قاذفات الناتو في سماء صربيا وكوسوفو في حين تواصل القاذفات المقاتلة البريطانية والامريكية قصف أهداف بالعراق. هل هناك منهج ما آخذ في التبلور هنا ؟ الصراعات الحديثة سواء الدائرة بالبلقان أو في الخليج هي نتاج للتكنولوجيا الحديثة والتي لا يملكها الان سوى بضع دول متقدمة في العالم مثل الولايات المتحدة و القوى الغربية الرئيسية في أوروبا. وتشكل طائرات ستيلث الخفية والقنابل الذكية وصواريخ كروز جنبا إلى جنب مع التصوير من الفضاء وتحديد المواقع بالاقمار الصناعية قائمة من التقنيات العسكرية الحديثة التي تعتبر أداة طيعة ومغرية بالنسبة لاي زعيم من زعماء العالم يريد أن يثبت رأيه عند فشل المساعي الدبلوماسية. وتعد الاسلحة المدمرة الحديثة - رغم علو كلفتها المادية مقارنة بالاسلحة التقليدية - أرخص سياسيا لانخفاض معاملات المخاطرة فيها على صعيد سقوط أي ضحايا في صفوف (الاصدقاء) . فكابوس رجل السياسة يتمثل في عودة جثث قتلى العمليات. وأصبح ذلك الكابوس حقيقة خلال مهمة القوات الامريكية المشؤومة في الصومال عام 1993 حين عادت جثث ضحايا العملية إلى الولايات المتحدة في أكياس. وتتراجع احتمالات هذا الكابوس كثيرا في حالة شن حملة جوية ذات تقنيات متقدمة جيدة التنفيذ والادارة. ومن ثم تنخفض احتمالات الوقوع في هذه المهالك السياسية إلى أدنى درجة. أما المشكلة فتكمن في سهولة الشروع في عملية من هذا النوع وصعوبة الخروج منها, خاصة عندما يكون الخصم في عناد سلوبودان ميلوسيفيتش أو صدام حسين. أي أنه يتيسر تحقيق انتصارات فورية ولكن يتعذر الانسحاب من الميدان دون تمكين (الاشرار) من ادعاء النصر النهائي أو على الاقل التباهي بأنهم خرجوا من المعركة سالمين. فحملة القصف على العراق تتواصل الان بصفة يومية تقريبا, على الرغم من عدم تصدر أنبائها لصدر صفحات الصحف أو برامج الاخبار التلفزيونية المسائية كما كان الحال من قبل. غير أن هذه الحملات اليومية لم ينجم عنها أدنى بادرة لتراجع قوة صدام حسين. وفي الواقع يبدو العكس هو الصحيح. وفي الوقت ذاته يعتمد جزء من منهج هذه الحملة منخفضة الكلفة عالية التقنية على تحويل الخصم الرئيسي فيها إلى مارد شرير قد يؤدي التخلص منه إلى حل مشكلات البلقان مثلا أو الخليج بطريقة أو بأخرى. أي أن مفهوم هذا المنهج هو خلق شياطين ومردة أشرار لكي يتم التعامل معها باسم الحق ضد الباطل. وبهذه الطريقة يتم تسويق الحملة لدى الرأي العام الغربي. ولكن يجري في نفس الوقت تقوية شوكة هؤلاء الزعماء داخل بلادهم بتضخيم مراكزهم و أهميتهم بين شعوبهم. ومن أوجه القصور الاخرى لعملية تحويل هؤلاء الزعماء إلى أساطين للشر أنها تقلص أهمية أي معارضة سياسية داخلية في بلادهم إلى أدنى حد بسبب اضطرارها إلى التزام الصمت تجنبا لاتهامها بالعمالة لصالح (القاذفات الامريكية) . وغني عن القول أن مشكلة البلقان والوضع في الخليج أعقد وأكثر عمقا وتشعبا من أن تحل بمجرد التخلص من رجل واحد. غير أن إقناع الكونجرس و الناخبين الامريكيين والاوروبيين بمثل هذه الحملات يتطلب هذا الاغراق في تبسيط المشكلة. ويلاحظ أن مادلين أولبرايت أكثر الصقور تطرفا في مؤسسة صنع السياسة الخارجية الامريكية كانت من ضحايا عدوان النازي. وهي تصف نفسها بانها (ابنة ميونيخ) وتقول أن لديها ذاكرة محملة بعواقب محاولة إرضاء دكتاتور ما. لكن ميلوسيفيتش ليس هتلر, وأن تصفه أولبرايت بذلك ليس إلا مط للحقيقة إلى حد الاهتراء. ومن هذا المنطلق فان الحقيقة تكون من أول الضحايا في هذه الحملات العسكرية, سواء في الخليج أو البلقان أو غيرها. ويخلق هذا الوضع نفس الحالة التي تهدف حملات القصف إلى تحاشيها في الاساس,ألا وهي فقدان مصداقية القادة الامريكيين والاوروبيين الذين لجأوا إلى العمل العسكري أصلا لدعم الدبلوماسية التي فشلت في تحقيق النتائج المرجوة منها.ــ د.ب.أ