لم تعرف بعد التجربة النظامية التي تملك حصانة ذاتية مطلقة ضد دوافع الانحراف, فهذه الدوافع تتغلغل في احشاء كافة النظم الديمقراطية والاستبدادية باطيافها وهياكلها المختلفة نسبيا او كليا, وما ينطبق على نظم الدولة الوطنية القومية يطاول بمعدلات متباينة التجارب النظامية فوق القومية التي ينتمي اليها الاتحاد الاوروبي . حقيق بنا والحال كذلك ان نكيف الفساد وننظر اليه كظاهرة عالمية وثيقة الصلة بالوجود الانساني نفسه, وخصائصه التي جبلت على الضعف والوقوع في اسار المغريات الدنيوية, وقد كانت فكرة الاوروبيين عن انفسهم حتى وقت قريب, انهم اقل عرضة لهذه المغريات مقارنة بشعوب ونظم اخرى بما فيها الولايات المتحدة نفسها, لكن دراسات ميدانية حديثة اجبرتهم على اعادة النظر في هذه الفكرة منذ بضع سنين, ولا شك ان قضية الفساد المتفاعلة بين يدي المفوضية الاوروبية ــ رأس التجربة الاتحادية الاوروبية ـ سوف تهبط بتوقعات الاوروبيين عن ظهرنيهم الاستثنائية الى المستويات العادية. والواقع انه كان على هؤلاء العزوف عن هذه التوقعات بالنسبة للاطر الاتحادية منذ اللحظة التي ثبت فيها تفشي معالم الفساد في هياكل الدول القومية المكونة للاتحاد وذلك باعتبار ان الابنية الاتحادية ما هي في التحليل الاخير سوى نتاج البيئة الاوروبية العامة شأنها في ذلك شأن الابنية القومية. ففيما يتعلق بمراتب الفساد في سياق عالمي اتضح ان خمسا من دول الاتحاد الاوروبي تقع في دائرة الفساد متوسط الدرجة (المانيا, النمسا, فرنسا, بلجيكا, البرتغال) كما ظهر ان ثلاثا منها تعاني من الفساد في اقصى صوره (اسبانيا, اليونان, ايطاليا) وطالما ان اكثر من نصف اعضاء الاتحاد يدخلون في زمرة الدول سيئة السمعة في اداء الخدمات العامة الفاسدة فقد تحقق جدلا شرط مهم لتسلل الفساد الى المؤسسات الاتحادية, اللهم إلا إذا افترض الاوروبيون قدرتهم الفذة على حجب هذه المؤسسات عن العدوى مما يجرى في المؤسسات القومية للاعضاء وهو افتراض عقيم صدقيته محفوفة بالريبة. معنى ذلك على الجملة ان الفساد الذي طاول المفوضية الاوروبية موصول بالفساد في سياقه الأوروبي وهذا السياق الاخير غير بعيد عن السياق العالمي للفساد, واذ نحن تحرينا انماط الفساد في المفوضية وجدناها تحاكي الانماط الاوروبية والعالمية, فهي تحاور حول اختلاس الاموال العامة واستغلال الوظيفة للربح الشخصي والمحسوبية المالية. وهي انماط تم اكتمالها من مداخل الفساد المالي التقليدية: توقيع عقود وهمية مع شركات لا وجود لها واسناد وظائف كاذبة برواتب خيالية للمحاسب من ابناء واقارب بعض كبار موظفي المفوضية واختلاس اموال مخصصة لاعمال الاغاثة في البوسنة والبحيرات العظمى في افريقيا والاستيلاء على اموال مرصودة لاجراء دراسات بشأن الاوضاع الانسانية في سراييفو. الى هنا, يبدو فساد المفوضية الاوروبية احد ابرز مخرجات التجربة النظامية الديمقراطية الليبرالية, قريب الشبه مما يجري في اطار اكثر التجارب النظامية تخلفا واستبدادا في دول العالم الثالث او الرابع.. ولكن الفوارق بين هذه التجارب عموما في النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية تتجلى عند الاقتراب من الآليات التي تعالج بها هذه النظم مظاهر الفساد واساليب الكشف عنه. لقد راقبنا مؤخرا شيئا من هذه الآليات في غمرة محاكمة الرئيس الامريكي وهو على قمة السلطة ويمارس مهامه, الامر الذي يستحيل تصوره في النظم الاستبدادية وها قد جاء مثال اضافي من الجانب الاوروبي. نود القول بأن المشابهة بين مختلف النظم بزعم انها تنطوي جميعها على احتمال نشوء الفساد ومظاهره ستبدو مشابهة سطحية ان توقف البعض عند هذا الحد, اذ ان الديمقراطيات عرضة بالفعل لهذا الاحتمال, غير انها, وهذا هو الاهم, تحمل في خصائصها ما يقود الى كشف الفساد من ناحية ومحاسبة مرتكبيه من ناحية اخرى وبدرجة من الظلم محاكاتها بما تنطوي عليه خصائص النظم الاخرى. اننا بسبب آليات الكشف والمخاطبة والشفافية نستطيع ان نرى الغش في عيون النظم الديمقراطية ومؤسساتها كالمفوضية الاوروبية (أو البيت الابيض الامريكي) لكننا لغياب هذه الآليات لانتمكن من رؤية الاخشاب في عيون النظم الاستبدادية ومؤسساتها. في تجربة المفوضية ساهمت اكثر من اداة في الكشف عن معالم الفساد وتسليط الضوء عليه, هناك التقرير السري الذي رفعته (وحدة مكافحة المخالفات المالية) وهناك (لجنة الرقابة المالية في البرلمان الاوروبي) التي طالبت بعدم تقديم اعتمادات مالية جديدة قبل الحصول على كل المعلومات والايضاحات اللازمة حول الاعتمادات السابقة, وهناك التغطية الصحفية التي اضطلعت بها صحف بعينها مثل (لامير) البلجيكية و(فووكس) الالمانية و(لوفيجارو) الفرنسية, وهناك (لجنة الحكماء المستقلة) التي حققت في القضية. وعلى مسافة من هذه العيون فإن هيكلية الاتحاد او بناه تسمح برقابة المؤسسات لادارة بعضها البعض, انها الرقابة من خلال (التنافس المؤسساتي) ان جازت العبارة, فالبرلمان الاوروبي يتربص بالمفوضية باعتبارها هيئة تنفيذية راحت تسير الاتحاد بمعزل عن تعليماته. وقد واتته الفرصة الآن للعمل على نقل مركز القرار الى رحابه. وفي اطار الرقابة المؤسساتية ثمة نوع آخر من العلاقات التنافسية يمكنه ان يشكل نوعا آخر من الرقابة والمحاسبية. انه التنافس الداخلي بين التيارات الفكرية السياسية, وفي هذا الباب يقال ان القوى اليمينية والمحافظة يسعدها ملاحظة اداء القوى الاشتراكية وجماعات يسار الوسط والعكس صحيح. ويقال ايضا ان التيارات المنتمية الى شمال القارة تراقب بحذر تيارات الجنوب المتوسطية والعكس صحيح ايضا. كأن الانتماء الفكري او الاقليمي او المؤسسي بما يفرزه من تعارضات نسبية يمارس دورا في تحقيق التوازن, كلما اختلت المعايير واطلت نذر الفساد في الرحاب الاتحادية الاوروبية, ولهذا اظهر الرأي العام الاستياء البالغ من قضية فساد المفوضية لكنه لم يفقد ايمانه بالتوجه الاتحادي نفسه وذلك على الارجح لدرايته بملكات الديمقراطيات المشاركة وقدرتها على التصحيح (الذاتي في المؤسسات الاتحادية) تماما كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات القومية الى اقصى حد ممكن. والذي يفهم عن القضية وتداعياتها ان تجريم الشخوص والمسؤولين في التجارب النظامية الديمقراطية قومية كانت ام اتحادية لا يتحول تلقائيا الى تجريم لهذه التجارب على اطلاقها, الإدانة في هذه النظم لا تصل الى حد الرغبة الانقلابية الاستئصالية, وانما تجري في سياق المطالبة بمزيد من الشفافية والمحاسبية ولعل التعبير الدقيق عن هذا التحليل يؤخذ من تصريح للرئيس جاك شيراك ذكر فيه ( ضرورة الانطلاق في التكامل مع هذه القضية من مزيد من الشفافية واساليب العمل الديمقراطي ومعالجة الجوانب الادارية لمؤسسات الاتحاد) . لم ينكأ الاوروبيون جراح الفكرة الاتحادية لان مفوضيتهم المستقيلة انتجت معالم فساد.. لم يكفروا بالفكرة نفسها بالكلية, ولا نحسب ان غالبيتهم ستلجأ الى التشكيك الكامل في جدوى هذه الفكرة رغم الضربة الموجعة التي وجهتها قضية المفوضية, ومثلما يعالجون قضايا الفساد والمحلية القومية مع بقاء النظم واستمراريتها سيتمكنون من التعامل مع قضية المفوضية ونحوها بالمنطق نفسه. على ان الاوروبيين لم يسلموا جميعا بالاتجاه الاتحادي, ثمة قوى مناوئة لهذا الاتجاه ومن الطبيعي ان تستقوي بسقطة المفوضية, وتشن هجوما مضادا وسيكون تأثير هجوم كهذا موقوتا ومحدودا لان احدا من هؤلاء لن يدعي الفضيلة في الاطر غير الاتحادية كما اشرنا وهكذا فإنه لو خير الاوروبيون بين التوجه الاتحادي بعوائده العامة عليهم, من قوة أمن ومكانة عالمية افتقدوها في ظل الدولة القومية ـ برغم انتشار عدوى الفساد في الاطر الاتحادية ــ وبين النكوص لاوضاعهم السابقة على هذا التوجه, فمن المقدر انهم سيميلون الى الخيار الاول, والحكمة هنا, انهم مدعوون لمكافحة الفساد على كل حال. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة