بعدما بدأ تطبيق العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) في الاول من شهر يناير الماضي, انفعل الكثير من الخبراء بهذا الحدث واعتبروه من أهم احداث نهاية القرن العشرين , معتقدين بأن صدور العملة الجديدة هو خاتمة توحيد القارة وتحقيق احلام الزعماء الاوروبيين باعتبارها وسيلة الوصول الى امن ورفاهية الشعوب, لكن رؤية شاملة متفحصة لواقع الاتحاد الاوروبي ومستوى تطور قوانينه ومؤسساته سرعان ما تبين بعده عن النضوج سياسيا ليصل الى (الولايات المتحدة الاوروبية), فاذا كان صدور (اليورو) انجازا وضع اوروبا في مصاف اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية واليابان وجعل منها قوة اقتصادية عالمية كبرى يصل اجمالي ناتجها المحلي الاجمالي الى 6303 مليار دولار ويتوقع ان تمثل منطقة اليورو التي تضم 290 مليون شخص و19 في المائة من الناتج العالمي و18 في المائة من التجارة العالمية, لكن ذلك ينطوي على نقطة ضعف كبيرة قد تؤدي الى انهيار ما تحقق من اتفاقيات اوروبية للتوحيد منذ عام 1957, فقد كان النقد احد النتائج التي ترتبت على قيام الدولة المركزية, اي انها عملية لاحقة لتشكيل الحكومات التي تتولى اصدار العملات الوطنية, لكن في حالة (اليورو) فقد وضعت العربة قبل الحصان وصدرت العملة الجديدة قبل تكون حكومة (اوروبية) موحدة تتولى الاشراف على العملة برمتها, بمعنى ان المفوضية الاوروبية مازالت ابعد ما تكون عن الحكومة القارية القادرة على ادارة شؤون اوروبا بدلا من حكوماتها المركزية لا بل انها تستمد صلاحياتها (المفوضية) من لدن الحكومات الاوروبية لتصبح امتدادا لها, بدلا من ان تتحول المفوضية الى كيان حكومي اوروبي متكامل يشرف برلمان القارة على نشاطها, بينما تصبح الحكومات الاوروبية اشبه بالادارات المحلية (البلديات) المنفذة لسياسة الحكومة القارية. ويعتقد فريق من المحللين بفشل الوحدة النقدية غير المسبوقة بالوحدة السياسية, او على الاقل لا يمكن لهذه الوحدة ان تعمل بكفاءة في غياب حكومة مركزية تتولى ادارتها ووضع السياسات المالية والاشراف على طبع وصك العملة وتوزيعها على الحكومات والبنوك المركزية والوطنية. ويرى هذا الفريق من الخبراء فشل الوحدة النقدية ما لم يتبعها وحدة سياسية تؤدي الى اقامة حكومة مركزية, لان جوهر المشكلة, حسب اعتقادهم, هو ضرورة وجود سلطة مركزية واحدة تضع السياسات المالية والنقدية وتنفذها وتمنع نشوب منازعات تؤدي الى فشل النظام. ويتهم هذا الفريق من المحللين القيادات الاوروبية بعدم ادراك ما أقدمت عليه بإقامة الوحدة النقدية ويتهمونها بقصر النظر لانها تنظر الى الوحدة النقدية باعتبارها مجرد تغيير من وحدة حسابية الى اخرى. وليس من الصعب الاستنتاج بان السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية على المستوى القاري مازالت في طور اولي وبعيدة عن النضوج والاكتمال, فالمفوضية الاوروبية والبرلمان الاوروبي انشغلا طيلة العقود الماضية بما هو اجرائي وتفصيلي, فيما ترك الجوهري جانبا بتبرير ان التوحيد يجب ان يتم من الابسط الى الاعقد, لكن تم تناسي تمثل التجربة الاوروبية كنظام للدولة ومؤسسات للحكم, فتاهت المفوضية الاوروبية بالتفاصيل واللجان. وثمة مخاوف عند الاوروبيين من السير في طريق مجهول. ومازالت فرنسا تتنافس مع المانيا على قيادة الاتحاد الاوروبي, او على الاقل بانهما تتوليان قيادته ويعزوان الفضل لنفسيهما بنقل الوحدة النقدية الاوروبية من دائرة الشك والتردد الى حيز التطبيق في الاول من شهر يناير الماضي. وتضع حكومتا البلدين نفسيهما في مرتبة اعلى من بقية الدول الاوروبية الاخرى الاعضاء في الاتحاد الاوروبي ومؤسساته الاخرى ويريدان دورا اكبر في المفوضية الاوروبية. ويثير ذلك مخاوف وريبة الدول الاعضاء الاخرى ويضعها بين مطرقة الاقتصاد الالماني القوي وسنديان النزعة الفرنسية الداعية الى استمرار الاتحاد الاوروبي باي ثمن خشية من المانيا وبهدف محاصرتها من خلال نظام امن شامل للقارة تساهم فيه ويشرف عليه الاتحاد الاوروبي. ولا تنتهي الشكوك عند هذا الحد, فبرغم انضمام الدانمارك الى عضوية الاتحاد الاوروبي في عام 1973 عندما كانت تسمى بالسوق الاوروبية المشتركة, الا انها لا تريد ان تبتلع في مشروعات تهيمن عليها الدول الاوروبية الكبرى مثل المانيا وفرنسا. لذلك فهي لم توقع على معاهدة الوحدة الاوروبية في ماستريخت في عام 1991, الا بعد حصولها على استثناء من الانضمام الى الوحدة النقدية في موجتها الاولى خلال عام 1991. ورفض الشعب الدانماركي معاهدة ماستريخت في الاستفتاء الذي جرى في عام 1992, لكنه وافق على المعاهدة في استفتاء اخر في عام 1993 بعد التزام الحكومة بعدم الانضمام الى الوحدة النقدية او في مشروع للدفاع المشترك وعدم الموافقة على أي مشروع اوروبي يخص اللجوء السياسي, كما اشترطت الحكومة الدانماركية اجراء استفتاء شعبي قبل الموافقة على معاهدة امستردام الخاصة لتوسيع الاتحاد الاوروبي لضم دول من وسط وشرق اوروبا وقبرص. ووافق الدانمركيون في استفتاء تم في شهر مايو عام 1998 على معاهدة امستردام باغلبية 56 في المائة ضد 44 في المائة عارضوا المعاهدة المذكورة. ويعتقد المراقبون ان مهمة الحكومة الدانماركية في اقناع الشعب بتأييد الانضمام الى الوحدة النقدية مهمة صعبة للغاية, برغم ان الحكومة والاحزاب السياسية والبنك المركزي الدانماركي وقطاع الخدمات المالية كلها تأيد الانضمام الى الوحدة النقدية. واوضح استطلاع مؤخرا ان 32 في المائة فقط من الدانماركيين يؤيدون الوحدة النقدية ويعارضها92 في المائة. وحال غياب التأييد الشعبي دون انضمام السويد الى الوحدة النقدية, بالرغم من استيفاء هذا البلد لمعظم معايير ماستريخت. وأظهر استطلاع جرى في السويد نهاية العام الماضي 1998, ان 34 في المائة فقط من السويديين يؤيدون الانضمام الى الوحدة النقدية ويعارضها 56 في المائة. واقل ما يمكن ان توصف به مواقف الحكومات البريطانية المتعاقبة تجاه اي تكامل اوروبي بانها فاترة. ولم يكن الموقف البريطاني وليد ازمة الاسترليني في آلية ضبط اسعار صرف العملات الاوروبية في شهر سبتمبر من عام 1992 والتي ادت الى خروجه من الآلية المذكورة بعد فشل محاولات بنك انجلترا في مساندته واعادة التوازن اليه داخل آلية الصرف, بل هو موقف تقليدي جسدته معارضة مارجريت تاتشر للاتحاد الاوروبي. وفي شهر مايو حدث تغير في موقف بريطانيا تجاه اوروبا مع فوز حزب العمال في الانتخابات البرلمانية, فقد قامت الحكومة العمالية بنقل صلاحيات تحديد اسعار الفائدة الى بنك انجلترا بعيدا عن التأثيرات السياسية على قرارات تعديل اسعار الفائدة. ووقعت بريطانيا على الوثيقة الاجتماعية للاتحاد الاوروبي التي رفضتها حكومة المحافظين. والتزمت مبدئيا بالانضمام الى العملة الاوروبية واعلنت عدم وجود موانع دستورية لذلك, لكنها ارجأت الانضمام الى اليورو الى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة التي ستجري في عام 2002 على أقصى تقدير. وأظهر استطلاع للرأي العام البريطاني ان 29 في المائة فقط من الشعب البريطاني يؤيدون انضمام بلادهم الى الوحدة النقدية ويعارضها 59 في المائة. وينظر الاوروبيون الى (اليورو) كالغريب في سوق التداول ويبدون الشكوك حول جدواه ومازالت عيونهم معلقة بعملاتهم الوطنية كالمارك والفرنك وغيرها من العملات الاخرى باعتبارها رمزا من الرموز الوطنية اي ان شارات الاتحاد ورموزه الجديدة بما في ذلك العملة الاوروبية الجديدة بعيدة عن الوجدان الاوروبي الشعبي الذي وجد نفسه مقسما بين ماض اوروبي مليء بالحروب والنزاعات ووعود السياسيين بالسلام والرخاء عن طريق وحدة اوروبا لكنهم مازالوا غير متيقنين بان الاقتصاد الاوروبي الموحد قادر على جذب مزيد من الاستثمارات وتوليد فرص عمل جديدة للحد من البطالة ووقف خطر امتداد الازمة الاقتصادية الآسيوية والانكماش. ومازال من غير المعروف الكيفية التي سيتم بها حل التناقض بين البنك المركزي الاوروبي ذي الصلاحيات الواسعة وبين البنوك المركزية الوطنية في الدول الاوروبية التي ستستمر في اداء دور هام تحت مظلة الوحدة النقدية مكونة مع البنك المركزي (نظام البنوك المركزية الاوروبية). حيث سيتم نقل احتياطات البنوك الوطنية الى البنك المركزي الاوروبي وستكون مساهمة كل الدول الاعضاء في الوحدة النقدية برأسمال البنك المركزي الاوروبي بنسب تتمشى مع اجمالي الناتج المحلي وتعداد سكان كل دولة. ويعتقد المراقبون ان البنك المركزي الاوروبي سيواجه اختبارات عديدة يصعب توقع نتائجها وآثارها مثل اختبار مدى فعالية السياسة النقدية العامة. ومع توقع التوسع في التجارة وتوسع الاتحاد الاوروبي بضم دول من وسط وشرق اوروبا وادارة السياسة النقدية مركزيا في وقت تظل فيه السياسات المالية بأيدي الحكومات الاوروبية, مما يضع البنك المركزي الاوروبي في مواقف يصعب تقدير عواقبها ويزيد الضغط على المصارف والخدمات المالية. باحث اقتصادي ــ لندن