لاشك ان قضية الجولان تعتبر من القضايا الهامة والجوهرية بالنسبة لأي تحركات أو جهود تبذل في اطار مساعي التسوية في المنطقة, فلا سبيل الى وجود عملية تسوية شاملة واستقراء في المنطقة دون حل هذه القضية والوصول الى صيغة ترضي الجانب السوري والذي لن يرضى غالبا الا بعودة كل أراضيه المحتلة في الجولان , وإذا كانت سوريا قد قطعت شوطا كبيرا من التفاوض مع الحكومة الاسرائيلية السابقة بقيادة حزب العمل, الا ان هذه المفاوضات قد توقفت بمجرد مجيء حكومة حزب الليكود عام 1996 بقيادة نتانياهو, والذي رأى ان يتم التفاوض من نقطة البداية وليس من النقطة التي توقفت عندها المفاوضات مع حزب العمل وحدث الخلاف بين الطرفين وتجمدت المفاوضات, ومؤخرا زار المبعوث الأمريكي مارتن أنديك مسؤول ملف الشرق الأوسط سوريا ومعه عاد الحديث عن امكانية عودة التفاوض ومعه أيضا عادت التساؤلات والتكهنات حول الدور الذي يمكن ان تلعبه الولايات المتحدة بالنسبة لدفع عملية التفاوض, والمطلوب من الدول العربية مساندة الطرف السوري فيما يتعلق بهذه القضية, وطبيعة الاستراتيجية السورية للتعامل معها, وموقف الأحزاب الاسرائيلية منها, وارتباطها بما يحدث في الجنوب اللبناني. استراتيجية ثابتة من وجهة نظر الخبير الاستراتيجي الدكتور هيثم الكيلاني ان الاستراتيجية السورية فيما يتعلق بالجولان ثابتة وتبنى على مبدأ التحرير الكامل لأرض الجولان وماتم احتلاله في حرب 1967 هذا المبدأ ظل يتحكم في السياسة السورية طوال الفترة من حرب يونيو 67, وحتى الان مرورا بحرب اكتوبر 1973, وما تلا ذلك من مساع للتسوية السلمية التي يدخل في اطارها مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي, سوريا لم تخرج قط عن هذا المبدأ سلما او حربا او ما بينهما, رغم كل الصعوبات التي ظهرت, او التي يمكن ان تظهر في سبيل التحرير الكامل للاراضي المحتلة. ولابد هنا من الاشارة الى المساعي الحثيثة التي قادتها سوريا في بداية مؤتمر مدريد في اكتوبر من اجل توحيد الصف العربي لمواجهة الجانب الاسرائيلي في عملية التفاوض, ولتمكينه من الانطلاق من قرارات الشرعية الدولية ومن مبدأ مقايضة الارض مقابل السلام بذلت سوريا كل الجهود الممكنة ولكن لم يكن ممكنا ان تبقى كلمة الصف العربي واحدة, وتم تنفيذ ما سعت اليه اسرائيل والولايات المتحدة من تقسيم عملية التفاوض الى مسارات ثنائية اضافة الى مسار جماعي تشترك فيه دول غير عربية سواء من المنطقة ذاتها او من اوروبا وغيرها من دول العالم : هذا الشعور بالثبات في مبدأ تحرير ارض الجولان في الاستراتيجية السياسية والعسكرية السورية هو امر تعرفه تماما الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وقد اكدته القيادة السياسية السورية اثناء عملية التفاوض التي اوقفتها اسرائيل في فبراير عام 96 وأرادت حكومة حزب الليكود ان تبدأ المفاوضات من نقطة البداية وليس من النقطة التي توقفت عندها مع حزب العمل, وهو ما رفضته سوريا ورأت فيه ان اسرائيل تماطل وتسعى لكسب الوقت للحصول على اقصى المكاسب من وراء احتلال ارض الجولان والسيطرة على المياه هناك. تسوية سلمية واوضح الدكتور هيثم الكيلاني ان تلازم المسارين السوري واللبناني فيما يتعلق بأية تسوية سلمية في المنطقة هو تلازم عضوي كالأواني المستطرقة بحيث لايمكن الحديث عن احدهما الا من خلال ربطه بالاخر ذلك ان الامتداد الجغرافي للجبهة الشمالية مع اسرائيل تشمل حدود لبنان, وحدود سوريا مع اسرائيل كما ان الامتداد الجغرافي لهذه الارض يؤكد وحدة العمل العسكري على امتداد هذين البلدين المتجاورين اضافة الى العوامل الاخرى مثل العامل القومي الذي يربط بين الشقيقين اللبناني والسوري او الاقتصادي الذي يجعل اقتصاد البلدين متشكابا او المائي وغيره من العوامل الاخرى الكثيرة كما لابد ان نشير هنا الى وحدة الحدود بين البلدين فيما يتعلق بشمال فلسطين وهي وحدة لايمكن تجزئتها من حيث العمل العسكري, واعتقد ان حرب 1948 وهي الحرب الوحيدة التي شاركت فيها لبنان تؤكد هذا الواقع فقد كانت الخطة الاولية التي وضعتها القيادة العسكرية الموحدة تقوم على دخول الجيش السوري الى شمال فلسطين من الحدود اللبنانية ولكن الملك عبدالله حينما تولى قيادة الجيوش قبل ايام قليلة من بدء الحرب غير الخطة وجعل كل جيش يدخل من حدود بلاده ومن هنا نستطيع ان نقول ان الوحدة الجغرافية بين حدود لبنان وسوريا مع فلسطين يؤكدها المفهوم الخاص بالعمل العسكري دون النظر الى اي عوامل اخرى ومن هنا ايضا نستطيع ان نقول ان تلازم المسارين السوري واللبناني تجاه اسرائيل هو تلازم عضوي لانه ينطبق على جزئين من الاراضي المحتلة هما الجنوب اللبناني والجولان السورية ولذا اصبح من الطبيعي ان ينعكس كل عمل عسكري في احدهما على الاخر سواء كان عدوانا اسرائيليا او عمل مقاومة وطنية او فكرة انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني سواء كان هذا الانسحاب جزئيا ام كليا. وعن موقف الاحزاب الكبرى في اسرائيل من قضية الجولان يقول الدكتور هيثم الكيلاني اذا تتبعنا الحملة الانتخابية الاسرائيلية التي جرت في صيف 1996 ثم الحملة التي تجري حاليا, ونظرنا الى البيانات والخطب والوعود التي ادلى بها الحزبان الكبيران الليكود والعمل تبين لنا ان هدف بقاء الاحتلال في الاراضي العربية المحتلة سواء الاراضي الفلسطينية او اللبنانية او السورية يشكل القاسم المشترك بين الحزبين والاختلاف الذي يظهر في شأن بعض المواقع او المفاهيم انما هو اختلاف تكتيكي وليس استراتيجيا وكل ما في الامر ان حزب العمل بقيادة بيريز سابقا وباراك حاليا يهدف ان يحصل من عملية التسوية على صياغة منطقة أمنية اقتصادية تشمل الدول العربية واسرائيل وتركيا, وغير ذلك من الدول ان امكن, ومن خلال رغبة حزب العمل ان يسيطر على مقدرات هذه المنطقة ليستطيع ان يفرض ارادته على الاطراف المحتلة فيضع عملية التسوية بالشكل الذي يحقق له اهدافه وهي نفسها اهداف الليكود, وان اختلفت في ان الليكود يفضل اولا الاستمرار في سياساته التوسعية الاستيطانية وحتى يحقق اهدافه ثم ينطلق منها الى صياغة المنطقة الامنية الاقتصادية الاقليمية, ولهذا نرى الليكود قد توجه الى تركيا ليقيم محورا اوليا يؤسس عليه عمليا هذه المنطقة ولكنه لن يطرح هذه المنطقة الآن ( اي المنطقة الاقتصادية الامنية) بانتظار ان يحقق اهدافه التوسعية في الاراضي المحتلة .. وهنا ينتقل الى التعاون العسكري التركي الاسرائيلي فيضيف: التعاون العسكري مابين تركيا واسرائيل تعددت فيه الاقوال فمن واصف له انه لايتعدى حدودا معينة في التعاون تشمل بعض المشروعات والصيانات لاسلحة معينة, وواصف له بانه تعاون وتحالف استراتيجي بين الدولتين .. وانا اعتقد ان الهدف من هذا التعاون هو اشعار دول المنطقة وخاصة سوريا والعراق وايران بان هناك محورا قد قام, وهو يعمل على اطر محددة اولها واهمها الاطار العسكري, وهذا المحور بقصد مجابهة احتمالات التطور التسلحي وخاصة في ايران, والى مواصلة الحصار على العراق من اجل انتهاز فرصة معينة قد يأتي وقتها وقد لا يأتي وهي ان تحتل تركيا المنطقة النفطية في الموصل وكركوك شمال العراق وهو هدف تحدثت عنه تركيا مرات عديدة ثم نامت عنه فلم تكرره في الفترة الاخيرة .. اما بالنسبة لسوريا فهدف المحور هو وضع سوريا ضمن فكي كماشة, احد الطرفين في تركيا, والآخر في اسرائيل, ولعل اول تطبيق عملي لهذا المحور فيما يتعلق بسوريا قد وضح تماما اثناء ما يسمى بازمة اوجلان في اكتوبر العام الماضي حينما هددت تركيا سوريا بانها ستشن عليها هجوما عسكريا, لقد كان لهذه الازمة مغزى ومعنى اذا نظرنا اليها في اطار المحور الاسرائيلي التركي وضمن اطار الكماشة التي تحدثت عنها. تنفيذ الشرعية الدولية وفيما يتعلق بالموقف الامريكي من قضية الجولان باعتبارها الراعي الرئيسي لعملية التسوية في المنطقة اوضح الدكتور هيثم الكيلاني انه موقف منحاز في اساسه وتطوراته الى اسرائيل, ولهذا فمن العبث ان ننشد منه بعض العدالة او الاستقامة او المنطق السليم او تنفيذ الشرعية الدولية, ولكن سوريا مازالت تأمل في ان يغير الراعي الامريكي موقفه فيميل الى الحق والى تطبيق الشرعية الدولية, وخاصة ان سوريا مازالت تنظر كذلك الى الولايات المتحدة الامريكية على انها قادرة على الضغط على الطرف الاسرائيلي من اجل ان يعود الى طاولة التفاوض في اطار مبادىء عملية التسوية الواضحة تماما والتي تعرفها الولايات المتحدة جيدا, فالمبادىء التي يستند اليها الموقف السوري هي مبادىء مستمدة من الشرعية الدولية وليس من خارجها كما تفعل اسرائيل ... اما بالنسبة للدور الذي يجب ان تقوم به جامعة الدول العربية لدعم الموقف السوري فيما يتعلق بقضية الجولان فيقول: احتلال الاراضي العربية في الجولان السوري والجنوب اللبناني هما بندان دائمان على جدول اعمال جامعة الدول العربية وتصدر بشأنهما قرارات دورية عن مجلس الجامعة ولكن هذه القرارات لا تعدوا كونها شكلا من اشكال التكرار .. اما تغيير هذه القضية ونمط العمل العربي من اجل تحرير الجنوب اللبناني والجولان السورية فهما من شؤون مؤتمرات القمة العربية كما انهما من اختصاصات مجلس الدفاع العربي المشترك, وبما ان هذا المجلس لم يجتمع قط منذ عام 1982, واعتبر كأنه غير موجود فان صاحب القرار في تغيير مفهوم العمل العربي من اجل تحرير الاراضي العربية المحتلة لابد ان يكون من خلال مؤتمرات القمة العربية. عودة الاراضي المحتلة اما الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم ففي رأيه انه لن تكون هناك تسوية سلمية في المنطقة دون عودة الاراضي العربية المحتلة ومنها الجولان, فلايوجد مسؤول سوري يستطيع ان يقدم تنازلات فيما يتعلق بالجولان لان هذا يعتبر انتحارا سياسيا .. السياسة والاستراتيجية السورية واضحة بالنسبة لقضية الجولان وهي تقوم على عدة أسس منها: المحافظة على العلاقة القوية بين الانسحاب من الجولان والصراع في لبنان فهناك قوات سورية في البقاع, وبناء القوة العسكرية السورية, والسماح لقوات حزب الله بقيادة المقاومة في الجنوب اللبناني, ودعم القوى الدفاعية السورية بالحجم الذي يشكل ضغطا على السلطات الاسرائيلية للانسحاب من الجولان, بالاضافة إلى الضغط الدبلوماسي بالتنسيق مع أطراف أخرى مثل مصر, وايران, والحصول على صواريخ بلاستيكية تستطيع ان تطول الأهداف الاسرائيلية, بهذه الضغوط ومن خلال هذه الأسس ترى سوريا انه بمرور الوقت تستطيع ان تحقق أهدافها.. وأوضح اللواء طلعت مسلم انه إذا قامت اسرائيل بانسحاب من جنوب لبنان فإن ذلك سيؤثر كثيرا على قضية الجولان وعلى الموقف لأن الحجة التي تتذرع بها المقاومة اللبنانية في مقاومة الاحتلال داخل أراضي لبنان سوف تتلاشى ويصبح أمام سوريا ولبنان إما ان تسمح بالمقاومة داخل الأراضي المحتلة في فلسطين بواسطة حزب الله, وبالتالي تتعرض لبنان لرد فعل اسرائيلي عنيف, كما سيقابل ذلك بتنديد من المجتمع الدولي, أو السماح بالمقاومة من داخل الأراضي السورية بحيث تتركز المقاومة في هضبة الجولان وهنا ستوجد صعوبة بسبب اختلاف طبيعة الأرض, أو الجمع بين الاثنين بحيث تدار المقاومة من داخل الأراضي اللبنانية والسورية ضد العدو الاسرائيلي وبالتنسيق مع عناصر المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس والجهاد , وكل من الخيارات الثلاثة السابقة يحتاج إلى تعاون مع المقاومة الفلسطينية , ونوه إلى ضرورة ان تضع سوريا في اعتبارها التحالف العسكري التركي الاسرائيلي لأنه بالتأكيد سيضعف الموقف السوري, وقد يدفعه إلى عمل تعاون مع العراق حتى تمتد الجبهة من ايران إلى سوريا على الأرض, ويستطرد: الجولان منطقة استراتيجية هامة لأنها هضبة مشرفة على المنطقة التي حولها بشكل كبير وبحيث يستطيع الذي يسيطر عليها ان يدير دفة توازن القوة لصالحه, ويستطيع ان يبني ويضع أجهزة الرادار دون عوائق ولمسافات بعيدة كما انها تشرف على موارد المياه التي تأتي من جنوب لبنان وتنزل إلى فلسطين والتي تتعمد اسرائيل حاليا سحبها, واسترداد سوريا لهضبة الجولان من المؤكد انه سيهدد اسرائيل فيما يتعلق بالمياه. المقاطعة الكاملة ويضيف اللواء طلعت مسلم ان المساعدة العربية لسوريا لاسترداد الجولان تتوقف على حسب رغبتهم فمثلا تستطيع الدول العربية تنفيذ المقاطعة الكاملة وبكل درجاتها مع اسرائيل والامتناع عن الاستمرار في أي تعاون معها حتى الانسحاب من الجولان, وكذلك تعليق العلاقات الدبلوماسية واعلان الالتزام باسترداد الجولان.. المهم استعداد الدول العربية للالتزام بذلك وتحمل الثمن الذي سينتج عن هذا الموقف وبالنسبة لموقف الأحزاب الاسرائيلية من قضية الجولان فيرى ان هناك اختلافا بسيطا ليس في الجوهر, فكلا الحزبين يرفضان الانسحاب الكامل من الجولان فمثلا يطرح حزب العمل الانسحاب من الجولان بمعنى انسحاب من أراض داخل الجولان وليس من الجولان كلها وبترتيبات أمنية, في حين يتخد الليكود موقفا أكثر تشددا وهو رفض الانسحاب النهائي منها, أما الموقف الامريكي بالنسبة للمساعدة والدعم لايجاد حل للقضية فهو يعتقد انه لم يحدث تغيير في الموقف الأمريكي الذي يقوم على أساس ترك الأطراف لتتفاوض مع بعضها البعض, وهو يعلم تماما ان موازين القوى هي التي تلعب الدور الرئيسي في حسم نتائج مثل هذه المفاوضات, ولذلك فهو حريص دائما على ان يضمن التفوق العسكري الاسرائيلي على الدول العربية, وبالتالي يضمن لها التفوق الاستراتيجي بحيث عندما يتم الجلوس إلى مائدة التفاوض تسيطر اسرائيل وتملي شروطها وتسير الأمور في صالحها, أما الموقف الأوروبي من هذه القضية فهو يتحدث عن المبادئ وما ينبغي ان يكون ولكنه في النهاية يعرف ان موقفه ليس بديلا عن موقف الولايات المتحدة. تحقيق: صالح الفتياني