كما بدأ القرن دمويا ينتهي بلونه الصربي الأكثر شهوة للموت والدمار. البلقان كان مسرح الحربين الأكثر ضحايا في التاريخ. الطغاة الجبارون طبعوا زماننا بلون الدم. قرننا شاهد على سفاحين بنوا أمجادهم على جماجم الأبرياء. الطغاة الكبار توهموا ان قاماتهم أكبر من مساحات أوطانهم. في محطات الجنون السياسي بعض الطغاة الصغار توهموا ان ظلال قاماتهم القصيرة أطول من التقوقع داخل حدودهم القطرية. ميلوسيفيتش آخر الطغاة الأقزام. مثل غيره من أنصاف آلهة السياسة يأبى ميلوسيفيتش فتح دماغه الصغير والفارغ لرياح الهوية والحرية. كما بدأ القرن العشرون دمويا يريد ميلوسيفيتش له نهاية صربية. في ذيل قائمة الطغاة الصغار يأتي الرجل الصربي وراء خطوط النار وداخل الأقبية. زمر الجنود ذوي العيون المتحجرة يشعلون حرب الابادة العرقية على عتبات القرن الحادي والعشرين. ما لهؤلاء القادة أنصاف العجزة يرفضون فتح عيونهم على صفحات التاريخ. فصول التجارب النازية والفاشية تعيد سطورها الدموية. حرب الابادة العرقية مشربة بحكايات الاقتلاع الفجائي. مواسم السفر القسري بلا حقائب أو أوراق ثبوتية. هجر المنازل المدمرة هربا من كوابيس الاغتصاب وانتهاك الجسد طلبا للنجاة عبر الحدود. حين يصبح المجهول أكثر أمنا من الوطن. قد تسقط يد أو تحفر قبرا لعزيز على الطريق إلى الجحيم. شعب من اللاجئين يزحم الأفق نصف عار ونصف جائع. لم تعد هناك رغبة في التفاتة إلى الوراء. المدى نار ودخان وخوذ من حديد. من بغداد إلى بلجراد نصف عاقل ونصف مجنون. لا تزال سماء العراق مفتوحة للضربات الجوية. ما الذي يمكن لطائرات الناتو أن تحققه في بلاد ميلوسيفيتش ولم تستطع تحقيقه بين الرافدين. جبهة مفتوحة للطلعات متعددة الجنسيات في الجنوب والان جبهة في الشمال. معسكر الناتو هو نفسه معسكر الحلفاء. أشكال التكنولوجيا العسكرية تمارس تفوقها في الأجواء. جنود ميلوسيفيتش يمارسون حملاتهم الأرضية ضد الأبرياء. سماء بلجراد ملبدة بالأدخنة. أرض كوسوفو مشربة بالدماء. البنتاجون مصاب بانفصام في المنهجية العسكرية. عقدة فيتنام لا تزال مستبدة بأمريكا. ساكن البيت الأبيض غير مستعد لخوض حرب برية. ما لم يدمره الصرب في كوسوفو تستكمله طائرات الناتو. القصف العشوائي لا يستثني شبكات البنية التحتية في الاقليم. بيل كلينتون يجدد شباب إدارته في حمم الغارات عبر القارات. من أجل دخول القرن المقبل أكثر قوة لا تتردد أمريكا في اطلاق الاسراب الجوية توم كروز أو اف متعددة الأرقام. ليس مهما أعداد الضحايا من بغداد إلى بلجراد. الأكثر الحاحا استعراض القوة لدى الدولة الأقوى. صار العالم أحاديا قبل سقوط جورباتشوف. روسيا لم تعد تتزعم قطبا. سيل التصريحات الصادر من موسكو ليس سوى صرخات من أجل الذات. يوغسلافيا ليست أكثر من مصد روسي متقدم. بعد دك دفاعات الصرب ينفتح الأفق أمام مقاتلات الناتو إلى الفولجا. الدب الروسي شاخ وصار دبا من جليد. لا يزال الغرب يمارس لعبة الهيمنة على عتبة القرن الحادي والعشرين.
