وهو ما ادى الى وجود موجة من الاحتجاجات من جانب المرشحين الاخرين وكثر الحديث هناك عن رجل الاجماع وان هذا ضد الهدف من الانتخابات حتى ان الرئيس زروال عاد مرة اخرى ليؤكد حياد مؤسسة الدولة وان ما يصدر من اراء عن بعض الأجهزة والوزراء هو رأيهم الشخصي ولا يمثل رأي الدولة, ولكن مع ذلك وحتى ان التزم جهاز الدولة بما دعا اليه الرئيس زروال فانه لن يعدم الكثير من الوسائل الخفية وغير الخفية لدعم مرشح بعينه او التحيز ضد مرشح اخر ويساعد في ذلك التفتت الذي تعاني منه نخبة الحكم في الجزائر, لذلك اعتقد ان هذه الانتخابات لن يتم حسمها في الدورة الاولى وستحتاج الى دورة ثانية حيث لا يوجد مرشح يحظى بإجماع الشعب الجزائري.. ولذلك فمن المنتظر ان تشهد الدورة الثانية للانتخابات محاولات للاستقطاب فكل طرف من الطرفين الذين ستكون انتخابات الإعادة بينهما سيحاول استقطاب الاطراف الاخرى, ومن المنتظر ان تكون هناك معركة حامية بين الباحثين عن التغيير وعن الآليات الجديدة للعمل السياسي وبين الذين يؤيدون مرشح الدولة او المؤسسة العسكرية والذي سيكون غالباً عبدالعزيز بوتفليقة. ونبه الدكتور محمد السيد سعيد الى انه لا توجد علاقة بين ما ستسفر عنه الانتخابات المقبلة وبين توقف عمليات العنف والارهاب المسلح في الجزائر فالرئيس زروال عندما جاء الى السلطة اعاد ترتيب المؤسسات السياسية الجزائرية وبصورة جذرية, ومساعده في ذلك انه حظي بالشرعية والتقدير لانتخابه بصورة حرة ومباشرة, الا ان ذلك لم يمنع العنف ولم يوقفه, لان العنف مرتبط بالتيار المتشدد, والاجيال التي افرزتها التشوهات السياسية خلال عقد الثمانينات والتي فضلت الجنوح للعنف والتطرف الديني ويتواجدون في الجبال ولا توجد وسيلة لاقناعهم بالعدول عن ذلك والكف عن العنف. وأشار الى ان هناك الكثير من التحديات سوف تواجه المرشح الفائز في الانتخابات المقبلة اولها تحدي العنف وخاصة ان اصحابه مصممون على الاستمرار فيه ومواجهة الدولة, وهو مرتبط بالتحدي الاقتصادي فالمعروف ان الجزائر من الدول التي تعاني اقتصاديا وبصورة مؤلمة فهي لم تنجح في تحسين الاوضاع المالية والاقتصادية بها ومنذ فترة طويلة بعكس دول عربية اخرى الى جوارها وأقل منها من حيث الموارد واستطاعت الى حد ما أن تحسن من اوضاعها المالية والاقتصادية وان تقلل من حجم البطالة بين مواطنيها, اما الجزائر فهي غارقة في الديون وفي البطالة, وهناك تحد اخر وهو الانسلاخات في نخبة الحكم نفسها نتيجة للأوضاع والعلاقات الجديدة في العالم وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فهناك خلافات بين انصار التغيير ومسايرة الواقع الحالي ومن ينظرون الى الماضي والخلف والذين سيدعمون غالبا مرشح المؤسسة العسكرية. بشكل ديمقراطي ومن جانبه يقول ضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام عندما نتحدث عن دور الانتخابات المقبلة في انهاء حالة العنف المسلح في الجزائر لابد ان نفرق بين مسألتين الاولى ان نجاح الانتخابات الجزائرية وادارتها بشكل حر وديمقراطي هو الذي يسمح بايجاد حلول سلمية للأزمة الجزائرية.. الانتخابات في حد ذاتها لا تكفي ولكن ما يترتب عليها من تشريعات واتفاقيات خاصة فيما يتعلق بحق القوى السياسية المختلفة في الجزائر في التواجد والتعبير هو الذي سيحدد ما اذا كانت هذه الانتخابات هي المدخل لايقاف العنف ام لا, والمسألة الثانية هي يجب ان نؤكد على انه ايا كان الحل السياسي الناتج عن الانتخابات فان الجماعات التي تمارس العنف والارهاب في الجزائر لن تنتهي في يوم وليلة, بل سيظل هناك جماعات هاربة تمارس قدرا ضئيلاً من العنف الذي ربما يتحول في بعض اللحظات الى عنف أشد لان التوصل الى حل سياسي للازمة سيولد لدى هذه الجماعات الرغبة في إفشال هذا الحل عبر عمليات عنف, وبالتالي لابد ان نتوقع استمرار العنف في الجزائر ولكن بمعدلات اقل اما ان ينتهي العنف نهائيا ومرة واحدة بعد كل هذه السنوات من العنف فهذا امر مستبعد ولابد من فترة زمنية كافية حتى يتحقق ذلك. بشكل غير معلن وفيما يتعلق بدور المؤسسة العسكرية في حسم نتائج الانتخابات المقبلة يضيف ضياء رشوان: هناك رأيان الاول يرى ان المؤسسة العسكرية تنحاز الى جانب المرشح عبدالعزيز بوتفليقة والرأي الاخر يرى ان المؤسسة العسكرية لن تساند هذه المرة طرفا بعينه لان معظم المرشحين في الغالب لن يخرجوا عما تريده المؤسسة العسكرية.. ربما يكون هناك تأييد لمرشح معين ولكن هذا يتم بشكل غير معلن ولكن هنا لابد ان نشير الى ان هناك ثلاثة مرشحين من السبع الذين يخوضون انتخابات الرئاسة لا يمكن ان تساندهم او تؤيدهم المؤسسة العسكرية وهم عبدالله جاب الله, وحسين آيت احمد, وأحمد طالب الابراهيمي, اما الاربعة الاخرون فلا يوجد خلاف عليهم من جانب المؤسسة العسكرية وان كانت فرصة عبدالعزيز بوتفليقة هي الافضل لماله من خبرة سياسية طويلة اكتسبها من عمله السياسي, فهو رجل دولة وله دور بارز في جبهة التحرير ويعرف قواعد النظام.. المؤسسة العسكرية اعلنت رأيها وبصراحة تامة في هذا الامر فقد ذكرت مجلة الجيش ان القوات المسلحة ليس لها علاقة بالشأن الانتخابي وانهم لن يتدخلوا فيه, اضافة الى ان تدخل الجيش يتعارض مع الهدف المعلن للانتخابات وهو إعادة الامور الى وضعها الطبيعي في الجزائر من اجل الخروج من المأزق الحالي.. ويوضح ان الاقبال المنتظر من جانب الجزائريين على التصويت في هذه الانتخابات سيكون مؤشراً على رغبتهم في حل الازمة الجزائرية حلا سياسيا والذي سيتوقف على قدرة المرشح الفائز على اعادة ترتيب الساحة السياسية الجزائرية وبما يسمح بتواجد كل القوى السياسية ذات الطابع السلمي وبشكل شرعي وفي مقدمتها القوى الاسلامية وسواء اتخذت هذه القوى اسم جبهة الانقاذ او اي اسم اخر, المهم ان يوجد تواجد سياسي شرعي لهذه القوى, وان يستطيع الفائز في تلك الانتخابات ان يدفع بالاحزاب المختلفة بما فيهم الاسلاميون الى صياغة ما يمكن ان يطلق عليه تحالف وطني واسع لانقاذ الجزائر, لان هناك ضرورة حيوية جدا لمثل هذا التحالف, والارجح ان نتائج الانتخابات المقبلة ستؤكد هذه الضرورة, حيث ان المرشحين في الانتخابات من المنتظر ان يحصل كل منهم على نسبة من الاصوات بمعنى انه لن يكون هناك نجاح ساحق بل هناك توقعات كثيرة تؤيد فكرة الاعادة للانتخابات وهذا ما سيوضح للجميع انه لا احد من المرشحين يمتلك الاغلبية, وان آراء الجزائريين موزعة على القوى السياسية التي يمثلها مرشحون, وبالتالي ربما يمثل هذا دافعا اضافيا للفائز في الانتخابات لكي يسعى الى تشكيل هذا التحالف الوطني الذي هو فقط يمكنه انقاذ الجزائر من ازمتها الحالية. وهذا التحالف هو الذي يضمن عودة الاستقرار والمؤسسات المدنية الى الحكم في الجزائر, لان هذه المؤسسات هي الوحيدة القادرة على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها, وبدون ذلك لن يكون هناك حل لاي مشكلة, فالاستقرار هو الذي سيتيح للدولة القيام بدورها المنوط بها في وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية الجزائرية, ووقف اهدار الموارد البشرية والمادية التي تستنزفها الازمة, والتفرغ لوضع مشروعات للنهوض بالجزائر مرة اخرى فقد كان الجزائر قبل الازمة بلدا كبيرا وقويا من الناحية الاقتصادية. واشار ضياء رشوان الى ان هناك قوى خارجية عربية وغير عربية تتدخل بشكل او باخر في الشؤون الداخلية للجزائر وكل منها له مصالحه في استمرار الوضع الحالي في الجزائر.. والارجح ان مصالح كل هذه القوى ذات الصلة بالازمة لن تكون هي نفسها المصالح الجزائرية, وبالتالي فان الحل النهائي للازمة في حد ذاته مصلحة جزائرية خالصة, وهذه المصلحة ليست بالضرورة هي كل مصالح القوى الخارجية ذات الصلة بالازمة في الجزائر, والتي تسببت الدولة في وجودها عندما لم تقبل بنتائج الانتخابات التي اجريت عام 91 لانها جاءت بالاسلاميين الى الحكم, لقد ا فسدت الدولة بهذا التصرف التجربة الحزبية في الجزائر واوجدت هذه الازمة التي تعاني منها الجزائر حتى الان. تحقيق: صالح الفتياني