في الوقت الذي انجزت فيه اللجان النقابية المهمة التي انيطت بها من قبل مجلس النقباء, قبيل شهور قليلة لاعادة دراسة مشروع برنامج الاصلاح الوطني الذي وضعه المؤتمر الوطني , ووضعت تصورات حول النقاط الاساسية الخمس التي تضمنها ذلك المشروع (من وجهة نظر نقابية صرفة) , فان من الواضح ان مسلسل الشد والجذب حول (المؤتمر الوطني) ببرنامجه الذي اصطلح على تسميته فيما بعد بـ (برنامج النقاط الخمس) لايزال قائما داخل البنية متعددة الاطراف والمشارب والايديولوجيات في اللجنة التحضيرية للمؤتمر. وبقراءة متأنية لمضامين نصوص الاوراق المقدمة من اللجان النقابية المختلفة إلى اللجنة التحضيرية للمؤتمر والتي تناولت اربع نقاط, من الواضح ان تلك النصوص لم تخرج بقليل أو كثير, عن المضامين والنقاط الاساسية العريضة التي تضمنها مشروع برنامج الاصلاح والانقاذ الوطني. ومن الملاحظ ووفق القراءة الاولية لتلك الاوراق التي قدمتها اللجان النقابية, التي وصفت في حينها بانها (متخصصة) ان هناك نتيجة واحدة مؤداها ان هذه الاوراق جاءت كمشروع مطولة للمواد الخمس الاساسية التي تضمنها مشروع الاصلاح في صياغته شبه النهائية. هذه الاوراق الخمس المطولة ستحتاج من اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني إلى جلسات متعددة ومركبة من النقاش, ما يساهم بدرجة أو بأخرى في تمديد فترة القيل والقال حول المؤتمر الوطني ودواعيه, وغاياته, وآليات تنفيذه, ومن ثم العودة لفتح باب الخلافات بين البعض (المختلفون اصلا) وتحت قاعدة اتهامية عريضة متبادلة حول (المسؤول عن تأخير انعقاد المؤتمر) , وغيرها من الاتهامات التي صدرت في اوقات سابقة ومرت سريعا داخل اللجنة التحضيرية على قاعدة (ترحيل الازمات) . وبالاشارة إلى الاوراق الاربع فان التوصيات التي خلصت بها تتقاطع تماما مع المحاور الاساسية التي تضمنها مشروع برنامج الاصلاح الوطني, ولكنها زادت على ذلك بالشروح والتعليقات التي هي جزء من المسلمات في ذهنية الشارع الاردني. الورقة الاولى التي تضمنت الحديث عن محور (الاصلاحات السياسية والقانونية والدستورية) اكدت على ان المجتمع الديمقراطي هو مجتمع الكفاية والعدل, من خلال حق المواطن في الرعاية الصحية, والعلم والعمل, وحقه بالحصول على التأمينات اللازمة ضد المرض والشيخوخة, من خلال توفير مظلة الضمان الاجتماعي, وحقه كذلك في الحصول على السكن المناسب. وأشارت الورقة الى ضرورة تأمين (العلم) بأقل التكاليف, وهو حق اساسي من حقوق المواطنين على الدولة, مؤكدة كذلك على ضرورة العمل على أن تسود في مجتمعنا القيم العربية النابعة من تراثنا العربي الاسلامي. وطالبت الورقة بضرورة تأمين متطلبات الديمقراطية الاساسية, محددة تلك المطالب باصدار قانون عصري للمطبوعات والنشر, يكفل للصحافة حريتها, ويضع الضمانات اللازمة لحرية الكلمة, والغاء جميع القوانين المقيدة للحرية العامة, واطلاق الحريات للمواطنين والاحزاب ومختلف مؤسسات المجتمع المدني, لاخذ دورها الحقيقي في المجتمع. وأشارت الورقة الى أن ضمانات الديمقراطية وسلامة التمثيل النيابي, تعتمد على قانون انتخاب ديمقراطي حضاري, بدون تقسيمات جغرافية أو طائفية أو عرقية, وضمان التداول السلمي للسلطة التنفيذية, وتطبيق قانون (من أين لك هذا؟) وملاحقة كافة قضايا الفساد, وضرورة تعديل كافة القوانين والانظمة, لتمديد مدة دورة المجلس الى ثمانية شهور, وجعل حصانة النائب طيلة فترة نيابته, والتركيز على التطوير الاداري, ومحاربة اشكال سوء الادارة كافة. وأوضحت ان اتفاقية (وادي عربة) مع الكيان الصهيوني, ومحاولات ربط الاقتصاد الاردني بالاقتصاد (الاسرائيلي) كاقتصاد تابع, أدى الى انفجار الازمة الاقتصادية والاجتماعية, وزيادة معدلات البطالة. واقترحت الورقة لمواجهة هذه الازمة, العمل على تجميع كل المدخرات الوطنية, والاستفادة من التقدم العلمي, ووضع خطة شاملة للقطاع الانتاجي والخدماتي على الصعيدين القريب والبعيد المدى, وتطوير العلاقات الاقتصادية الاردنية العربية, وصولاً لاقامة سوق عربية مشتركة, ووقف كافة برامج خصخصة القطاع العام وبيع مؤسساته, واعادة النظر في هذه البرامج الحكومية. وأكدت الورقة على أن اتفاقية وادي عربة وملحقاته, أصبحت هي المرجعية الاساسية للحياة السياسية الاردنية الرسمية مما حول الاردن الى مجال حيوي للسيطرة الصهيونية, ومعبراً الى البلاد العربية لاختراق الامن القومي العربي. وتحرير وتسويق التطبيع مع العدو الصهيوني, مشيرة الى أن المقاومة الوطنية والقومية ضد الكيان الصهيوني, هي حق طبيعي للأمة وابنائها, داعية لالغاء اتفاقية وادي عربة, ودعم كافة أشكال مقاومة الاحتلال, ورفض كل أشكال التوطين والوطن البديل, ومواجهة التحالف التركي الصهيوني الامريكي, ودعم التضامن العربي, ومنع بيع الاراضي لليهود. وختمت الورقة بالقول ان الطريق الى الاصلاح يبدأ بالقرار السياسي الديمقراطي, منبهة الى أن الظرف المالي يستدعي الاهتمام المباشر بقضايا حماية مستخدمي الدولة من التسريح التعسفي الجماعي والفردي, ووضع اسس سليمة لاختيار كبار المسؤولين ورجال الدولة, والدعم الكامل للقوات المسلحة, وتفعيل المبدأ الدستوري, وانشاء ديوان للمظالم يتولى التفتيش والرقابة على أعمال الادارة, وإعادة الحصانة لديوان المحاسبة ليمارس اختصاصاته على السلطة التنفيذية. واعتبرت الورقة التي تناولت موضوع (حصار الامة العربية) (أعدها المحامي علي الضمور رئيس جمعية الحقوقيين الاردنيين), ان الحصارات تشكل سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل, وتشكل جريمة ابادة جماعية, وتهدف الى فرض السيطرة والهيمنة على مقدرات الامة, ومن ثم اضعاف الدولة المحاصرة مما يشكل خرقاً لقواعد القانون الدولي, ولمبادىء الاعلان العالمي لحقوق الانسان, والمواثيق الدولية الملحقة به. وأشارت الورقة الى ان الحصار المفروض على ليبيا جاء بسبب تمسكها بحقوقها الدولية بعدم تسليم مواطنيها المشتبه بهما في حادثة (لوكيربي) , لمحاكمتهما بناءً على طلب من الولايات المتحدة وبريطانيا, حيث سارع مجلس الامن الدولي وبارادة امريكية بريطانية بفرض الحصار على ليبيا بموجب القرار 748 الصادر عام 1992 والقرار رقم 883 الصادر عام ,1993 وقد ترتب على ذلك اضراراً بالغة بالشعب العربي الليبي, طالت كافة أوجه الحياة الانسانية والاجتماعية والاقتصادية. وبخصوص موضوع الحصار على السودان فقد اشارت الورقة الى ان السبب يعود لكون السودان رفض الانضواء تحت المظلة الامريكية, مما جعل مجلس الامن الدولي يصدر قراره رقم (1044) عام 1996 بهدف عزل السودان دولياً. وألقت الورقة باللوم على بعض الانظمة العربية التي تعمل جاهدة بكل الوسائل لاطالة امد الحصار, في اطار مؤامرة كبرى موجهة ضد العراق, داعية لموقف شعبي واحد لفضح السياسة الامريكية في المنطقة من جهة ولدعم العراق في مطالبه المشروعة برفع الحصار عنه من جهة أخرى. وأكدت الورقة في نتائجها النهائية الى ان الحصار المفروض على العراق والسودان وليبيا يشكل خرقاً لميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي ويعتبر عملاً غير مشروع, كما انه يشكل ابادة جماعية, وهي جريمة دولية يعاقب عليها القانون الدولي وفقاً للاتفاقية الدولية لمكافحة جريمة ابادة الجنس البشري, كما ان الجرائم التي ترتبت على تلك الحصارات, والاعمال التي ارتكبتها امريكا ضد السكان المدنيين والعسكريين بحجة الالتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي, تعتبر جرائم حرب وفق الاتفاقيات الدولية الموقعة. وتضمنت الورقة التي تحدثت في المحور الثالث حول (تعزيز وحدة المصير بين ابناء شعبنا العربي في الاردن وفلسطين) عدة توصيات جاءت ضمن ثلاثة محاور اساسية. فعلى (المستوى الوطني اكدت الورقة على ضرورة مشاركة شعبنا في فلسطين جهاده بكل الوسائل باعتباره (شعب فلسطين) مدافعا عن الامة العربية الاسلامية وفي طليعتها الاردن, والغاء معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني, وتعزيز الوحدة العربية, وتنمية العلاقات مع الدول العربية والاسلامية باعتبارها العمق الاستراتيجي في مواجهة المخطط الصهيوني, ورفض مشروع الوطن البديل ومقاومته بكل الوسائل, والتأكيد على ان فلسطين هي ملك الامة العربية والاسلامية ولايجوز لاحد ان يفرط فيها. وتناولت الورقة بحديثها في المستوى التأكيد على ضرورة نبذ السياسات الاقليمية قصيرة النظر, واصفة اياها بأنها تحاول تكريس التجزئة بين ابناء شعبنا الواحد بطريقة مباشرة وغير مباشرة, كالتمييز في الوظائف والبعثات.. الخ, ومكافحة استخدام الاقليمية ومحاربة الفاسدين الذين يحاولون حماية انفسهم ومكتسباتهم من خلال اثارة النعرة الاقليمية, ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني, والتركيز على رص الصفوف داخليا, في مواجهة هذا العدو. وفي المجال الثالث وهو ما وصفته الورقة بـ (المستوى الاعلامي والتربوي) فقد طالبت بتوجيه وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة نحو تعزيز وحدة المصير بين ابناء الشعب الواحد, والابتعاد عما يتناقض مع ذلك, والتركيز على مقومات وابعاد الوحدة في المناهج الدراسية المدرسية والجامعية, وكذلك في وسائل الاعلام, والتركيز على التاريخ اليهودي ودور اليهود في الفتنة بين ابناء الامة الواحدة والاستفادة من مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات وغيرها في تعزيز الوحدة. وجاء في الورقة الخاصة بمحور (الدفاع عن استقلال البلاد) ان المحافظة على الاستقلال الوطني, يقتضي تحرير الارادة الوطنية من الهيمنة الاجنبية, والضغوط التي تفرضها هذه الهيمنة وهذا لا يتم الا بوجود شعب يؤمن بحقه في ذلك ويكون لديه الدافع القوي للمحافظة على الاستقلال. وقسمت الورقة الحديث في هذا الموضوع الى مستوى داخلي وخارجي, حيث اكدت في المستوى الداخلي على ضرورة تفعيل النص الدستوري (ان الامة هي مصدر السلطات) وتشكيل محكمة دستورية للنظر في دستورية القوانين, وضمان انتخاب مجلس نواب في ظل قانون انتخاب ديمقراطي عصري وحديث, وانتخابات نيابية ديمقراطية نزيهة والامتناع عن اصدار القوانين المؤقتة الا في اضيق الحدود وتعزيز الديمقراطية باصدار قانون عصري جديد للمطبوعات والنشر, ومنع تدخل الاجهزة في قضايا التوظيف والتنقل والبعثات والمنح الدراسية ومنع التدخل في شؤون النقابات وتحقيق الامن الغذائي والدوائي وصولا الى الامن الاقتصادي, وتحقيق العدالة الاجتماعية وصياغة المناهج والبرامج التعليمية بما يناسب ويرسخ عقيدة الامة, والاهتمام بعقيدة الامة وتاريخها وباللغة العربية. وفي المستوى الخارجي اكدت الورقة على ضرورة العودة للشعب والتركيز على هوية الاردن العربية وعمقه الاسلامي, ومنع بيع الاراضي لليهود معتبرة ذلك خيانة كبرى والتصدي لمعاهدة وادي عربة والاتفاقيات المنبثقة عنها. واستمرار النضال لوقف التطبيع. واكدت الورقة في ذات المحور على ان قضية فلسطين هي جزء من وجودنا الوطني القومي, وتقوم هذه العلاقة على مبدأ وحدة المصير بين القطرين ورفض مبدأ التوطين والوطن البديل والتمسك بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والشروع العملي باستعادة التضامن العربي الفعال ومواجهة التحالف التركي الصهيوني الامريكي ورفض الانخراط في النظام العالمي الجديد وما يتبعه من استعمال ادواته كالعولمة والخصخصة, وما تضيفه من مساوىء للبرنامج الاقتصادي الحكومي, داعية الى وضع برنامج اقتصادي وطني بديل, يعتمد على تنمية القدرات الذاتية. عمان ــ خليل خرمة