في الوقت الذي تتكشف فيه ابعاد خطط تصدير الارهاب ـ المتستر بالدين ـ الى بنجلاديش, تشهد الهند المجاورة تجددا لعمليات العنف في اقليم كشمير تديرها جماعات دينية اجنبية . وفي كلا الدولتين الاسيويتين وجدت اجهزة الامن خيوطا تقود الى اصابع اسامة بن لادن الذي اختفى مؤخرا من مقر اقامته في افغانستان حيث كان يعيش تحت حماية حركة طالبان, ففي بنجلاديش, القي القبض على عدد من المتطرفين اثناء محاولتهم قتل احد الشعراء بفأس, واعترفوا بعد ذلك بأنهم خططوا لاغتيال ثلاثة مثقفين آخرين بسبب افكارهم التحررية. وفي كشمير بشمال الهند, قتل متشددون اسلاميون من خارج البلاد سبعة من الهندوس الكشميريين في وسط حفل زفاف في فبراير الماضي, وقالت الشرطة الهندية انه بعد 18 شهرا من الهدوء النسبي ـ في الاقليم المتنازع عليه مع باكستان ـ تسللت ميليشيات من باكستان وافغانستان تدعمها حركة طالبان ويمولها بن لادن الى كشمير لتؤجج الصراع الدامي من جديد. ويؤكد مسؤولون في جهاز الامن الهندي ـ الذي نجح الى حد بعيد في اخماد حركة التمرد الكشميرية عام 1997 ــ ان المخاوف تتزايد حاليا من ان تكون الاستخبارات الباكستانية وراء احداث العنف الاخيرة في الاقليم. قال احد كبار مسؤولي الامن في الهند (مشترطا عدم الافصاح عن اسمه لأسباب سياسية) انها محاولة يائسة من المخابرات الباكستانية لاحياء الاضطرابات في كشمير هذا العام الذي يبدو بالنسبة الينا واليهم عام الحسم. فاذا نجحنا في احتواء هذه الانشطة الارهابية قبل انتهاء السنة, سنستطيع ان نتنفس الصعداء لوقت طويل.. اما اذا فشلت مهمتنا, فسوف نواجه مرحلة جديدة ممتدة من العنف والقلاقل. ويوضح المسؤول الامني الكبير ان المرحلة التي يعنيها قد تتحول الى حرب مفتوحة تحت شعار الجهاد الاسلامي ـ الذي ترفعه الجماعات الدينية في باكستان وافغانستان ـ لتحرير كشمير. والملاحظ انه في كثير من تصريحات وتحليلات اجهزة الامن ترتفع اصابع الاتهام صوب المليونير السعودي المتهم بانه العقل المدبر لاغلب عمليات العنف ذات الطابع الديني. وفي العام الماضي فقط ذكرت مصادر المخابرات الهندية ان بن لادن زار الهند سرا في فبراير 1998 حيث التقى بامرأتين يعتقد انهما تتوليان توصيل الاموال الى الانفصاليين الكشميريين. وفي نوفمبر الماضي عثرت قوات الجيش الهندي على صور لابن لادن ورسائل مشفرة علاوة على شيكات سياحية (تبلغ قيمتها 50 الف روبية هندية اي ما يعادل 1200 دولار) كانت مخبأة في سترة مقاتل من اصل غير هندي لقي مصرعه اثناء مواجهة مسلحة, كما تشير مصادر امنية اخرى ان حالات العثور على شيكات سياحية ونقود مع المتمردين تتزايد باضطراد مما يزيد الشبهات حول شخص بن لادن, لكن ضباط الامن الهنود يرون في هذه الظاهرة جانبا آخر يعكس ان الجماعات الانفصالية في كشمير لم تعد تتمتع بدعم سكان الاقليم, فيقول العميد في سي يادف يبدو ان المتمردين اصبحوا مجبرين على شراء المؤيدين لنشاطهم بعدما خبا الدعم المحلي. ويرى بعض المراقبين ان المواطن الكشميري العادي مل الاضطرابات والصراع المسلح الذي كدر الحياة في الوادي على مدى عقد كامل او يزيد, وهي الحقيقة التي ساعدت الجيش الهندي اثناء قمع الحركة الانفصالية عامي 1996 و,1997 فحين كانت الحركة في ذروتها مع بداية التسعينات, كان كل كشميري مسلم تقريبا يشارك او ـ على الاقل ـ يتعاطف مع نشاط الانفصاليين, ومع تزايد المظاهرات واعمال الاحتجاج التي طالما ملأت الميادين الرئيسية في العاصمة سرينجار وفي غيرها من مدن وادي كشمير بدت سيطرة نيودلهي على الاقليم الى زوال. ويتذكر غلام محمد صوفي رئيس تحرير احدى الصحف المحلية في كشمير تلك الفترة قائلا (في مرحلة مالم يكن لدى المحافظ نفسه عددا كافيا من الموظفين) . وبتحميس متواصل من وسائل الاعلام الباكستانية, وبتشجيع من انتصار الافغان على الغزو السوفييتي وانقلاب دول اوروبا الشرقية على النظام الشيوعي, اعتقد الكثير من الكشميريين آنذاك ان (وقت التحرر من الحكم الهندي قد حان) يقول الطالب الجامعي محمد يعقوب مسترجعا شريط ذكرياته في هذه الفترة (تصورنا ان بامكان كشمير نيل حريتها من السلطة الهندية خلال بضعة اشهر.. كان الشعور العام حماسيا الى ابعد الحدود) . عشرات الآلاف من شباب كشمير عبروا سلسلة جبال بير بانجال الى باكستان سعيا للتدرب على استخدام السلاح, ولم يمض وقت طويل حتى ازدحمت جنبات الوادي وطرقات المدن بالانفصاليين المسلحين, فيما اختفى ابناء الاقلية الهندوسية من الاقليم تباعا. والواقع ان جبهة تحرير جامو وكشمير التي قادت الحركة الانفصالية في الاقليم لم تر فرقا بين مسلم وهندوسي وكانت تطالب في الاساس بأن تصبح لكشمير سيادة مستقلة. لكن مع دخول باكستان على الخط, وامدادها مقاتلي الحركة بالعدة والعتاد, غلب الطابع الديني على نشاط الحركة الانفصالية, وبالفعل اطاحت الجماعات الاسلامية (المطالبة بانضمام كشمير الى باكستان) بقيادات جبهة تحرير جامو وكشمير وفرضت على نساء الاقليم ارتداء النقاب, واغلقت دور السينما ومتاجر بيع الخمور. ويدفع احد المحامين في سيرنجار بأن (انضمام جامو وكشمير ذات الاغلبية المسلمة الى باكستان بدا امرا اكثر منطقية وواقعية) . ففي اغسطس من العام 1947 ــ وقبل استقلال الهند عن الحكم البريطاني وقبل ظهور باكستان كدولة مستقلة ــ كانت جامو وكشمير (كغيرها من ولايات شبه القارة الهندية تحت الاحتلال البريطاني) تحكم على يد مهراجا يدين بالولاء للامبراطورية الاستعمارية. واختار المهراجا (الهندوسي) هاري سينج آنذاك الا تنضم ولايته الى اي من الهند او باكستان. لكن حين قامت القوات الباكستانية بغزو الاقليم من جهة الشمال الغربي, لجأ المهراجا الى الهند طالبا حمايتها العسكرية التي لم تمنح له الا بشرط قبول انضمام الاقليم رسميا الى حكم دلهي. وبالطبع اعترضت باكستان على ضم الهند لكشمير ورفعت الامر الى الأمم المتحدة التي أمرت باجراء استفتاء شعبي عام لتقرير مستقبل الاقليم. لكن الهند لم تسمح أبدا باجراء الاستفتاء متذرعة بأن على باكستان ان تنسحب اولا من المنطقة التي احتلتها في شمال غرب الاقليم. وتسارعت وتيرة الاحداث منذ ذلك الوقت بدخول الجارتين اللدودتين حربين كبيرتين خلال فترة لم تتجاوز العشرين عاما بسبب النزاع على تبعية كشمير. وتغيرت الاوضاع بعض الشيء بوصول الشيخ عبدالله ثم ابنه فاروق (وكلاهما له ولاء للهند) الى مقعد السلطة المدنية في كشمير, حيث قبل أغلب السكان بواقع البقاء سياسيا داخل الخريطة الهندية على أمل تحقيق استقرار طالما حرموا منه. لكن في منتصف الثمانينات تغير الوضع من جديد خاصة مع ظهور حزب اسلامي جديد, ولم تساعد نتائج الانتخابات المحلية (التي لم تسمح للحزب بالوصول الى السلطة) عام 1987 سوى في توسيع الهوة بين سرينجار ونيودلهي. ومع اندلاع المظاهرات الشعبية الضخمة بين عامي 1989 و1990 شهدت السنوات اللاحقة موجة غير مسبوقة من الاضطرابات وأعمال العنف التي أشعلها آلاف الشباب الكشميريون الذين تلقوا تدريباتهم في باكستان. وبعد نجاح القوات الهندية في قمع الحركة الانفصالية عام ,1997 وبعد فترة هدوء نسبي على مدى العامين الماضيين, عادت عمليات تسلل الشباب الكشميري مجددا عبر جبال بير بانجال الثلجية الى الحدود الباكستانية.. وان كانت باعداد (أقل كثيرا من الفترات السابقة) حسب تأكيد أحد آلاف الانفصاليين الذين استسلموا للقوات الهندية عامي 1993 و1994 وتحولوا الى القتال في صفوف الجيش الهندي. ويضيف موضحا ان اغلب المتسللين الى باكستان لتلقي التدريب على حمل السلاح هم من حزب المجاهدين) . وحزب المجاهدين هو أحد ثلاث أنشط جماعات انفصالية في كشمير حاليا, لكن أغلب أعضائه من السكان المحليين. أما المجموعتان الاخريان وهما (حركة المجاهدين) و(الشكر والتوبة) فيسيطر عليهما العرب الافغان والباكستانيون. حركة المجاهدين التي تضع اسم اسامة بن لادن على رأس قائمة اعضائها والتي تتمتع بعلاقات وثيقة بحركة طالبان الافغانية, مصنفة لدى الادارة الامريكية كإحدى أضخم المنظمات الارهابية في العالم. ويذكر ان هذه الحركة قامت باختطاف ستة سائحين غربيين في كشمير عام 1995 وقطعت رأس أحدهم وربما قتلت أربعة آخرين لم يعرف مصيرهم حتى اليوم. تأسست حركة المجاهدين في باكستان قبل ستة عشر عاما على يد حزب اسلامي صغير بهدف مساعدة اللاجئين الفارين من الغزو السوفييتي لافغانستان, ثم سرعان ما تحول نشاط الحركة الى تدريب الافغان على قتال الروس الغزاة. وأغلب معسكرات التدريب التابعة للحركة موجودة في الاراضي الافغانية, ولعل المعسكر الذي استهدفته الغارات الامريكية في منطقة خوست في اغسطس الماضي بحثا عن بن لادن كان تابعا للحركة نفسها. وقد ظهرت مؤشرات تؤكد أن عددا من القتلى والمصابين في المعسكر ــ نتيجة القصف الامريكي ــ كانوا يتدربون على القتال قبل العودة الى كشمير. اذ نقل عن أحد المصابين واسمه خالد قوله (ان الامم المتحدة تطالب بتحرير كشمير.. ولذا فقد دعتنا طالبان للتدريب على حمل السلاح في أفغانستان) . وقال أحد كبار ضباط حرس الحدود في الجيش الهندي (ان ستين في المائة من رجال الحركة في كشمير هم من المرتزقة الاجانب ومن المجاهدين الافغان) . بينما يمثل المقاتلون الاجانب 90 في المائة من اعضاء جماعة الشكر والتوبة المطالبة باستقلال كشمير. ويؤكد البعض ان الجناح العسكري لهذه الجماعة (مركز الدعوة والارشاد) يعد أكثر الجماعات الدينية الثلاث تطرفا. وقد أسس الجماعة ثلاثة من أساتذة الجامعة في العام 1987 واتخذت من مريدك قرب لاهور مقرا لها, ويذكر ان وزيرا باكستانيا ــ على الاقل ــ يحرص على حضور اجتماعاتها السنوية. اما مراكز تدريب الجماعة فتنتشر في افغانستان حيث يتخرج منها المقاتلون الافغان والباكستانيون أشد ولاء واصرارا على الجهاد. قالت الطاف حسين مراسلة هيئة الاذاعة البريطانية في سرينجار (ان دخول المقاتلين الاجانب (تقصد غير الكشميريين) حلبة الصراع غير تماما من خريطة الحركة الانفصالية. ففي بداية التسعينات كانت الحركة تعمل بطريقة الهواة, لكنها الآن تتسم بالاحتراف ومقاتلوها اكثر التزاما وولاء. وقد أقر قائد عسكري (هندي) بأن 90 في المائة من المتمردين في الماضي كانوا يقتلون برصاصة في الظهر, أما اليوم فان 100 في المائة منهم يقتلون برصاص في صدورهم.. لم يعودوا يفرون من المعارك, وباتوا يقاتلون حتى النهاية.. كانوا يقاتلون بأيد ترتعش, واليوم يقاتلون بكل ثقة وبدقة بالغة. كما اصبح لدى هؤلاء المقاتلين اسلحة اكثر تطورا مثل بنادق ايه كي 56 الكاتمة للصوت, والالغام الأرضية الحديثة (بدلا من القنابل اليدوية), ومنصات اطلاق الصواريخ الاسبانية, علاوة على بعض مدافع المورتر والقذائف المضادة للدبابات.. بل ان لديهم قطع اسلحة ضخمة يحتاج كل منها ربما لخمسة عشر شخصا لحملها عبر طرقات الجبال الوعرة. وكما أكد لي ايضا أحد مسؤولي الشرطة الهندية, فان هذه المرحلة من التمرد في كشمير لا تسعى الى الدعاية والتغطية الاعلامية, وانما هي ثورة حقيقية.. والمشكلة أننا لا نعرف أين يختبىء العدو هذه المرة.. على حد تعبير الضابط نفسه) . لا أحد يعرف على وجه الدقة كم عدد المقاتلين الانفصاليين في كشمير. فبينما يقدر البعض عددهم بنحو 4500 مسلح ثلثهم من الاجانب, يؤكد الجنرال كريشان بال القائد العسكري العام للقوات الهندية في سرينجار ان عدد المتمردين المسلحين لا يتجاوز الف رجل ثلاثة أرباعهم من الأجانب. ومهما كان الرقم الحقيقي, فان أحدا لا يساوره شك في أن العدد سيتضاعف مع حلول الربيع وذوبان الثلوج على مرتفعات بير بانجال. ولذا فان القوات الهندية تكثف حاليا من هجماتها على المتسللين عبر هذه المنطقة وتتزايد المواجهات مع المسلحين يوما بعد آخر. والظاهرة الاوضح ان المواجهات المسلحة أصبحت تستمر لفترات اطول, لان المرتزقة الاجانب لا يستسلمون ابدا كونهم متأكدين من ان القوات الهندية لديها أوامر بقتلهم حتى في حالة الاستسلام.. ولا يعفى من هذا الامر سوى المتمردين الكشميريين الاصل. وعادة ما يقع على عاتق المقاتلين الكشميريين مهمة ارشاد الفصائل الاجنبية التي تضم كل منها عشرة الى اثنى عشر رجلا مسلحا تتخذ من الجبال الواعرة مخابىء آمنة, ولا يهبط المقاتلون الى القرى والمدن إلا لشن هجمات ضد القوات الهندية. وعادة ما يأتي المقاتلون من الافغان العرب والباكستانيين بعقود تتراوح مددها بين ستة أشهر وعامين في مقابل مبالغ مجزية تصل الى عشرة آلاف دولار للعاملين حسب تقارير الضباط الهنود الذين أجروا تحقيقات مع عدد من الأسرى. قال أحد هؤلاء (الحافز المالي يكون مغريا لاغلب المرتزقة الذين يأتون عادة من بيئات فقيرة) . لكن هذا لا يمنع ان العديد من المقاتلين الاجانب في صفوف الحركة الانفصالية يأتي الى كشمير بغرض الجهاد من أجل تحرير أرض مسلمة. ويبقى الحصول على المال شرطا أساسيا للتضحية بالنفس ودخول المعارك ضد القوات الهندية. وقد اعترف باكستاني أسر العام الماضي في مواجهة مسلحة انه جاء الى كشمير لاحتياجه الشديد الى مبلغ من المال يستطيع به تزويج اخواته الثلاث الاصغر منه. وفي العام الماضي زاد نشاط الانفصاليين في الجبال المشرفة على جنوب وادي كشمير وفي البلدات المتاخمة, بعيدا عن سرينجار التي تحظى بحراسة أمنية مشددة وتمتلىء شوارعها بالمتاريس. لكن منذ ديسمبر الماضي والمسلحون في محاولات مستمرة لشن هجمات على العاصمة الكشميرية. ولا يعتقد كثير من المحللين ان تخفف باكستان من دعمها للحركة الانفصالية في كشمير رغم القمة الاخيرة بين رئيس وزرائها ورئيس الحكومة الهندية. لكن وحتى ان غيرت باكستان من نهجها ازاء كشمير, فستبقى حركة طالبان الافغانية ومن خلفها أسامة بن لادن بملايينه سندا قويا للحركة بعدما اصبحت كشمير قضية (اسلامية) . وهي الحقيقة التي يبرهن عليها انخراط عدد كبير من المجاهدين من دول اخرى (غير باكستان وافغانستان) مثل السودان ومصر وايران والشيشان والبحرين في عمليات الحرب المقدسة ضد الاحتلال الهندي لكشمير. ورغم تزايد عدد المقاتلين الاجانب في صفوف الحركة الانفصالية الكشميرية, يعرب الجنرال كريشان بال قائد القوات الهندية في الاقليم عن ثقته المطلقة في قدرة قواته على دحر المسلحين والسيطرة على الوضع في المنطقة المتوترة قائلا: (لا أمل لجميع تلك الفصائل ذات التدريب المتواضع والعتاد التسليحي الاكثر تواضعا في مواجهة أحد افضل الجيوش في العالم) . سرينجار ــ (البيان) خاص: خدمة ورلدنيوزلينك