EMTC

الاستقالة كسرت التوازن بين المفوضية والبرلمان الأوروبي:بقلم- د. طلعت شاهين

اللجنة الأوروبية التي كان يترأسها المستقيل (جاك سانتير) كانت ضحية لأخطائها السياسية أكثر مما كانت ضحية بسبب اخطائها الادارية التي يتحدث عنها الجميع كما لو كانت نموذجا للفساد الاداري في أوروبا, أو بسبب فساد العاملين فيها الذين كانوا السبب المعلن ــ حسب رأي بعض وسائل الإعلام ــ في تشكيل لجنة (الحكماء) التي أدانتها في النهاية وعجلت باعلان سقوطها في أول سابقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي القصير, وإذا كان الظاهر الآن أمام الجميع ان لجنة الحكماء التي بحثت في قضايا الفساد المنسوبة إلى بعض أعضاء لجنة الاتحاد الأوروبي قد أدانت بعض القضايا إلا انها في الحقيقة برأت الأعضاء الذين تركزت حولهم الشبهات, أو بمعنى أصح الذين ركزت عليهم أسلحة وسائل الإعلام التي حاولت ان تصور الأمر على انه فساد اداري يهدد مسيرة التوسع باتجاه الشرق, بل ويفتح الباب أمام نهاية عاجلة للاتحاد الأوروبي كله, على الرغم من ان (الفساد الاداري) الذي اكشتفته لجنة الحكماء لا يتجاوز نسبة 0.9 في المائة من الأموال التي تديرها اللجنة بينما تدير الحكومات الأوروبية جميعها نسبة 99.1 في المائة من مجموع أموال الاتحاد, ومعروف ان تلك الأموال تثار حولها الشبهات بشكل اقوى مما اثيرت به حول اللجنة الاوروبية, بل أن الشبهات تدور حول معظم الادارات الاوروبية, ولا تكاد توجد دولة أوروبية واحدة لا تعرف حكوماتها الحالية والسابقة طريقها الى ساحات القضاء بسبب قضايا فساد ارتكبها أعضاؤها أو أعضاء الحزب الحاكم الذي تنتمي اليه. الجميع سنوا السكاكين لذبح اللجنة الأوروبية, ولكن كل من اتهموا جاك سانتر واعضاء لجنته, سواء من اليمين أو اليسار, لم يتذكروا لحظة واحدة الانجازات التي قامت بها تلك اللجنة, وهي انجازات بارزة ويمكن احصاؤها بالعين المجردة وعلى رأسها وضع العملة الاوروبية (اليورو) موضع التنفيذ, ووضع البرنامج التنفيذي للادارة الأوروبية التي يطلق عليها (الاجندة 2000) . اضافة الى الاستعدادات النهائية لتوسع الاتحاد الاوروبي شرقا لتتسع الرقعة الموحدة باتجاه بلاد تتسابق على الانضمام لما يعتبر في حد ذاته انجازا جديدا بعد الانتقال من السوق الأوروبية المشتركة الى الاتحاد الاوروبي, وايضا التوسع بشكل لافت للنظر في مجالات السياسة الجديدة التي تحاول تغطية العجز السياسي الاوروبي في مواجهة القضايا العاجلة والساخنة التي تستدعي دورا أوروبيا أكبر من خلال خطط المساعدات الاوروبية, لكن المنتقدين تغاضوا أو حاولوا غض الطرف عن تلك الانجازات وركزوا انتقاداتهم الحادة على العمل اليومي واخطائه, والذي يعتبر من الامور الطبيعية في ادارة تضم هذا الجيش الكبير من العاملين الذين ينتمون الى عقليات مختلفة بحكم (الحصصية) التي تتم من خلال اختيار هؤلاء العاملين من جميع دول الاتحاد. لكن الاخطر في تقرير (لجنة الحكماء) التي أدانت رئيس اللجنة الأوروبية وبعض الأعضاء العاملين فيها هو ليس عدم ادانتها لبعض الأعضاء الذين ركزت وسائل الاعلام الاوروبية اتهاماتها لهم مثل الاسباني (مانويل مارين) , ولكن الاخطر ان تقرير لجنة الحكماء حاول التستر على الاخطاء السياسية الكبرى وركز على بعض القضايا الصغيرة مثل التعاقد مع شخص او اشخاص للقيام باعمال لاتتجاوز ميزانياتها بضعة الاف من (اليورو) ولو بحثت لجنة الحكماء عن الاخطاء السياسية التي وقعت فيها ادارة الاتحاد الاوروبي لكان جاك سانتر ابرزالمسؤولين عن تلك الاخطاء ولكنها تظل في النهاية اخطاء مسؤول عنها الدول الاعضاء في الاتحاد ككل. التركيز على الاخطاء الادارية لادارة جاك سانتر دون الاخطاء السياسية اجهض برنامجا اصلاحيا اعدته اللجنة الاوروبية في محاولة لاصلاح ما برز من اخطاء ادارية خلال السنوات الماضية خاصة البرنامج الخاص بالتحديث الاداري الذي يطلقون عليه اسم (سيم 2000) اضافة الى هذا هناك اشياء اخرى كانت سببا في سقوط اللجنة التي يترأسها جاك سانتر, على رأسها ان رئيس اللجنة الاوروبية نفسه فقد الثقة في العاملين معه واعضاء ادارته فقدوا الثقة فيه, وبدا هذا واضحا في تصريحاته التي حاول في البداية ان يبدو فيها مدافعا عن زملائه وعندما بدأ الحديث عن تضحيات سياسية عاد جاك سانتر وفتح النار على بعض زملائه معتقدا ان هذا ينجيه من الاحتراق بلهيب النيران المندلعة في البيت الذي يقطنه مع اعضاء لجنته, وكان من اخطائه الفادحة تركيزه على الاتهامات التي تلقتها (ايما بونينيو) التي تتولى تنفيذ برامج المساعدات الانسانية التي تحاول ذر الرماد في العيون لعدم كشف المواقف السياسية الاوروبية المتخاذلة تجاه القضايا الدولية الساخنة, التي تنازل الاوروبيين فيها عن دورهم للولايات المتحدة. لذلك يعتبر المراقبون ان جاك سانتر لم تكن لديه الحكنة السياسية التي كان يجب ان يتمتع بها رئيس ادارة تعتبر حكومة الحكومات في الاتحاد الاوروبي ومن هنا جاءت تبرئة نائب الرئيس الاسباني الاشتراكي مانويل مارين, الذي كان تحت مجهر الاتهامات التي كانت توزعها وسائل الاعلام الأوروبية, وبشكل خاص الالمانية التي وجدت فيه (الضحية) المناسبة لأسباب خفية وغير معلنة, بعض تلك الاسباب ليس له علاقة بادارته, وهو ما اثبتته لجنة الحكماء, بقدر ما كان له علاقة بمواقفه السياسية تجاه قضايا معينة, وبشكل خاص قضية الشرق الأوسط التي انغمس فيها طوال الصيف الماضي, منددا بالمواقف الاسرائيلية والامريكية, ومتهما الاتحاد الأوروبي بالتخاذل في اتخاذ موقف واضح نابع من الحفاظ على المصالح الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط, بدلا من انتظار الفتات الذي تمنحه الولايات المتحدة لأوروبا في تلك المنطقة. وقع جاك سانتر ايضا في اخطاء تتمثل في علاقته ببعض اعضاء البرلمان الأوروبي, الذين تدور شبهات حول مواقفهم الأوروبية الحقيقية, أو من اولئك الذين لا يرون في العالم سوى مصالح بلادهم الوطنية بغض النظر عما يمكن أن يسببه ذلك إساءة الى دول أخرى اعضاء في الاتحاد الأوروبي, ويصف البعض تلك العلاقة بين جاك سانتر وهؤلاء البرلمانيين بانها كانت ترتكز على محاولات رئيس اللجنة الأوروبية ارضاء هؤلاء البرلمانيين بغير وجه حق. لذلك عندما قرر البرلمان الأوروبي تشكيل لجنة الحكماء لبحث ما اثير من شبهات حول ادارة جاك سانتر, فانه قبل وجود هذه اللجنة باعتبارها مخرجا وحيدا لأخطائه الخاصة, على الرغم من أن تشكيل هذه اللجنة في حد ذاته يعتبر خرقا لكل القواعد المعمول بها في الاتحاد الأوروبي, وان مجرد قبوله لتشكيلها لبحث الفساد في عمله وعمل زملائه كان يعني قبولا لكل ما يترتب على تقريرها, وما يتسببه هذا من اساءة شخصية وسياسية له, لكنه وجد في تشكيلها طريقة للتخلص من ذنوب الآخرين, ما ان بدأ عمل اللجنة حتى كان يطلق التصريحات من هنا وهناك ضد زملائه, دون ان يتذكر للحظة واحدة ان ادانة اي زميل يعتبر ادانة شخصية له باعتباره الرئيس المباشر, وان مسؤولية اعضاء لجنة الاتحاد الاوروبي مسؤوليتها مشتركة, لذلك عندما تم اعلان تقرير لجنة الحكماء لم يجد جاك سانتر مفرا من الاستقالة, بعد ان كان في السابق يحاول ان يعطي ايحاء بان الاستقالات يجب ان تكون فردية, بمعنى ان يستقيل هؤلاء الذين تثبت ادانتهم في الفساد أو التراخي في الادارة. الاستقالة بعد نشر تقرير لجنة الحكماء كان الطريق الوحيد لانهاء الموقف الناتج عن كل تلك الزوبعة, لان ادانة عضو في ادارة الاتحاد الاوروبي لا يعني براءة الاخرين, بل هو ادانة لهم جميعا ايضا, لذلك لم يجد جاك سانتر امامه من طريق للخروج من هذه الازمة السياسية التي تعتبر الاخطر في تاريخ الاتحاد الاوروبي سوى الاستقالة, لكن تلك الاستقالة والطريقة التي تم الاعلان عنها ادانت جاك سانتر اكثر مما ادانت زملاءه, لانه ظل حتى اللحظة الاخيرة يلعب لعبة القط والفأر مع البرلمان الاوروبي, وكأنه كان يبحث عن طوق نجاة, ولكن هذا الطوق كان فرديا وليس جماعيا, لانه كان يبحث عن انقاذ لنفسه دون زملائه الذين يتقاسمون معه الادارة والمسؤولية. لكن المراقبين السياسيين الذين يتابعون السياسة التي انتهجها الاتحاد الاوروبي خلال السنوات الخمس الاخيرة يكتشفون ان الاخطاء التي وقع فيها الاتحاد ليست سوى نتيجة مباشرة للسياسات التي تتبعها الدول الاعضاء كل على حدة, فقد ثبت ان اللجنة التي يترأسها جاك سانتر كانت نتيجة لبحث الحكومات الاوروبية عن وجه فيه من (اللطافة والظرف والابتسامة) اكثر مما فيه من الحسم والحزم اللذين تتطلبهما ادارة معقدة مثل اللجنة الاوروبية, لذلك غرق جاك سانتر في مشاكل عريقة وقديمة قدم نشأة الاتحاد, أولها العاملون في الاتحاد الذين يتم اختيارهم وفق أسس معينة تكاد تكون اللجنة الاولى في الفساد المحيط بها, لان لكل دولة عدد معين, وكثيرا ما تلعب المحسوبية دورها في اختيار هؤلاء اكثر مما تعلب الكفاءة, أو ان الميزانية المخصصة لادارة الاتحاد الاوروبي لم تعد كافية لدفع العمل على المستوى المطلوب. ثم جاءت الاتهامات الاعلامية التي قادتها وسائل الاعلام الالمانية المغرضة, التي كانت تحاول ايجاد مخرج للحكومة الالمانية للتخلي عن دورها كدولة تتحمل العبء الاكبر من ميزانية الاتحاد الاوروبي, فبدأت تلك الوسائل في البحث عن حقائق صغيرة, او انصاف حقائق لتبني عليها اهرامات من الاكاذيب والاتهامات, او وسائل الاعلام البريطانية التي تصطاد في المياه العكرة لتثبت عدم جدوى الاتحاد الاوروبي والخطوات السريعة التي يسير بها نحو هوية اوروبية, يرى فيها البريطانيون خطرا على هويتهم الخاصة, لذلك فان الاعلام البريطاني صفق كثيرا لتقرير لجنة الحكماء على الرغم من انه جاء اقل مما كان متوقعا منه كتقرير ادانة, لهذه الاسباب يرى المراقبون ان موت اللجنة الاوروبية برئاسة جاك سانتر كان محتما لكنها كانت ضحية نفسها قبل ان تكون ضحية الآخرين. لهذا السبب ايضا فان من بكوا عليها كانوا قلة, وكان بكاؤهم لمصالح خاصة وضيقة, كما هو الحال بالنسبة للحكومة الاسبانية برئاسة خوسيه ماريا ازنار, الذي وجد ان تغيير الادارة الاوروبية في هذا الوقت بالذات سيكون ضد مصالح بلاده المتضررة من محاولات المانيا تخفيض حجم المساعدات للمنتجات الزراعية بشكل كبير, كبداية لتخفيف أعباء المانيا في ميزانية الاتحاد, لذلك كان رأي رئيس الوزراء الاسباني ان تبقى اللجنة حتى يتم وضع الخطوط الرئيسية للأجندة 2000 موضع التنفيذ, لأن رئيس الوزراء الاسباني يعلم تماما ان العودة الى بحث هذه (الاجندة) من جديد يعني فقدان بلاده لجزء كبير من المساعدات التي تحصل عليها باعتبارها مصدرا لتمويل ميزانيته الوطنية. الشيء الاخطر الناتج عن استقالة جاك سانتر وزملائه, ان هذه الاستقالة والطريقة التي جرت بها كسرت التوازن الذي كان قائما حتى تلك اللحظة بين اللجنة الاوروبية كاداة تنفيذية لسياسة الاتحاد الاوروبي, وبين البرلمان الاوروبي باعتباره هيئة الاتحادالاوروبي التشريعية, والممثلة للصوت الايديولوجي لتوجهات الجماهير, لان فكرة البحث عن (لجنة اوروبية مؤقتة) تعني ان اللجنة التي يجب ان يتم اختيارها ستكون مجرد صورة لملء الفراغ الذي تسببت فيه الاستقالة, دون امكانية اتخاذ قرارات سياسية مؤثرة وحتى الانتهاء من الانتخابات الاوروبية في يونيو المقبل, وهذا يعني اصابة الاتحاد الاوروبي بشلل سياسي. هناك ايضا صعوبة اختيار لجنة اوروبية جديدة بصلاحيات كاملة لفترة تشريعية كاملة, لان اختيار اعضاء اللجنة الاوروبية يخضع للتوازنات السياسية بين القوى المختلفة التي تفرزها صناديق الاقتراع في الانتخابات الاوروبية, ومن غير المعقول ان يتم اختيار لجنة الآن, ثم البحث في تغييرها بعد ستة اشهر, في حالة اذا ما اسفرت الانتخابات الاوروبية عن نتائج تغير خارطة الايدلوجية في برلمانها. لكل هذه الاسباب سوف تكون اللجنة المقبلة للاتحاد الاوروبي اضعف بغض النظر عن شخصية من يرأسها, لان الصدع الذي اصاب الادارة المركزية الاوروبية بات واضحا ومؤثرا, ويفتح الباب امام اعضاء البرلمان الاوروبي الذين لا يزالون يقاومون فكرة قيام اوروبا موحدة مفتوحة الحدود, كما هو الحال بالنسبة للنواب المحافظين البريطانيين, وهذا ستكون نتيجته المباشرة مزيدا من الشلل السياسي والعجز الذي لايزال يصيب اوروبا في تعاملها في كل ما يتعلق بالقضايا الدولية الساخنة, ويحول اللجنة الاوروبية الى مجرد (سكرتارية) تقوم على اعداد الاجتماعات الخاصة برؤساء الدول, او ان يكون دورها مجرد توزيع الاوراق على موائد اجتماعات الدول الاعضاء. كاتب مصري مقيم في اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات