عندما احتلت اسرائيل هضبة الجولان في حرب يونيو 1967 اعتبر قادة اسرائيل ومنظرو الحركة الصهيونية انهم حققوا جزءا كبيرا من حلمهم التوراتي , وعمدوا منذ اليوم الأول لاحتلال الجولان إلى اجبار أهلها على النزوح عن بيوتهم وحقولهم مراعيهم فدمروا معظم القرى والمزارع لاقامة مستوطنات ومشاريع اسرائيلية تمهيدا لتهويدها ومن ثم ضمها كجزء من اسرائيل. ولم يبق من قرى وبلدات الجولان سوى خمسة أهمها بلدة مجدل شمس التي تضم أكبر عدد من المواطنين السوريين الذين تصدوا للتهجير وتشبثوا بأرضهم تحت أسوأ الظروف. وحسب آخر الاحصائيات فإن البلدان الخمسة في الجولان بلغ عدد سكانها نحو 20 ألف نسمة. وعلى الرغم من هذا العدد الذي يشكل نسبة ضئيلة من عدد سكان الجولان فإن اسرائيل وحكوماتها المتتالية منذ الاحتلال وحتى اليوم لجأت لمختلف الأساليب لاحتواء من تبقى في تلك البلدات مرة بالتهديد ومرات بالاغراء والترغيب لتحقيق هدفها الأخير في فرض الأمر الواقع واعتبار الجولان جزءا من اسرائيل. للتعرف على حقيقة الوضع في الجولان المحتل وإلى أي مدى استطاعت الحكومات الاسرائيلية خلال عقود الاحتلال تحقيق سياساتها واهدافها ولالقاء الضوء على حركة المقاومة التي تحاول دائما اسرائيل التعتيم عليها وحجب اخبارها في محاولة منها لاضفاء حالة الهدوء وتصوير سكانها بأنهم تآلفوا مع قرار الضم ومنح الجنسية لهم, التقى (الملف السياسي) مع أحد رموز حركة المقاومة في الجولان مدحت صالح وهو من بلدة مجدل شمس وقد انتخب عضوا في مجلس الشعب السوري (البرلمان) في الانتخابات التي جرت أواخر عام 1998 وقد تحدث عن سياسة اسرائيل في الجولان بالقول: منذ ان احتلت اسرائيل الجولان اتبعت سياسة خبيثة تجاه أهلنا لكن لم تنطل على أحد وكان الرد الطبيعي مقاومة الاحتلال بالوسائل المتوفرة بالمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات ومع مرور الوقت تطورت إلى أشكال مواجهة جماهيرية وأحيانا مسلحة وتعرضت قوات الاحتلال إلى هجمات من قبل مجموعات شكلها أهالي الجولان الحقت خسائر في صفوف العدو ومنشآته وآلياته ومستودعاته وفي كل مرة يحظر نشر اخبار المقاومة ويفرض حصارا كاملا عندما ننفذ عملية عسكرية وننظم مظاهرات واعتصامات بهدف الايحاء للرأي العام العالمي وحتى اسرائيل بأن هذه المنطقة هادئة ولا شيء ينغص الاحتلال فيها. ويضيف مدحت صالح لكن مع تصاعد المقاومة بمختلف اشكالها عرف العالم ان اهالي الجولان لا يرضون بديلا عن تحرير ارضهم وعودتها للوطن الام سوريا. ونتيجة لعمليات المقاومة فقد بلغ عدد الشهداء 34 شهيدا اضافة الى عشرات الجرحى ومئات المعتقلين في السجون الاسرائيلية, لقد كان واضحا ان اسرائيل تريد الجولان منطقة خالية من السكان ولكن العشرين الف سوري تحدوا السياسة العنصرية للمحتلين وظلوا صامدين في ارضهم في قرى مجدل شمس ويقعاتا ومسعدة وعين قنبة والفجر, ليشهدوا المجازر الصهيونية التي ارتكبت بحق الانسان والارض فقد أقدم المحتلون على تهجير وطرد غالبية سكان القنيطرة وتدميرها. وأكد صالح ان النضال الوطني في الجولان تصاعد وخاصة بعد قرار اسرائيل الجائر بضم الجولان وتطبيق القوانين الاسرائيلية الذي صدر عن الكنيست في الرابع عشر من ديسمبر 1981 وهو القرار الذي رفضه وادانه المجتمع الدولي لانه يخالف كل المواثيق وشرائع القانون. وقد أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 479 عام 1981 الذي يرفض قرار اسرائيل ويعتبره لاغ وطالبها بالغاء هذا القرار التعسفي لكن اسرائيل كعادتها في رفض قرارات الشرعية الدولية لم تستجب لإرادة العالم. وبدأ المواطنون السوريون انتفاضتهم ضد المحتل وقوانينه ورفضوا حمل الهوية الاسرائيلية مؤكدين انتماءهم للوطن الأم سوريا وأعلنوا الاضراب العام الذي استمر ستة اشهر عام 1982. وقامت قوات الاحتلال بمحاصرة القرى الخمس واعتقال العشرات من أبنائها الذين قاوموا لتحرير أرضهم والعودة الى حضن الوطن وصدرت بحق العديد منهم أحكام بالسجن لمدد طويلة بعد محاكمات صورية. ويتابع مدحت صالح حديثه عن اجراءات اسرائيل في الجولان, مشيرا الى التقرير الذي قدمه وليد البوز محافظ القنيطرة للجنة منظمة العمل الدولية خلال زيارتها لدمشق مؤخرا حيث أوضح هذا التقرير الممارسات القمعية ضد أهالي الجولان والتي تتجسد في الأمور التالية: ــ أوضاع المواطنين السوريين في الجولان تشكل معاناة يومية من جراء الممارسات الاسرائيلية والتي تنتهك أبسط مبادئ الحق والعدالة وحقوق الانسان. ــ عمليات التعتيم التي تفرضها اسرائيل على كافة وسائل الاعلام لحجب الحقيقة عن الرأي العام العالمي وهو ما يسمع بين حين وآخر عبر مكبرات الصوت من نداءات الاهل عند خط وقف اطلاق النار شرق بلدة مجدل شمس الرافضين للاحتلال. ــ ممارسة التمييز العنصري ضد العمال السوريين من حيث الأجور والحقوق وتضييق فرص العمل. وإمعانا في ذلك فقد استقدمت سلطات الاحتلال العمالة الوافدة من تايلاند ورومانيا لتحل محل العمال السوريين الأمر الذي أدى الى طرد العديد منهم وفصلهم عن العمل تحت ما تسميه اسرائيل (الخوف من العمالة الارهابية) . - فصل العمال الذين يشاركون في الاحتفالات بمناسبة الأعياد الوطنية والقومية لسوريا. - طالت اجراءات اسرائيل المجال الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وهو المصدر الأساسي لحياة الناس حيث صادرت الأراضي واقتلعت الأشجار المثمرة ومنعت الأهالي من حفر الآبار وحرمتهم من مياههم وتقوم بعمليات بيع للمياه لأغراض الري والشرب بأسعار مرتفعة. مما أدى إلى تراجع في الانتاج الزراعي واعداد الثروة الحيوانية. وذكر صالح بأن 25% من السكان قد تعرضوا لعمليات اعتقال بمدد طويلة ومؤقتة فنحن في العائلة سبعة شبان اعتقل منا ثلاثة وسجن منا ثلاثة. وبلغ عدد القرى التي هدمتها سلطات الاحتلال 224 قرية وطردت جميع سكانها, وأقامت ما يزيد عن أربعين مستوطنة ترمي من جراء ذلك إلى تغيير التركيبة السكانية وتحويل السكان إلى أقليات وسط عشرات الآلاف من المستوطنين. وأوضح ان الآثار والمعالم التاريخية لم تسلم من عبث الاحتلال وسرقتها وتزويرها ونسبها إلى ادعاءاتهم وأساطيرهم. وأكد في ختام حديثه ان للجولان أهمية استراتيجية وأمنية لاسرائيل ووصفها أحد القادة الاسرائيليين بأنها (عيون دولة اسرائيل) وتجمع كافة الاحزاب السياسية الاسرائيلية من اليمين واليسار على ذلك ما عدا الأحزاب العربية فالعمل والليكود لا يختلفنا على التمسك بالجولان وهذا ما ظهر أثناء المفاوضات على المسار السوري وزاد اصرارهم في ظل حكومة بنيامين نتانياهو على انهائها تحت الاحتلال وتؤيدها الولايات المتحدة, وتردد الإدارة الأمريكية مزاعم اسرائيل حول الجولان, لكن على أمريكا واسرائيل أن يدركا ان لا سلام في المنطقة دون عودة الأرض المحتلة إلى أصحابها. دمشق ـ البيان