ملف الآثار المهربة في لبنان لايزال يثير الكثير من التساؤلات والانتقادات للحكومة بعد ان بدأت تدق أبواب المواطنين في الداخل في محاولة يائسه لاسترداد ما سرق من آثار وعجزها عن دق أبواب العالم لجلب المسروقات . والانتقادات حول هذا الملف الحساس ضد حكومة رئيس الوزراء سليم الحص لم تأت هذه المرة من المعارضين ولا حتى من الموالين لها بل من أحد اعضائها الفاعلين. ففي بضعة كلمات أختصر وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية الدكتور عصام نعمان النقمة العامة ضد الوسائل التي يتم بها استرداد القطع الاثرية وضمها الى الممتلكات العامة, كما طالت الاتهامات وزراء سابقين ورجال اعمال معروفين في لبنان ومؤسسات رسمية في عهود سابقة منها وزارة الخارجية في عهد فارس بويز الذي اقام دعوى في نيويورك لاستعادة آثار الغيت فيما بعد لعدم وجود اثباتات كما تحدثت روايات عن تورط دبلوماسيين وقناصل استغلوا مناصبهم في سرقة وتهريب الآثار اللبنانية. يقول الوزير نعمان: (سائني كثيراً, كما ساء كل لبناني مخلص الطريقة التي عومل بها رجل الأعمال الكبير, بل رجل الخير والمكرمات روبير معوض في سياق العملية الهادفة الى استرداد اثار مسروقة) . واضاف يصب هذا الكلام لخدمة اصحاب تلك النقمة, وهم يتساءلون باستغراب عن جدوى الاعلان عن فتح ملف (استرداد الاثار) , وتأمين مواكبة اعلامية دائمة وموسعة, لأعمال امنية تتطلب التحري والاستقصاء, والتحرك في الظلام, وانجاح المهمة المطلوبة بصمت ومن وراء الكواليس ثم الاعلان عنها بالتفاصيل الممكنة بعد انتهائها, أو على الأقل في مراحلها النهائية. اساءة للحكم ويذهب الوزير نعمان مع المتسائلين والناقمين الى ابعد من ذلك, مؤيداً بصورة غير مباشرة لطروحاتهم وطموحاتهم, ومعتبراً مثلهم ان الاساءات من جراء ما يتم القيام به في عملية الاثار واستردادها لايسيىء الى الأجهزة الأمنية والحكومية وغيرها, بقدر ما يتلقى العهد الجديد برئاسة العماد اميل لحود الحصة الأكبر من الاضرار التي تتنافى مع الشعارات التي يطرحها, واسس الحكم التي يعمل على ضوئها, ومن اجل ترسيخها وتطبيقها. يقول نعمان: (قد لا اغالي اذا قلت أن الاسلوب المعتمد, ربما ينطوي على خطة وضعها متضررون من مجيء العهد الجديد, وذلك بقصد النيل من رجال الخير والاحسان, وبالتالي الاساءة الى الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم الوطن بصمت وتقوم باستثمارات واسعة في ميادين شتى, وتشغل الايادي اللبنانية العاملة على نحو واسع) . طعن في الخاصرة لكن الوزير المنتقد لا يحدد كيف يمكن ان تكون هنالك خطة من ذلك النوع ضد العهد وينفذها مسؤولون فيه هو نفسه, فهل الحكم (مخردق) ومشتت ومطعون في الخواطر والظهر؟ يؤكد نعمان بالحرف: (ان اموراً مستغربة تجري على الصعيدين القضائي والاعلامي تسيىء الى الغاية النبيلة المتوخاة من حملة استرداد الاثار المسروقة وقد آن الآوان لان يتحمل المسؤولون, كما الاعلاميون, مسؤولياتهم الوطنية والمهنية, فلا يسمحون لذوي النيات السيئة أو للمتضررين من مجيء العهد الجديد, بان يسيئوا الى اصحاب المكرمات ورجال الخير, وفي طليعتهم روبير معوض) . ترميم لا سرقة وينهي نعمان كلامه بالقول: (هل يعقل الا يكون في الامر سوء نية, عندما تحول مكرمة روبير معوض الى مذمة بدعوى الزعم بوجود قطع اثرية له قيد النقل الى الخارج في حين انها كانت تخضع بوضوح لعملية ترميم دقيقة لاعادتها الى قصر فرعون (في بيروت) والذي اشتراه معوض منذ سنوات, واعاد اليه رونقه, واعلن عن اعتزامه تحويله الى متحف عام, والى مركز ثقافي يكون بتصرف الدولة؟!) . (تقصير) وزارة الخارجية ولم تشمل موجة الاتهامات غير الدقيقة التي رافقت, وما زالت حملة استرداد الاثار رجال الاعمال وبعض أهل العمل والعلم المعروفين على المستوى اللبناني, بل طال مؤسسات رسمية في عهود سابقة, ومنها وزارة الخارجية. اذ يقول البعض ان وزير الخارجية السابق النائب فارس بويز قد الغى دعوى في نيويورك لاسترداد آثار الى لبنان ــ إلا ان بويز يوضح الامر لــ (البيان) فيقول انه: (عندما تلقت حكومة الدكتور سليم الحص في العام 1988 برقية من سفير لبنان في الولايات المتحدة الأمريكية تفيد عن وجود آثار لبنانية معروضة للبيع في نيويورك, بادرت الدولة الى طرح اقامة دعوى في نيويورك لتجميد عملية البيع, وكلف بهذه الدعوى أحد أكبر مكاتب المحاماة وهو مكتب وليم روجرز الذي جمد عملية البيع ريثما تفصل محكمة امريكية بمنشأ الاثار) . كما اتخذ بناء الاقتراح وزارة الخارجية قراراً في مجلس الوزراء بتكليف القضاء اللبناني حينذاك بشخص القاضي شكري صادر يقضي باجراء تحقيق في لبنان من اجل افادة محكمة الولايات المتحدة عن مصدر تلك القطع) . بويز يكشف الحقائق ويتابع بوزيد سارداً حقيقة ما حصل, فيقول: (وفي حكومة الرئيس رفيق الحرير الأولى, ثم نقل الملف من وزارة الخارجية الى وزارة العدل بقرار من مجلس الوزراء لاعتبارها الاكثر قدرة على التنسيق القضائي بين القضائين اللبناني والأمريكي. ومن ثم, عندما تبين ان لا اشارات أو اثباتات فعلية حول المنشأ اللبناني لتلك القطع, وعندما تبين ايضاً ان الدعوى المقامة من قبل الدولة اللبنانية في نيويورك تتجه الى عدم الجدوى, هذا اضافة الى كلفة اتعاب المحاماة الباهظة هناك, عندها تولى رئيس الحكومة المفاوضة مع مكتب المحاماة وتقدير الاوضاع, وقد اتخذ مجلس الوزراء بناء لاقتراح رئيس الحكومة ووزير العدل, قراراً بوقف الدعوى توفيرا لمصاريف المحاماة ولكونها كانت تتجه في كل من لبنان ونيويورك الى غير جدوى. وينهى الوزير السابق بويز قوله: لذلك فإن وزارة الخارجية التي كانت قد اقدمت فورا على تقديم الدعوى لم تعد فيما بعد المكلفة بمتابعة الملف الذي تبين بأنه لا يستند الى اثباتات حول هوية القطع الاثرية اللبنانية بينما اصبح حرجا بأنها يوغسلافية المنشأ. وبالتالي فإن وقائع قرار اقامة الدعوى وسحبها استنادا للمعطيات موجودة في محضري مجلس الوزراء المتعلقين بهذا الموضوع, هذا اضافة الى كون وزارة الخارجية توقفت حينذاك لمصلحة وزارة العدل عن متابعة الملف ومواكبته, اذ انها كانت تعمل اساسا كصلة وصل بين قرار الحكومة والسفارة اللبنانية في العاصمة الامريكية واشنطن. تهريب الآثار والمتاجرة بها يشكل كلام الوزير السابق بويز جزءا من الاهتمام الذي بذلته وزارة الخارجية اللبنانية لتتبع ملف الآثار المهربة الى خارج لبنان وتصل قيمتها الى مليارات الدولارات الامريكية. وقد كانت الدبلوماسية اللبنانية اول من اطلق الصرخة المحذرة والمنذرة والداعية على انقاذ التراث الثقافي العريق. وذلك في 27 نوفمبر عام 1995 عندما بدأت الجمعية العامة للامم المتحدة مناقشة البند 22 المدرج على جدول اعمالها انذاك والمتعلق بـ (اعادة او رد الممتلكات الثقافية الى بلدانها الاصلية. آنذاك القى عضو الوفد اللبناني الى اعمال الدورة السفير عدنان منصور كلمة امام الهيئة العامة للمنظمات الدولية اكد في مستهلها: ان لبنان هو من اكثر الدول المعنية بهذا الموضوع كونه البلد الذي يزخر بتاريخ انساني يعود للالف الثالث قبل الميلاد. واشار السفير منصور الى : الاتجار غير المشروع لبعض آثار لبنان وممتلكاته الثقافية التي سرقت وجرى تهريبها الى الخارج في اعقاب سبعة عشر عاما من المنازعات المسلحة على ارضه, اذ انه جرى اثر عملية قصف بالقنابل عام 1982 تحطيم 43 صندوقا تحتوى على اعمال فنية خاصة بالمتحف الوطني في بيروت, كما سرق العديد من الممتلكات الفنية الاخرى تباع حاليا في الاسواق العالمية. سلاح مقابل آثار ولعل اسوأ ما تعرض له لبنان في ممتلكاته الثقافية انه في منتصف السبعينات استولت احدى المنظمات المسلحة والمتواجدة على ارضه, على مجموعة من التحف الفنية النادرة والثمينة والتي تتكون من عشرة آلاف قطعة من مجوهرات ومنحوتات ومسكوكات ثم قامت المنظمة نفسها (غير اللبنانية) عام 1984 باعطاء هذه التحف الى دولة اجنبية كبرى لقاء صفقة سلاح فجاءت عملية المقايضة هذه بين السارق والشاري الاكثر ربحا في تاريخ مخابرات هذه الدولة, على حد تعبير صحيفة (سانكي شيمبون) اليابانية في تحقيق عن الموضوع نشرته في 17 اكتوبر عام 1995 اي بعد يومين من موضوع مماثل نشرته صحيفة (الصانداي تايمز) . استرداد بعض الآثار وادت تلك الحملة الدولية التي قادتها وزارة الخارجية اللبنانية الى استرداد بعض الآثار اللبنانية المسروقة والمهربة من لبنان, منها : استراد الكنز اللبناني المعروف بتماثيل معبد اشمون في سويسرا, بالتنسيق والتعاون الجديين والايجابيين من قبل السلطات السويسرية, كما تم استرداد تمثال اثري فينيقي من احدى المؤسسات البريطانية بعد ان اشتراه احد عملائها الذي ادعى ملكيته له. حملات خجولة لكن حملات الدولة اللبنانية على هذا الصعيد مازالت خجولة النتائج ومعدومة المردود عمليا اذ ان كنوزا اثرية لبنانية ضخمة تقبع في مختلف انحاء العالم وابرزها سبعة كنوز يأتي في مقدمتها تمثال (سيفسون) . ويقدر البعض قيمته بمبلغ 400 مليون دولار امريكي وقد حاولت الدولة حتى العام 1995 متكبدة اموال استعادته من نيويورك ولكن دون جدوى الى ان تقرر التنازل عن الملاحقة اللبنانية لاستعادته وفق ما اشار اليه الوزير بويز اعلاه. كنوز مميزة ومن الكنوز اللبنانية المميزة والمسروقة اشارت مصادر موثوقة الى ان اربعة اثرية منها سرقت من لبنان خلال الحكم العثماني واودعت في (متحف اسطنبول) وترفض تركيا اعادتها الى لبنان معتبرة انها (من الاملاك التركية الخاصة) . قصص التهريب لا تنضب ! وتضاف الى ذلك مجموعات كبيرة من الكنوز الاثرية اللبنانية مهربة وموجودة في صالات العرض العالمية ودور المزاد العلني, وخصوصا في اوروبا, وهي تضم تحفا اثرية كثيرة من لبنان لاسيما منها تماثيل وقطع رخامية, ومجموعات برونزية وموزاييك بيزنطي واجزاء من نواويس وغيرها وقد تولى تهريبها الى لندن ونيويورك وبون وباريس لبنانيون ووسطاء محليون ودوليون. شيكات ومافيات ويكشف تقرير خاص نقلا عن مصادر متابعة لهذه القضية قولها ان عمليات التهريب والتسويق تقوم بها شبكات ومافيات محلية وعالمية تنسق فيما بينها. وتقول المصادر ان ثمة روايات برزت خلال سنوات الحرب في لبنان تتحدث عن ديبلوماسيين ووكلاء قنصليين استغلوا مناصبهم وشاركوا في عمليات شحن كميات كبيرة من النواويس والقطع الاثرية, بعضها يعود الى حقبات تاريخية متأخرة, وبعضها الاخرى الى القرن التاسع عشر وهي معروضة في متاحف اوروبية شهيرة في باريس واسطنبول وغيرها. آثار بدلا من الغام ومن قصص اعمال التهريب التي لا تنضب تلك التي تتحدث كيف ان الميليشيات استثمرت الآن الكشف عن الالغام لاكتشاف الاثار بحيث تم تحديد اماكنها والتنقيب عنها وسرقتها وتهريبها في مرحلة كانت الدولة فيها تعيش حالة غيبوبة مطلقة وقسرية. والمعروف ان سعر الآلة الواحدة من الات كشف الالغام يصل الى ثلاثة آلاف دولار امريكي وما فوق, وهي تكتشف الاثار المعدنية على عمق يراوح بين عشرة سنتيمترات ومتر بحسب نوعية الآلة وجودتها. وكانت معظم عمليات التقصي والتنقيب تتم خلال الليل واحيانا في وضح النهار ايضا في القلاع والحصون وفي مختلف الاماكن التي يشتبه بوجود اثار يشتبه فيها. بيروت ــ وليد زهر الدين