اسماعيل سراج الدين نائب رئيس البنك الدولي والمرشح لرئاسة اليونسكو: غازي القصيبي صديق أقدره.. وعملية الترشيح لا تفسد للود قضية

رغم انه تولى مناصب دولية مرموقة, إلا ان الرأي العام في مصر لا يعرفه كثيرا, انه الدكتور اسماعيل سراج الدين المرشح المصري لتولي منصب رئاسة اليونسكو , وحين حضر إلى القاهرة مؤخرا لالقاء محاضرة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كان الحشد أمامه كثيرا تدفعه الرغبة في المعرفة هذا الرجل الذي يطرح نفسه على الساحة الدولية الآن في منصب دولي خطير ويتابعه الرأي العام المصري من على صفحات الصحف فقط. من أين جاء اسماعيل سراج الدين؟ وماهي المحطات العلمية والدولية التي مر عليها؟ وما هي اسهاماته الفكرية والعلمية وماذا عن آخر أخبار ترشيحه لرئاسة اليونسكو؟ (البيان) التقته أثناء زيارته للقاهرة وحاورته فأفاض في اجاباته التي تنم عن شخصية موسوعية حركية وبتواضع شديد وثقة يحسد عليها في الوقت ذاته راح يرد على الأسئلة المثارة. سألت: من هو اسماعيل سراج الدين؟ ــ قال: ولدت عام 1945 بمحافظة الجيزة وأنا متزوج ولي ولد وقد حصلت على بكالوريوس هندسة ـ قسم عمارة من جامعة القاهرة عام 1964 وتسلمت في العام نفسه جائزة عيد العلم من الرئيس جمال عبدالناصر وأنا فخور بذلك, وقد عُينت معيداً بالجامعة ثم سافرت إلى جامعة (هارفارد) بأمريكا لاستكمال الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه. وحصلت على الماجستير عام 68 والدكتوراه عام 74 في موضوع اسهام عملية التربية والتعليم في التنمية من جامعة (هارفارد) . وقد تعجب انني خريج هندسة ومع ذلك فان رسالتي للدكتوراه بعيدة عن تخصصي, والحقيقة انني عندما ذهبت إلى (هارفارد) انتقلت من دراسة العمارة إلى تخطيط المدن, فقد كان لي اهتمامات بالقضايا الاجتماعية وكان تخطيط المدن وسكن الفقراء من المشاكل الكبرى التي تشغلني, ووجدت ان دراسة تخطيط المدن يتطلب فهم التخطيط الاقليمي وأيضا حتى تفهم ذلك لابد من دراسة للدكتوراه في الاقتصاد لكني قلت لأستاذي الأمريكي المشرف علي أنني غير مقتنع بالاقتصاد بالطريقة التي نراها لأنه في تصوري ان قضية التنمية ليست رأسمال ولكنها قضية انسان ولهذا استأذنت منه وانتقلت إلى كلية التربية ودرست فيها عام ونصف وكتبت رسالتي للدكتوراه عن اسهام عملية التربية والتعليم في التنمية. ثم قال لي هذا الاستاذ ماذا تريد ان تفعل بعد ذلك, قلت له أريد ان أحصل على بعض الخبرة الدولية قبل ان أعود لمصر وأرغب في الذهاب لليونسكو لكنه أشار علي بالبنك الدولي, فقلت له, أنا تركت الهندسة وأعمل الآن في قضايا التربية, فقال لي: ستجد في البنك التعليم والتربية فذهبت على مضض لاعايش التجربة لمدة عام أو اثنين. البنك الدولي وماذا حدث بعد ذلك؟ وهل اندمجت مع البنك ووجدت ما كنت تبحث عنه؟ ــ بدأت العمل في البنك في قطاع التعليم وكان يركز وقتها على التعليم المهني والعالي ولم يكن يركز على التعليم الابتدائي وتعليم البنات والتعليم الأساسي ولكني طرحت هذه التصورات داخل البنك واسهمت في تطوير فكره في هذه العملية. وكان لي دور في ربط علاقة حركة تدفقات العمالة بالاقتصاد وبالنظام التعليمي, وفي السبعينات كانت لي انجازات علمية موضوعية في هذا المجال في العالم العربي والدول الأخرى مثل تونس وايرلندا والسعودية واليمن. وفي عام84 أصبحت مديرا لغرب أفريقيا بالبنك ولذلك سعيت إلى توسيع برامج التعليم في أفريقيا جنوب الصحراء بهدف تحسين تعليم البنات وتمكين المرأة وتوفير التعليم الفني. وعدت مرة أخرى للقضايا العمرانية والبيئية والاقتصادية وكان لي اسهامات في هذه المجالات وانتقلت في بداية التسعينات إلى قضايا العلم وتطويره وتطويعه لاحتياجات المجتمعات الفقيرة وأرأس منذ عام 94 المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية وهي أكبرة هيئة دولية مسؤولة عن البحث العلمي الزراعي لمساعدة الدول النامية في قضايا الأمن الغذائي ولها 16 مركزا دوليا في العالم منهم مركز للأسماك بمصر ويعمل به 9 آلاف موظف وميزانيته 75 مليون دولار وتقدم أفضل البحوث العلمية فيه هذه القضايا. وخاصة الثورة البيولوجية وكيفية تطويعها لخدمة الفقراء. وأيضا قمت بتشكيل مجموعة البنك الدولي الخاصة بالمحاصيل الناجمة عن الهندسة الوراثية ويرأسها هنري كندال الحاصل على جائزة نوبل كما عملت بصورة وثيقة مع مؤسسة أمريكا الشمالية للعالم الثالث واكاديمية العالم الثالث للعلوم في ايطاليا والأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا وغيرها بهدف التوصل إلى سبل لبناء القدرات العلمية في الدول النامية. وبدعم من اليونسكو تمكنت من تشكيل مجموعة من العلماء المتميزين في العالم بهدف الدراسة المتعمقة لكل من الأمان البيولوجي والأخلاق التي تحكم البيولوجيا وفي اطار المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية طرحت سلسلة من الجوائز غرضها الاعتراف بالانجازات العلمية للعلماء الشبان خاصة هؤلاء الذين تتم اعمالهم في اطار التعاون بين الشمال والجنوب. هل تركت العمارة وهي مجال تخصصك الأساسي وتفرغت لقضايا التربية والعمل والفقر؟ ـ لم أترك العمارة وطوال مشواري كنت أتابع بالقراءة والكتابة والمحاضرات والنقد وكنت عضوا لثلاث مدد للجنة العليا لجائزة أغا خان المعمارية كما كنت رئيسا لمدتين للمحكمين لهذه الجائزة. ونشرت العديد من البحوث عن العمارة في موسوعات باللغات العربية والانجليزية والفرنسية وتتمتعت كتاباتي حول البيئة بسمعة دولية راقية مما دفع إلى الاعتراف بي كواحد ممن ساهموا بفعالية في خلق منبر فكري عالمي نمت في اطاره فكرة ان أفضل اشكال المعمار هي تلك التي تراعي عدة مسائل مثل الأيكولوجي والجمال والظروف الاجتماعية والتنمية والميراث الثقافي والترميم. الفقراء لك اهتمام خاص بقضية الفقر والفقراء, ما هي اسهاماتك في هذا المجال؟ ـ مع التطور الحادث في العالم, هناك انفصام في المجتمعات ما بين الفقراء والأغنياء, بين الصفوة القليلة التي تسيطر على المفاتيح التجارية العالمية وبين الأغلبية التي لا تسيطر ولا تملك شيئا. هذه الظاهرة موجودة بين الدول وبعضها, وموجودة داخل الدول والفجوة بين الدول الغنية والفقيرة تزداد كما تزداد داخل الدولة بين الفقراء والأغنياء وهذا سيحدث ضغوطا كبيرة على مفاهيم المواطنة والمشاركة وحقوق الانسان. كيف نتصور ان العالم احتفل في 8 ديسمبر الماضي بالعيد الخمسين لاعلان حقوق الانسان بينما يوجد 800 مليون جائع في العالم في الوقت الذي تبلغ فيه ثروة 3 أشخاص فقط ما يعادل أو يزيد عن الدخل القومي لـ 48 دولة في العالم. وقد اعترضت على قرارات مؤتمر مكافحة الجوع بروما لأنها أكدت انها ستقلل عدد الجائعين إلى النصف في خلال 20 عاما, إذ كيف أقبل على انسانيتي ان يكون الهدف من خلال هذه السنوات ان يظل موجودا على الأرض 400 مليون جائع ثم نقول نجحنا, لابل يجب ان تلغى فكرة الجوع تماما من العالم. والحقيقة ان قضية الارتقاء بالفقراء والمهمشين اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا هي شغلي الشاغل وقد الفت كتابا عن (الفقر والفقراء) وتم ترجمته إلى العربية, وقد أسست ورأست المجموعة الاستشارية لمساعدة أفقر الفقراء وهي تمثل جهدا كبيرا لزيادة الموارد من قبل المانحين بقصد تطوير أفضل طرق استخدام التمويل ذات الحجم الصغير وبهدف زيادة نجاح المؤسسات الرائدة في هذا الشأن وانتعشت هذه المجموعة بحكم تأثير بعض الممارسين المتميزين مثل الدكتور محمد يونس في بنجلاديش والذي أسس بنك الفقراء (جرامين) ويعد مساهمة هامة في مقاومة الفقر والجوع. وقد نمت هذه المجموعة من خلال مبادرات أخرى قمت بها منها المؤتمرات العالمية للعمل على الحد من الجوع عام 93 وبصفتي الشخصية كنت عضوا في اللجنة المنظمة لقمة القروض الصغيرة وعقدت عام 97 واثمرت عن حركة شعبية تقضي بضرورة تقديم قروض لأكثر من مائة من أفقر الأسر في العالم خاصة المرأة وتستهدف هذه القروض تحقيق العمالة الذاتية والتوصل إلى خدمات مالية ومهنية بحلول عام 2005, وأتولى الآن متابعة نتائج القمة بما في ذلك عقد اجتماعات مثل انعقاد اجتماع للقروض الصغيرة في نيويورك عام 97 وشارك فيه أكثر من ألف مشارك يمثلون أكثر من 70 دولة. قضايا المياه لك اسهامات أيضا في قضية المياه, وتعبئة الموارد, ماذا عنها؟ ـ دعوت إلى انشاء المشاركة الدولية للمياه وصرت أول رئيس لها بصفتي الشخصية وأنا من الأعضاء المؤسسين لمجلس ادارة المجلس العالمي للمياه وتم تعييني مؤخرا رئيسا للجنة العالمية للمياه للقرن الواحد والعشرين والتي نظمها المجلس الدولي للمياه وترعاها كل من اليونسكو والفاو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الاقتصادي والبنك الدولي وغيرها. وستقوم هذه الجماعة المتميزة باعداد تقاريرها بخصوص القضايا طويلة الأجل المتصلة بالمياه في القرن الواحد والعشرين في 22 مارس عام 2000. وفي مجال الموارد نجحت في تعبئة الموارد من أجل البرامج العلمية والتعليمية والثقافية ومن الانجازات في هذا الشأن اقناع الولايات المتحدة بالمشاركة الفعالة في اعادة احياء المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية والتي كانت قد قللت من مساندتها للمجموعة بصورة كبيرة عام 93 وصارت الآن ثاني أكبر مساهم في ميزانية المجموعة بعد البنك الدولي. ... وثيقة ترشيح عالمية لماذا فكرت في الترشيح لرئاسة اليونسكو؟ ــ توليت لأكثر من 27 عاما مواقع تتصل باهتمامات اليونسكو وكنت أتولى التنسيق بين البنك الدولي واليونسكو في مجالات الثقافة والتنمية والحفاظ على التراث والهوية الحضارية. والمناصب الدولية التي تحدثت عنها في مجالات عديدة تتضافر مع خبرة الادارة في منظمات دولية وكذلك خبرة كيفية تمويل برامج دولية وهذا يجعلني مرشحا مناسبا لهذا المنصب. هناك وثيقة وقعها عدد كبير من الحاصلين على جوائز نوبل وغيرهم من العلماء والمفكرين البارزين في العالم, ما قصة هذه الوثيقة وكم عدد الذين وقعوا عليها حتى الآن؟ ــ عندما تحدثت عن رغبتي في الترشيح لليونسكو وجدت ترحيبا وتشجيعا من كثيرين وكانت هناك رغبة ان أكون أول مرشح للمجتمع المدني الدولي بصورة حقيقية وحتى الآن الذي التف حولي هو المجتمع المدني والمثقفون من العالم كله, وتم الاعلان عن وثيقة التأييد في 25 يناير الماضي ووقع عليها في ذلك الوقت 140 شخصية عالمية بينهم 18 من الحاصلين على جائزة نوبل في مختلف فروعها منهم كاتبنا الكبير نجيب محفوظ. والوثيقة تتغير مع مرور الوقت فقد بلغ عدد الموقعين عليها الآن 200 شخصية عالمية وزاد عدد الحاصلين على نوبل والموقعين 32 وستجد ان عددهم في الوثيقة 31 أما رقم 32 فهو صديقي (أمارتي ياسن) الحاصل على نوبل في الاقتصاد العام الماضي وهو لم يوقع الوثيقة لأن له مبدأ يسير عليه في حياته وهو عدم التوقيع على وثائق مشتركة مع أي شخص في أي قضية ولذلك كتب خطاب تأييد فردي أكد فيه انه يشارك الموقعين على الوثيقة في كل آرائهم حول اسماعيل سراج الدين. ولم يكن الأمر مجرد اعلان عن ترشيح انما هي حركة مستمرة وتنمو كل يوم. ما هو أبرز ما في هذه الوثيقة؟ ــ الشخصيات الموقعة عليها تؤكد ان الدكتور اسماعيل سراج الدين هو أكثر الشخصيات ملاءمة لقيادة اليونسكو إلى القرن المقبل وتناشد المسؤولين عن انتخاب الأمين العام الجديد لليونسكو ان يقدموا دعمهم ومساندتهم وتأييدهم لترشيح اسماعيل سراج الدين مديرا عاما لليونسكو. وقال أيضا انهم وجدوا في شخصي قائد ذا رؤية في ميدان التنمية والتي تغطي العديد من اهتمامات الأسرة الدولية ومديرا متميزا ناجحا وحجة في العديد من المجالات ومن ذوي المعرفة المتعمقة في أهم قضايا الساعة ويتميز بقدرة فائقة على توصيل الأفكار ويملك صوتا متحمسا وبليغا في مناهضة الفقر واحترام حقوق الانسان وكرامته وصيانة حقوق المرأة وتمكينها والحفاظ على الثقافة الانسانية وحماية البىئة والارتقاء بالعمل والتعليم وهذه الخصال تتناغم بقوة مع رسالة وهدف اليونسكو. من هم أهم وأبرز الموقعين على الوثيقة؟ ــ كلهم أشخاص بارزون ومن الحاصلين على نوبل منهم محفوظ وجان ديست من فرنسا, وبيتر دورتي ـ استراليا, وكينيث أرو ـ أمريكا, وجوس دافوس ـ البرتغال, وول سونيكا ــ نيجيريا, وامارتي ياسن بجانب د. بطرس غالي أمين عام المنظمة الفرانكوفونية والأمين العام السابق للأمم المتحدة والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل و د. ميلاد حنا ود. أحمد كمال أبو المجد, ود. أسامة الباز والفنان حسين فهمي والدكتور سعد الدين ابراهيم, ود. علي الدين هلال, ود. ليلى تكلا والمرحوم لطفي الخولي والأخضر الابراهيمي وكلوفيس مقصود ومحمد يونس وابراهيم شحاتة وفاروق الباز وغيرهم من العرب والأجانب. مرشح عربي آخر ألا يعتبر وجود مرشحين عربيين اضعاف لفرص كل واحد منهما ويمكن ان يضيع هذا المنصب المهم منهما لصالح الياباني؟ ــ يجب ان ننظر إلى القضية الأساسية وهي ان المنظمة تحتاج لقيادة تتمشى مع المرحلة الجديدة في الألفية الثالثة, وكل قائد لها قام بدوره, ود. غازي القصبي المرشح السعودي صديق وأحترمه وأقدره كمفكر وشاعر وقرأت له أشياء كثيرة كما نتبادل الكتب ولكل واحد منا خليفته وعملية الترشيح بشكل عام لا يمكن ان تفسد للود قضية. وفي اكتوبر وفبراير المقبلين فإن كل الدول الأعضاء ستقوم بعملية تقييم لخلفيات المرشحين لاختيار ما تراه مناسبا, والذي يساندني في هذه المسيرة هو هذا العدد الهائل من الشخصيات العالمية وأنا سعيد بأن ما غرسته مصر وكذلك أهلي من قيم بداخلي أجد مردوده الآن. المؤكد ان حكومتي المرشحين الآخرين ستقومان بتربيطات وحشد تأييد حكومي دولي وراء مرشحها للفوز .. ألا يقلقك ذلك خاصة وان الحكومة المصرية تقف على الحياد فهي ليست معك ولا ضدك؟ ـ اتفق معك في انه في النهاية تلعب التربيطات والحكومات والكواليس دورها انما هناك أيضا رأي عام يمكنه ان يفرض ما يريده, والرأي العام له وزن كبير وان لم يكن له وزن في مؤسسة مثل اليونسكو فأين سيكون له هذا الوزن, وان لم يكن رأي المثقفين له وزن في اختيار هذا المنصب فأين سيكون هذا الوزن. أتصور ان المثقفين والمجتمع المدني والمهتمين بقضايا الثقافة والعولمة والكرامة الانسانية وحقوق المرأة وحقوق الانسان والتنمية مسؤولون أمام أنفسهم عن اختيار الشخص المناسب حتى تقوم هذه المؤسسة بدورها وحتى نحقق أحلامنا في الألفية الجديدة. ولعلنا نتذكر ان الذي جعل (مايور) يفوز أمام المرشحين المنافسين لم يكن مؤسسة أو منظمة وانما كان انفجار مثقفة فرنسية اسمها (جزيل) , ففي التصويت النهائي كان (أحمد مختار رامبو) حاصل على 22 صوتا وهو مرشح افريقي و يعقوب خان (الباكستاني على 18 صوتا ومايور الأسباني على 3 أصوات فقط. وقفت هذه المثقفة الفرنسية وقالت لدي تعليمات من حكومتي بالتصويت لصالح مرشح باكستان, ولكني اعترض عليه لأن دستور اليونسكو مبني على اساس السلام وهذا المرشح رجل عسكري قضى حياته في الحروب ثم أصبح سفيرا وأرفض ان أصوت دون رضا وأدعو الآخرين لممارسة حقهم الانساني, وأعلنت استقلالها من وفد بلادها وأثار ذلك ضجة كبيرة وانهارت ترشيحات يعقوب خان وتحولت كل الأصوات إلى (مايور) الذي لم يكن في البداية معه إلا 3 أصوات فقط. البنك أمام اليونسكو أليس منصبك في البنك الدولي أفضل مما تسعى إليه في اليونسكو؟ ــ البعض يقول لي انت تعمل في البنك الدولي وتتحرك في اطار ميزانية تتراوح بين 20 و 30 مليار جنيه سنويا للمشروعات.. هل تترك ذلك وتذهب لليونسكو التي لا تزيد ميزانيتها عن 220 مليون دولار سنويا, فماذا ستفعل في اليونسكو؟ اذن هذا الكلام قريب من سؤالك, لكني أذكر الناس بمثل يلفت انتباهي دائما وهو ان الفرق بين التكوين الجيني بين الانسان والقرد أقل من 1.8% اذن ما يجعل الانسان انسان, والحيوان حيوان وكل ما أنتجه الانسان من فكر هو في الـ 1.8%. ولذلك فإن تصوري انه بالنسبة للمؤسسات الدولية .. والمؤسسات القومية هو كيف يمكن ان تصنع نفسها بحيث ما تفعله يعادل الـ 1.8 وليس جزءا من النسبة المتبقية وهي 98.2% . ولذلك فالتحديات التي تواجه اليونسكو تجعلها حتما تتحول من برامج تعاون فني إلى تحديد التحديات الحقيقية والنقط الحساسة حتى تحدث التأثير المطلوب في اطار الـ 1.8% التي تسببت في كل هذه الفروق بين الانسان والقرد. العرب والعولمة كيف يمكن لنا كعرب ومسلمين ان نكون جزءاً من العولمة وفي نفس الوقت نحافظ على هويتنا وشخصيتنا؟ ــ يجب ألا نخاف من العولمة وان يكون عندنا ثقة في أنفسنا لأن حضارتنا عريقة وذاتيتنا قوية وهويتنا لن تضيع بمجرد مشاهدة فيلم أمريكي أو قراءة كتاب أجنبي, بالعكس لدينا اللبنة الخاصة بنا التي لابد ان نضعها في الصرح الجديد للثقافة في الألفية الجديدة. وأتصور انه لا جدوى من الحديث عن الانعزال عن تيار العولمة بل يمكننا ان نخوض فيه متمكنين من الادوات المعاصرة سواء من العلم والثقافة وفي ميدان الاقتصاد والانتاج. وعلى كل واحد منا ان ينقل هذا الفكر في عمله اليومي في المجتمع وفي تعاملاته وبدون ذلك فالهوة بين الأغنياء والفقراء ستزداد, والهوة بين المتعلمين وبين المحرومين منه ستزداد أيضا, والاشراقة الممكنة التي يمكن ان نراها في بداية الألفية ستكون مجرد سراب وستواجه الأغلبية العظمى من الانسانية المزيد من الفقر والضعف بينما يستمر عدد قليل من الناس في ثراء فاحش. وأوكد مرة أخرى على عدم الخوف من العولمة وسأذكر هنا اعتبارين الأول تاريخي والثاني من واقع قصة حدثت في الصين للتأكيد علي عدم الخوف, الاعتبار الأول هو كيفية تعامل المسلمين في القرن السابع الميلادي ـ الأول الهجري ــ مع الحضارة والفكر الاغريقي لم يتهموا الاغريق بالكفر والالحاد ولم يحرقوا كتبهم انما ترجموها للغة العربية ودرسوها جيدا وأخذوا منها أشياء وتركوا أشياء, وهذا هو التعامل مع الآخر بثقة فلم يقولوا ان التعامل معه سيضيع هويتنا العربية والإسلامية, بل أثرى المسلمون في هذه الفترة العالم بما قدموه من حضارة وفكر وهو الذي قام عليه بعد ذلك عصر النهضة في أوروبا. الاعتبار الثاني الذي أخذته من الصين التي زرتها لأول مرة عام 1978, لم يكن فيها في هذا الوقت مظاهر الحياة الاستهلاكية الأمريكية مثل شركات الكوكاكولا و (الماكدونالدز) و (كوداك) وغيرها وعام 81 سافرت إلي الصين مرة ثانية فوجدت هذه المظاهر الأمريكية منتشرة ووجدت الناس يطلقون على ذلك (تأمرك الصين) ! وكان تعليقي ان الأمريكيين يأكلون الطعام الصيني من 2000 عام ولم يتحدث أحد عن ان أمريكا ستتحول إلى صين جديدة ولأن الأمريكيين ليس لديهم هذه العقدة بل لديهم شعور بالثقة في الذات تماما مثل المسلمين في القرن الأول الهجري كان لديهم هذه الثقة لذلك تفاعلوا مع الحضارات بانفتاح فكري وحضاري. الروح والمادة كيف يحدث توازن بين القيم الروحية والمادية في ظل العولمة؟ ــ الاديان لها دور كبير جدا في حياة الشعوب وأي محاولة لطمسها تواجه بفشل ذريع, وعقب سقوط الاتحاد السوفييتي وبعد 70 عاما من قهر الكنيسة ظهرت هذه الكنيسة كأقوى المؤسسات المدنية, فهناك حقيقة هي ان الانسان ليس مجرد جزء مادي وانما يجب ان يفكر كشخص ويتفاعل مع هذا الفكر مع آخرين وجزء من علاقاته الانسانية هي مفاهيم أخلاقية وكلها مغروسة في قيم روحية. حتى عندما نجسد هذه القيم بمفاهيم توصف بأنها علمانية مثل الاعلان الدولي لحقوق الانسان, فهذا المفهوم مستنبط من قيم روحية مقبولة وهي ان الانسان يرفض استعباد الآخرين وخدش كرامتهم وكل ما يمثل اهانة لهم. ومن ثم فالقيم الروحية تستمر مهما كانت قوة الحكومات أو الاسواق لان العلاقة الانسانية تقتضي القيم الروحية مع المعاملات المادية. هيمنة الثقافة هل ستبقى ثقافات الغرب هي المهيمنة على ثقافات الدول النامية, وكيف يحدث التعامل بين الثقافات دون طمس معالم الثقافة الاضعف؟ ــ الثقافة المهيمنة لن تظل كذلك, هي مهيمنة الان, لكن لن تظل على هذه الحال في المستقبل, في الماضي كانت لغة العلم اما فرعونية أو صينية, ثم كانت اغريقية, وايضا لاتينية, وعربية, واليوم لغة العلم هي الانجليزية. والتطوير الذي حدث من اللاتينية إلى اللغات الاوروبية الحديثة ثم بالمثقفين وادى إلى التعددية الذاتية الموجودة في المجتمعات الغربية الان. ولعلك تلاحظ انه في احد جوانب العولمة يحدث ما يشبه التوحيد وغلبة العموميات على المجتمعات لكن في الجانب الثاني يحدث شعور بالتأكيد على الذاتيات المختلفة حتى التي كانت مطموسة ايام الحرب الباردة تظهر الان ولديك نماذج عديدة مثل التشيك والسلوفاك وفي يوغسلافيا التي تفككت إلى صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو. ولو تريد نموذجا واضحا على التعددية الثقافية فهي سويسرا فهي مثل تجربة المعمل لديها لغة المانية وايطالية وفرنسية ولغة رابعة يتحدث بها 50 الف فقط من السكان, وكل فئة لغوية تعتز بذاتيتها جدا وفي نفس الوقت فانهم يتعاونون ويديرون شؤونهم الدولية والمالية مع بعض, ولا تشعر برغبة من يتحدثون الالمانية الانفصال عن سويسرا والانضمام لالمانيا ونفس الامر بالنسبة لمن يتحدثون الفرنسية والايطالية لانهم لديهم الشعور بالذاتية السويسرية بجانب الذاتية المحلية. وهذا النموذج الممتاز لتعايش وتعدد الثقافات يتم بنائه كنموذج كبير الان في اوروبا ويظهر في فكرة تحول السوق الاوروبية من مجرد سوق صغيرة إلى مجتمع كبير, وفي الوقت نفسه فهذا النموذج مختلف تماما عن النموذج الامريكي وعن النماذج التي كانت موجودة في المجتمعات السابقة مثل فرنسا والمانيا وانجلترا والتي تمت فيها الوحدة بالسيف واللغة, والذي يحدث في اوروبا ان كل شعب يحتفظ بذاتيته ويتم الاعتراف بها اي يبقى الالماني الماني والفرنسي والايطالي وهكذا ولكن ايضا الجميع في النهاية مثل سويسرا هناك الذاتية الاوروبية والشخصية والهوية الاوروبية, وهذه الهوية بدأت تتجسد في (اليورو) كعملة موحدة وفي سوق مشتركة وتوحيد قيم معينة مثل التشريعات, وبهذا التصور يمكن الا تضيع الهوية. واعتقد ان حكومات الدول النامية لا يمكن ان تحمي شعوبها من هذا التيار الجارف فهي ستكون مضطرة في العالم كله لاعادة تقييم دورها باعتبارها جزءا من البناء العالمي كله فهو الجزء الاساسي من البناء لكن دورها لابد أن يتغير لان المحك في العولمة ليس قدرتك على حماية هذا الدور, ولكن بكيفية قدرتك على مساعدة كل شخصية في ان تقوم بعملها وانتاجها وان يتم الاعتزاز بهذا التنوع الثقافي والحضاري وهذا المعنى كان مضمون تقرير مهم لليونسكو بعنوان (الاعتزاز بتعددية الثقافات) شارك في اعداده د. ليلى تكلا من مصر واشرف على التقرير بيريزدي تويلا كويلار السكرتير الاسبق للامم المتحدة. تشابك اقتصادي معلوماتي ما هي ابرز شواهد العولمة الآن؟ ــ من ابرز شواهد العولمة سرعة التغير, العلم والاكتشافات الجديدة تتغير بسرعة رهيبة, وكم المعلومات وتشابك الاقتصاديات العالمية وصلت لدرجة هائلة. والتشابك الاقتصادي وثورة المعلومات مرتبطان ببعضها حيث لم يكن يحدث هذا الترابط الاقتصادي في اسواق المال العالمية بدون وجود اجهزة الكمبيوتر والاتصالات الفورية. ويوميا يتم التعامل بين بورصات لندن وطوكيو ونيويورك وغيرها والتي تعمل على مدار 24 ساعة, يتم التعامل في حدود 1400 مليار دولار وهذا الرقم يكفي لبيع وشراء الناتج القومي الامريكي كله في اسبوع أو مليار دولار في الدقيقة أو 50 مليون جنيه كل ثانية. هذه المبالغ الهائلة تتحرك من مكان لآخر في لمح البصر, تنتقل من طوكيو إلى نيويورك من خلال (زر) في الكمبيوتر, وبالتالي حدث انفصام ما بين رأس المال والاستثمار الحقيقي بينما حدث توحيد لمفاهيم التعاملات التجارية الدولية وأي نظام لا يوافق على المشاركة في هذه المفاهيم في التجارة فان مصيره يكون التهميش. وذلك اعطى فرصا للدول الصغيرة فلا حاجة لسوق محلي كبير ولا حاجة لمدخرات محلية كبيرة, صاحب الفكرة يمكنه ان يحصل على التمويل من اي مكان ويمكن ان يبيع في اي مكان وثمن ذلك منافسة شرسة لا تعرف الرحمة. وماذا عن ثورة الاتصالات؟ ــ الاقمار الصناعية والكمبيوتر والتليفونات المحمولة ساهمت في ربط العالم والغت المسافات واستخدام الانترنت يتوسع يوميا والمراسلات التي تتم عن طريقه تزداد وبمعدل 10% شهريا في الحجم والكم, والتجارة على الانترنت مقدر لها ان تصل إلى 5% من حجم التجارة العالمية في العقد الاول من القرن الجديد اي انه بعد سنوات قليلة سيكون حجم هذه التجارة نحو 3 الاف مليار دولار سنويا. وانا واحد من كثيرين يقومون بشراء الكتب الان من خلال الانترنت ونجد ان اكثر من 2 مليون عنوان موجود على الانترنت. اذن توافر المعلومات اصبح متاحا للجميع الان ولكن المعلومات الكثيرة جعلت من الصعب على الانسان الحصول على ما يريده منها, وبالتالي ستكون هناك انواع جديدة من العلاقات في اوائل القرن الجديد لم تكن موجودة من قبل. عولمة الثقافة .. هل هذا واقع جديد نعيشه الان؟ ــ قضية التفاعل مع الثقافات الاخرى جزء لا يتجزأ من الواقع الذي نعيشه واتصور انه حدث في الثقافة نوع من العولمة وهي ان بعض القيم الحضارية والانسانية اصبحت جزءا من حضارة العالم ومن اراد ان يكون مشاركا في هذا الامر لابد ان يتفاعل مع هذه القيم التي هي مرتبطة اساسا بمفهوم الحرية وحقوق الانسان, وكذلك من معالم ثقافة الالفية الجديدة هي بروز حق المواطنة اي المشاركة في صنع القرار الذي يؤثر على الفرد واتساع هذه الظاهرة في كل مكان والانفتاح الثقافي بين الحضارات وثقافة العلم. القاهرة ــ طه خليفة

طباعة Email