تشتهر المنظمات العالمية وعلى رأسها منظمة الامم المتحدة بايغالها في الفساد المالي, والذي يغري كبار موظفي تلك المنظمات بالامعان في الفساد هو قوة شخصياتهم, وخلفياتهم, ونفوذهم, فهم في الغالب من اصحاب الطموح والخبرات العملية الطويلة , ولهم خلفيات قوية تسندهم من الاوضاع السياسية التي انبثقوا منها, ورشحتهم لتولي تلك المناصب, كما انهم بتوليهم لتلك المناصب يكتسبون نفوذا ضخما مهيبا, كيف لا وهم قد اصبحوا موظفين عالميين, يتخطون حدود الدول الاقليمية جميعها, ولا يخضعون لتوجيهاتها ولا لقوانينها ولا لمحاكمها. اما الرقابة التي يخضعون لها فهي واهية للغاية في افضل الاحوال, ووهمية في غالب الاحوال, ولا تخلو مؤسسات الرقابة نفسها من ظلال الفساد, التي تدفع بها للمجاملة وغض النظر عن الاخطاء, بل وتبريرها والدفاع عنها في بعض الاحيان, واسوأ من ذلك فإن مؤسسات المراقبة والمحاسبة تقوم بمكافأة ارباب الفساد في بعض الاحوال, وذلك مثلما يحدث في الامم المتحدة فكلما يتهم موظف باختلاس مبلغ هائل قد يصل الى عدة ملايين من اموال الاغاثات, او نفقات فرق حفظ السلام, او غير ذلك فإنه يحال الى التقاعد, دون محاكمة, وتضطر الامم المتحدة الى ان تدفع له بضعة مئات من ألوف الدولارات كمكافأة لاتعابه في خدمة المنظمة لبضع سنين! 100 مليار دولار.. فساد ويعتقد بعض المراقبين ان نحو عشرة بالمائة من ميزانية الاتحاد الاوروبي تضيع هدرا بسبب الفساد, وذلك هو ما اورده د. ريومسكوتيل في دراسته المطولة التي نشرها في 1994 بمجلة Journal of Comman Market Studies بعنوان The E.C. Budge: Ten Per Cent Froud? ومما يثير الاستغراب ان د. ريومسكوتيل ذكر ان مكافحة مثل هذا الفساد الطائل امر في باب المستحيلات الان, وان الاتحاد الاوروبي سيظل يدور في هذه الحلقة المفرغة, لانه لا احد يدري على وجه الدقة كيف يمكن ان تسد الثغرات التي ينفذ منها الفساد, فلكل ضرب من ضروب الفساد ثغرة قانونية تجيزه وتبرره, ونفس هذه الخلاصة انتهى اليها تقرير محكمة المراجعة الادارية الاوروبية, حيث ذكرت ان مخصصات مؤسسات الاتحاد الاوروبي لا تهدر عبر حوادث فساد متقطعة, وانما بسبب غموض القوانين واللوائح, وضعف القيادة المركزية, الذي لا يمكنها من السيطرة الكاملة على مسائل العوائد والمصروفات. وطبقا للمنطق السابق فإن اهدار اموال الاتحاد الاوروبي بهذا الشكل لايعتبر فسادا ومحكمة المراجعة الاوروبية لا تتركنا لنقوم بذلك الاستنتاج بانفسنا, انما تسعفنا بالنص التالي الذي يغني عن كل اجتهاد.. يقول تقرير المحكمة: (ينبغي ان نكون واضحين في المعنى الذي نرمي اليه بكلمة فساد, انها تعني الخداع اللا قانوني, او استخدام البيانات المزورة لاكتساب مغانم خاصة, وفي سياق موضوع الاتحاد الاوروبي فان كلمة فساد تعني سوء التوزيع المقصود للاموال والبضائع, بشكل يتجاوز نصوص القوانين والانظمة والتعليمات التي تصدرها رئاسة الاتحاد ــ اما اهدار الاموال الذي يتم بدون الخروج على تلك القوانين والانظمة والتعليمات فلا يمكن ان يعتبر ضربا من الفساد, ولهذا السبب فان المحكمة اختلقت او صكت لنفسها مصطلحا جديدا للتعبير عن اهدار المال العام بهذا الشكل القانوني, فغدت تسميه بـ (الصرف غير العادي) وهو تعبير بريء يوحي بل يقطع بأن امثال تلك الممارسات لاتخضع لاحكام القضاء, مهما اتلفت من مال الاتحاد, وكفى بذلك نصا يشجع بل يحرض على الفساد, والانتهاب من ميزانية الاتحاد التي تتجاوز مائة مليار دولار. وكمثال لممارسات الفساد التي لاتقع تحت طائلة القانون ما اتهم به مبعوث المفوضية الى موسكو مايكل امرسون في 1996 فقد اتهم امرسون بأنه انفق من اعتمادات المفوضية اموالا كثيرة لتسيير اعماله التجارية الخاصة, وقد اضطر امرسون تحت الضغط العام الى ان يقدم استقالته, وقد كان سوء حظ امرسون هو فقط الذي اوقعه تحت طائلة الضغط العام, لان المفوضية عندما اجرت تحقيقاتها بشأن ذلك الاتهام انتهت الى نتيجة غائمة تقول بأن (سلوك امرسون لم يكن متماشيا بدقة مع الاخلاقيات المثالية) وهكذا تناست المفوضية موضوع القانون, وجعلت تحاكم منسوبها فقط الى ما اسمته بالاخلاقيات المثالية! أسباب الفساد هذا الغموض المائع في القوانين, يترافق مع غموض آخر في النظام الاساسي للاتحاد الاوروبي فمنظمة الاتحاد الاوروبي لم تستصحب تماما الثقافة السياسية السائدة في غرب اوروبا, ولذلك ضعف فيها نظام توزيع وموازنة القوة. ففي الاتحاد تختلف المؤسسات التشريعية والتنفيذية على مستويات عديدة. فعلى سبيل المثال فإن المفوضية التي تعتبر الجهاز التنفيذي, تختلط مسؤولياتها كثيرا مع مجلس وزراء الاتحاد, الذي يعتبر بمثابة الجهاز التشريعي للاتحاد, وحتى عندما تخضع المفوضية لمراقبة مجلس وزراء الاتحاد, فان تلك الرقابة تكون ضعيفة جدا, لان كل وزير من وزراء الاتحاد يخضع هو الآخر, ويتلقى التعليمات من برلمان بلاده, وهنا تتضارب الرؤى وتختلط السياسات, وينعكس ذلك كله ضعفا في رقابة برلمان الاتحاد على جهازه التنفيذي. ومما يشجع موظفي المفوضية على ممارسة الفساد, ان دول الاتحاد الاوروبي نفسها ترتكب ممارسات فساد متنوعة هم ادرى بها بحكم اطلاعهم على ملفاتها. وقد اتهم تقرير محكمة المراجعة الاوروبية كل دول الاتحاد الخمس عشر بارتكاب ممارسات فساد متفاوتة وقد ادان التقرير الدانمارك مثلا لانها قدمت اوراقا مزورة للمفوضية اخفت بها نصف تكاليف الانتاج الزراعي فيها تقريبا, كما ادان التقرير المانيا لانها تحايلت على تنفيذ قرار سابق يطلب منها اقامة اجراءات معينة لاحكام الصرف على الزراعة ايضا, وكان التقرير قد اختتم صفحاته بتأكيد ماجاء بمقدمته من ان الفساد مطبق على المنظمة بشكل محكم, وانه آت من كل مصدر ومن كل الجهات, الا ان المحكمة قامت بالتجاوز عن معظم ممارسات الفساد. ففي 1996 تغاضت المحكمة عن معظم غرامات بقيمة مليار دولار, ثلاثة ارباعه كان من المفترض ان تدفعها اربع دول من اعضاء الاتحاد هي: ايطاليا, واسبانيا, واليونان, وايرلندا. ولذلك فإن محكمة المراجعين الاوروبية لا تسلم هي الاخرى من اتهامات الفساد, وكانت تلك المحكمة قد انشئت في 1975 كجهاز مراقبة مالية, ومع بداية التسعينات حيث تضاعفت ميزانية الاتحاد الاوروبي عدة مرات, قررت الدول الاعضاء تحويل جهاز المراقبة المالية الى مقام عال يضارع مقام المفوضية نفسها وذلك ما اقرته اتفاقية ماسترخت. وحاليا تتكون المحكمة من 15 عضوا بعدد دول الاتحاد. وقد اتهمت المحكمة من قبل عدد من المراقبين بانها تشجع على ممارسة الفساد, لانها وان اتخذت بعض الحالات, الا انها تعمد الى تغطية وتبرير معظم حالات الفساد التي تسميها حالات غش او صرف غير عادي او سوء او ضعف ادارة, ومع فشل المحكمة في تحقيق معظم اهدافها, فإنها ظلت تسعى سعيا حثيثا لترفيع مقامها, وزيادة مرتبات قضاتها, بما يضاهي مرتبات محكمة العدل الاوروبية, كما اصبحت تنافس المفوضية في اداء دورها التنفيذي, بل وحاول بعض القضاة ان يرتفعوا الى اداء بعض الادوار السياسية, كما ظهر في السجال بين رئىس المحكمة, ميديل هولا, وديلورز, من كبار قادة المفوضية. وفي 1996 اظهرت المحكمة فعالية نسبية لانها استطاعت تخصيص حجم الفساد المالي من 10% من ميزانية المفوضية الى 6%, كما دعت الى انشاء جهاز لمنع التجاوزات, بدلا عن انتظار وقوعها ثم معالجتها بعد ذلك. فشل كل الجهود ولكن كل جهود مكافحة الفساد لم تسعف باستئصاله, لانه بات متأصلا في الجذور القصوى, ومتشابكا بتشابك البيروقراطية ومصالح الدول والشركات حيث اصبحت المفوضية تؤدي مصالح بعض الدول وذلك باخفاء السجلات التي تضم ممارسات الفساد والتجاوزات التي تقدم عليها بعض الدول والشركات. وهكذا تتشابك جذور الاشكال الى الحد الذي دعا عالم السياسة البريطانية (جون بيترسون) الاستاذ بجامعة جلاسجو, الى القول بان المفوضية حتى ولو كان لها الرغبة في مكافحة الفساد, فإنها لاتستطيع ذلك لانها لاتملك ادوات مكافحته, اما الدول الاوروبية التي تستطيع مكافحة ذلك الفساد وتملك ادوات المكافحة, فانها لاترغب في ذلك, لان مكافحة الفساد ستجر عليها كثيرا من المشاكل التي لا ترغب في مواجهتها. ابلغ ما يعضد مقولة د. بيترسون هي مساعي المفوضية السويدية انيتا جرادين التي حاولت بمقتضى اتفاقية ماسترخت جعل مسائل مكافحة الفساد ذات أولوية عليا في عمل المفوضية, واتجهت الى اقناع دول الاتحاد بالتوقيع على اتفاق على العقوبات القانونية لبعض جرائم الفساد, واجتهدت لمدة عام كامل في ذلك السبيل, من غير ان تظفر ولو بتوقيع دولة واحدة من دول الاتحاد, بالرغم من انها توسلت الى تلك الدول بحقيقة مفزعة, تقول بأن المحكمة الادارية, لم تتوصل الى ارجاع الا مابين 10 الى 17% من اموال الاتحاد المنهوبة! هذا الفساد الضارب الذي ينخر في الجذور والاصول والجذوع والفروع, له مقومات تدعمه وتحميه, ولا يمكن ان يحلم احد بامكان علاجه او استئصاله في وقت سريع, وهكذا يمكن الحكم سلفا بفشل مساعي روماتو برودي رئىس الوزراء الايطالي السابق, الطامح الى تولي رئاسة المفوضية, والذي يراهن على امكان تدارك واصلاح تلك والعلل والاعطاب في اسرع وقت.. كما قال!