يعكس استخدام حكومة بيل كلينتون التقريبي لتعبير (الابادة) وتهديداتها المبطنة بتشجيع استقلال كوسوفو حرج البيت الابيض في تفسير اهداف عملية القوات الحليفة العسكرية . ومنذ ان كثفت القوات الصربية عمليات التطهير العرقي كرد انتقامي على قصف الحلفاء اتهم المسؤولون الامريكيون بلا تمييز بلجراد بارتكاب (فظائع) و(جرائم حرب) و(جرائم ضد الانسانية) بل (ابادة محتملة) مثلما فعل البيت الابيض الثلاثاء الماضي. وذهب المتحدث باسم وزارة الخارجية جيمس روبن الى ابعد من ذلك حين قال ان (هناك دلائل على ان ابادة تدور في كوسوفو) . لكن منظمات الدفاع عن حقوق الانسان لم تصل الى هذا بسبب نقص الشهادات المباشرة والمستقلة. وقال فريد ابراهامز من هيومان رايتس ووتش (اننا لم نسم هذا ابادة. الجميع يتحدث عن ذلك لكن احدا لم يره بعينيه) . واوضح جاري ديمبسي من معهد (كاتو انستتيوت) المحافظ ان (الحكومة الامريكية تجد صعوبة في نيل تأييد الرأي العام الامريكي لهذه العملية. والضعف في سياستها يدفعها الى استخدام اقوى التعابير) . لكن روبن يرفض في الوقت نفسه القول ان التطهير العرقي في كوسوفو يتطابق مع (التعريف الرسمي للابادة) في القانون الدولي. فالاقرار رسميا بحصول ابادة يجبر الحلفاء في الواقع على فعل كل شىء (لمنعها ومعاقبة المسؤولين) بموجب نص معاهدة العام 1948 حول الابادة التي وقعوها, اي في الواقع العملي نشر قوات برية. وفي الوقت نفسه, فان توجيه محكمة الجزاء الدولية الاتهام الى سلوبودان ميلوسيفيتش بارتكاب (جرائم حرب) يعني ان الامريكيين سيفعلون ما بوسعهم لجعله يمثل امام القضاء في لاهاي. غير ان عشرات الالاف من جنود الحلفاء المنتشرين منذ ثلاث سنوات في البوسنة لم يستطيعوا اعتقال زعيمي صرب البوسنة اللذين وجهت اليهما محكمة الجزاء الدولية الاتهام: رادوفان كرادجيتش وراتكو ملاديتش. وقال بيل كلينتون الثلاثاء ان ميلوسيفيتش قد يخسر كوسوفو اذا واصل تعنته لان (الدعم الدولي لمطالب صربيا في الاقليم يتقلص باطراد) . لكن جيمس روبن اوضح على الفور ان (موقف (واشنطن) من استقلال كوسوفو لم يتغير) : نعم لحكم ذاتي واسع للاقليم ينص عليه مشروع اتفاق رامبوييه (فرنسا) ولا للاستقلال الذي قد يوفر ذرائع لمجموعات عرقية اخرى في البلقان. وتجنب روبن ايضا مسألة (تغيير النظام) في بلجراد, في حين تجهد الولايات المتحدة الى الاطاحة بالعدو الاخر الرئيس العراقي صدام حسين. وفي كلمة وجهها الى السكان الصرب الجمعة الماضي, حمل كلينتون ميلوسيفيتش المسؤولية الكاملة للنزاع ودعا (جميع الصرب وجميع السكان الحسني النوايا الى الانضمام الينا في البحث عن نهاية لهذا النزاع غير المجدي) . ويعترف وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر بان تدخل حلف شمال الاطلسي وجه رصاصة الرحمة الى خطة التسوية التي قدمت في رامبوييه, على الاقل في شكلها الحاضر. لكن المسؤولين الامريكيين لا يزالون يرفضون اعلان موتها, مفضلين افراغها من مضمونها على دفعات. وبعدما اكدوا ان عملية الحلف الاطلسي تهدف الى اجبار بلجراد على توقيع الاتفاق, عادوا فطلبوا من ميلوسيفيتش الموافقة على (خطوطه العريضة) ثم مجرد الموافقة على (تسوية سياسية تستند الى الاتفاق) . ويؤكد كيسنجر لمجلة (نيوزويك) ان هذا الضياع اللغوي يترافق مع تلاعب بالوقائع. واوضح ان كلينتون لا يتردد من اجل اقناع مواطنيه في اعادة صياغة التاريخ واقامة مقارنات (مشبوهة جدا) . وذكر بان (الحرب العالمية الثانية لم تبدأ في البلقان, وايضا ليس بسبب نزاعات عرقية) وبان ميلوسيفيتش ليس هتلر لانه (ليس قادرا على تهديد التوازن الدولي) . ــ أ.ف.ب