هضبة الجولان ومنذ حرب يونيو 1967 وهي تحتل موقعا متقدما في كل ماتطرحه تل ابيب من مشروعات للتسوية او تتبناه الاحزاب الاسرائيلية من برامج او شعارات. فالهضبة التي تبلغ مساحتها حوالي 1700كم2 مربع تمثل حسب تعبيرعيزرا وايزمان من مشكلة امنية بالنسبة لاسرائيل , ويعد موقف المؤسسة العسكرية (حاكما) فيما يتصل بالتفاوض حول الجولان, وهي تقليديا ترفض فكرة الانسحاب من الجولان لان هذه الهضبة (تتيح للجيش الاسرائيلي فرصة للتعرف على كل مايحدث ليس فقط في سوريا وانما في كل الجبهة الشرقية) . ومبررات الاحتفاظ بالجولان تتجاوز الاعتبارات العسكرية التي تخشى تعريض اسرائيل للخطر بوضعها تحت رحمة المدفعية السورية حال تركزها بأعلى الهضبة اذا ان هناك ايضا اعتبارات منها ماهو استراتيجي يتصل بخطط التوسع والاستيطان وقد عبر عنه بدقة في اوائل السبعينات (موشي ديان) الذي طالب بضم الجولان الى اسرائيل (لتحقيق اسرائيل الكبرى التي يجب ان تمتد من مرتفعات الجولان السورية شمالا وحتى طرف شبه جزيرة سيناء جنوبا) وتعكس خطط الاستيطان الصهيوني بشكل مطرد هذا التوجه نحو الاحتفاظ بالجولان, فبالاضافة الى محاولة منح الدروز من سكان الهضبة الهوية الاسرائيلية وتجنيدهم بالجيش فقد قدمت تسهيلات فعالة (للحركة الكيبوتسية القومية) لتقسيم مستعمرتي (جاشور) و (ناتور) بالهضبة وطبقا للاحصاءات المتاحة فإن عدد المستوطنين الاسرائيليين هناك كان لايتجاوز السبعة الاف حتى الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان ولكنه اخذ يرتفع بدعم من الحكومات اليمينية ليصل الى 11.50 في عام 1991 وهو في تزايد مستمر. والى جانب ذلك فإن هضبة الجولان ينظر اليها بوصفها احد المصادر الحيوية للمياه التي يحتاجها الكيان الصهيوني, وخاصة ثلوج جبال الشيخ وماحوله من منابع وروافد نهر الاردن, وفقد السيطرة على الجولان يعني انتهاء السيطرة الصهيونية على مصادر تغذية نهر الاردن وهي: نهر الحصباني الذي يمر من الجولان (ايراده 370 مليون م3) ونبع بانياس (160 مليون م3) ونهر العاصي (250 مليون م3) ونهر بريغيت (5ملايين م3) وهي تصب في بحيرة طبرية منبع نهر الاردن والخزان الرئيسي للمياه في اسرائيل ذلك بالاضافة الى نهر اليرموك الذي ينبع من سوريا ويصل حتى نقطة التقاء الحدود السورية ـ الاردنية ـ الفلسطينية وايراده السنوي حواالي 500 مليون م3 تستغل اسرائيل منها حوالي 100 مليون م3 نتيجة احتلالها 6 كيلومترات من مجرى النهر (70 كم) وتتخوف الدوائر المالية في اسرائيل من ان تؤدي عودة الجولان الى سوريا لشروع الاخيرة في استغلال هذه الايرادات المائية وهو ما قد يؤدي الى تخفيض منسوب بحيرة طبريا من 112م تحت سطح البحر الى 313م, وهو ما سيفضي الى ارتفاع ضغط الماء على المواد الكبريتية, والفوسفورية في البحيرة ويلوث (الناقل القطري) وهو مشروع نقل مياه الشرب والري الرئيسي في اسرائيل, ولذا فقد قامت تل ابيب, بمعاونة امريكية, بحث البنك الدولي على عرقلة تمويل انشاء سد الوحدة على نهر اليرموك, وهو مشروع اردني ــ سوري مشترك لاستغلال مياه النهر لصالح البلدين. ان هذه الاعتبارات قد اثرت ولا شك على مجمل التصورات الاسرائيلية للعلاقات مع سوريا, وباستثناء بعض الاحزاب اليسارية الصغيرة فقد كان هناك اتفاق تام بين (الحمائم) و(الصقور) على ضرورة ضم الجولان لاسرائيل, فقبل حرب اكتوبر 1973 كانت الخرائط المنشورة في مشروعات الاحزاب الصهيونية تظهر الجولان جزءاً من حدود اسرائيل وهاهي جولدا مائير تعلن في 12 مارس 1971 استعدادها للانسحاب من سيناء مقابل نزع سلاحها وتصر في الوقت ذاته على الاحتفاظ بالجولان. وسار بيريز وديان على ذات النهج مؤكدين انه لا يمكن اعادة الجولان (حتى في ظل سلام حقيقي) وابدى بيجين ومعه الشركاء من الاحزاب الدينية, كالمفدال مواقف اكثر تشددا في هذا السياق, ويظهر ان ذلك المنحى قد صار جزءاً من العقيدة الصهيونية السائدة, اذ اظهر استطلاع للرأي اجراه معهد (جوثمان) لابحاث السلوك الاجتماعي التطبيقي في مايو 1991 على عينة من 1200 شخص ان 65% من اليمين الاسرائيلي يؤيدون الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة بينما يؤيد 95% من اليسار الاسرائيلي ذات القرار اما عن ضرورة البقاء في الجولان فقد ايده 95% من اليمين و75% من اليسار. ويحسب للسياسة السورية انها ادركت منذ وقت مبكر حقيقة الموقف الصهيوني من الانسحاب من الجولان, ولذا فقد دعت لعمل عربي مشترك ورفض الحلول المنفردة وجاءت اتفاقات كامب ديفيد ومن بعدها الهجمات الاسرائيلية على لبنان لترسخ في خطة دمشق من اهمية الدور اللبناني في حل مشاكلها في الجولان, وبدلاً من ان تستغل اسرائيل الورقة اللبنانية للضغط على سوريا نجحت سورياً في ان تقبض على هذه الورقة. لقد جسد اغتيال بشير الجميل نقطة الانطلاق نحو تخفيف حدة التوترات الطائفية في لبنان مما افسح المجال امام اجماع وطني على معاداة اسرائيل والربط الوثيق بين المسارين السوري واللبناني في اي مفاوضات مستقبلية. وازاء الخطة الاسرائيلية الرامية لجعل الجنوب اللبناني بمليشياته العميلة منطقة حاجزة بين الجليل (شمال اسرائيل) وبين لبنان فقد اعتمدت الخطة السورية على اسناد ادوار المقاومة اللبنانية. المسلحة لارباك الخطة الاسرائيلية, وكلما تفجرت الاوضاع واستدعت الحديث عن حل لمشاكل الجنوب اللبناني ارتفعت التصريحات من بيروت قبل دمشق مطالبة بفتح ملف الانسحاب من الجولان ايضا في اطار وحدة المسارين السوري واللبناني. وقد اظهر النجاح السوري في تحقيق الاستقرار في لبنان ان دمشق قد حسنت من موازين القوى مع العدو الصهيوني وباتت واشنطن وتل ابيب مرغمتان على تناول الامر بصيغة الربط بين المسارين وحاولت امريكا في اطار رعايتها لمباحثات السلام المتعددة الاطراف ان تحث اسرائيل على التخلي عن موقفها المتشدد حيال الانسحاب من الجولان, وقد اشتمل خطاب الضمان الذي قدمته بمناسبة الدعوة لمؤتمر السلام في 18/10/1991 على بند خاص لتهدئة خواطر اسرائيل, حيث تعهدت الادارة الامريكية بانها تضمن امن اسرائيل من اي هجوم من مرتفعات الجولان. والحقيقة ان تل ابيب في اطار الموازنة بين المخاطر العسكرية الآتية من جنوب لبنان وتلك التي يحدثها استمرار جمود الموقف التفاوضي على الجبهة السورية كانت قد لوحت, ولاتزال, بامكانية اجراء انسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان لقاء تعهدات لبنانية لتحرم سوريا من ورقة الضغط التي تلعب بها بمهارة ولتترك الامر لتفاعلات سلبية بين الداخل اللبناني حول جدوى الدور والوجود السوري في لبنان بعد الانسحاب الاسرائيلي. ولعل العائق الوحيد امام مثل هذه الخطوة هو ذلك الدور الحيوي لدمشق في اقرار الصيغة اللبنانية وهو مايعد موضع اعتبار وتقدير على الصعيد الدولي وخاصة في واشنطن. ولكن الذي لاشك فيه ان تقرير مصير الجولان, اي مصير, انما هو رهن الى حد بعيد بما يجري في لبنان وقد لعبت الورقة اللبنانية من دورها في اقناع اسرائيل بضرورة تحريك الموقف المتجمد مع سوريا وبعد ان كان (الما بام) الحزب الصهيوني الوحيد الذي اعلن في السبعينات استعداده للتخلي عن مطلب ضم الجولان بجعل خط الحدود مع سوريا يمر في مرتفعات الجولان وبعد ان تعين الحدود يتم تجريد الجزء الباقي من السلاح, فان ثمة اتجاها متناميا لحلحلة الموقف الاسرائيلي من الجولان. ويمكن حصر التصورات الاسرائيلية المختلفة في عدد من السيناريوهات التي تنطلق جميعها من اجراء مفاوضات مباشرة مع سوريا لاقرار اتفاق السلام. 1- الاستعداد لتقديم تنازلات ادارية غير اقليمية 2- امكانية نقل السيادة على الجولان الى سوريا ثم قيام دمشق بتأجير الهضبة الى اسرائيل وثمة سابقة مماثلة في اتفاق وادي عربة مع الاردن. 3- في حالة الانسحاب الاسرائيلي الكامل في اطار اتفاق شامل مع سوريا يمكن اقامة منطقة منزوعة السلاح يتراوح عمقها بين 40 و 50 كيلومترا وتشرف عليها قوات مشتركة ( امريكية اوروبية). 4- تعكف القيادة العسكرية الاسرائيلية منذ وقت على اعداد خطط عسكرية تجري مراجعتها من آن لآخر وطبقا لها فان قادة الجيش يتصورون ان الحكومة الاسرائيلية ستصر على التواجد على قمم جبل الشيخ وجبل اوبتال وهم ينصحون دائما بعدم التنازل عن المنطقة الجبلية بالجولان والتي تطل على غور الاردن وبحيرة طبرية. ولايعني تعدد هذه الخيارات ان التخلي عن الجولان من الامور التي يقبلها رجل الشارع الاسرائيلي وخاصة مع تنامي الاستيطان بالهضبة بل ان هناك من يرى امكانية التوصل الى سلام مع سوريا والبقاء في الجولان ايضا او حسب ماذكر الرئيس السابق للمجلس الاقليمي بالجولان من يهودا فولمان انه ليس من الممكن التفاوض حول اعادة الاراضي بالجولان لان هذه الاراضي مكتظة بالسكان (بالمستوطنين) ولا ارى ماهية العلاقة بين السلام والانسحاب من الجولان؟ ان قضية الجولان لم تعد فقط معلقة على اهمية تنشيط المفاوضات الاسرائيلية مع سوريا ليكون هناك شيء ما يشجع سوريا على الدخول في التسوية , حسبما تنصح واشنطن, ولكنها ايضا باتت رهنا بالتطور الذي يمكن ان يطرأ على قواعد الربط بين ورقة جنوب لبنان وورقة الجولان انها بالادق تتصل بمواقف الاطراف الفاعلة في هذه المنطقة؟ الوسيط الدولي ( امريكا) وسوريا ولبنان وبكل تقاطعاته الداخلية, واخيرا اسرائيل وتصوراتها لدورها في الشرق الاوسط.