تلقت السلطات اليمنية خلال الاسبوعين الماضيين اكثر من 80 رسالة احتجاج من منظمات دولية وعربية مهتمة بحرية الصحافة وحقوق الانسان, بسبب الحملة التي تشنها اجهزتها على الصحف والكتاب والصحفيين وذلك بجرجرتهم إلى المحاكم والبنايات والسجون . فأوقفت وزارة الاعلام بقرار اداري صحيفة (الشورى) و(الرأي العام) وحققت نيابة الصحافة والمطبوعات مع رؤساء تحرير (يمن تايمز) و(الايام) و(الحق) , و(رأي) و(الثوري) , وتحقق اليوم مع رئيس تحرير (الاسبوع) , لأسباب ومبررات مختلفة في كل حالة لكنها جميعا تتعلق بنشر تعتبره السلطات مخالفا لقانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1991. وخلال المدة ذاتها اعتقل الامن عبداللطيف كتبي عمر رئيس تحرير صحيفة (الحق) لمدة خمسة ايام, ونعمان قائد سيف رئيس تحرير (الشورى) لعدة ساعات والكاتب المحامي علي هيثم العزبي لستة ايام, كما اتهم الكاتب محمد صالح الحاضري عناصر الامن بمحاولة الاعتداء عليه بالضرب, واكد الكاتب محمد المقالح تلقيه تهديدات بالقتل. الجديد الذي زاد وغطى على تلك الملاحقات (بيان) وزع على نطاق محدود اصدره مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة الذي يتزعمه الحزب الاشتراكي يتحدث لـ( لبيان) عن معلومات شبه مؤكدة حول وجود مخطط يستهدف الاعتداء على عدد من الكتاب والصحافيين واصحاب الرأي من احزاب المعارضة والمستقلين بهدف اسكاتهم والحد من نشاطهم السياسي. واضاف ان المخطط يشمل الاختطاف أو الاعتداء بالضرب أو التصفية الجسدية من خلال حوادث مفتعلة كالصدام أو اطلاق النار تسجل ضد مجهول واكد المصدر ان هذه المعلومات سربت إلى اطراف في المعارضة من قبل بعض الجهات في السلطة ترفض المشاركة في المخطط الذي دخل طور التنفيذ. وبغض النظر عن مدى صحة ما تعلنه المعارضة, فان المبررات التي تسوقها وزارة الاعلام أو نيابة الصحافة والمطبوعات أو اجهزة الامن تبدو غير مقنعة لغالبية العاملين في الوسط الصحفي. كما ان السلطة كانت تتقبل في الفترات السابقة ومنذ اقرار الديمقراطية في البلاد كأحد نتائج وحدة شطري اليمني في مايو ,90 ما هو اقسى واكثر جرأة مما تنشره الصحف ويكتبه الكتاب الان, فما الذي استجد وجعل صدر السلطة يضيق بحرية الصحافة فأطلقت العنان لاجهزتها للتضييق على الصحف وملاحقتها؟ (البيان) استطلعت آراء بعض الكتاب والصحفيين الذين شملتهم الحملة حول تفسيرهم لدوافع السلطة وآثار حملتها على حرية الصحافة والديمقراطية بشكل عام, واتضح بمحاورتهم ان الصحفيين اليمنيين لا يفتقدون إلى التضامن فيما بينهم في الازمات فحسب ولكنهم يفتقدون ايضا الرؤية الواحدة حول تفسير وتحليل ما يحدث. نقيب الصحافيين السابق عبدالباري طاهر والذي جمدت عضويته في الامانة العامة لنقابة الصحفيين بسبب معارضته ما يجري فيها قال: ان ما يحدث للصحف والصحافيين امر سيء بكل المقاييس بغض النظر عن دوافعه مشيرا إلى أن حرية الصحافة والتعددية الحزبية هما كل الديمقراطية الموجودة في اليمن واذا ما قضي عليها قضي على الديمقراطية, واضاف (الاخطر من ذلك ان البلاد مقبلة على انتخابات رئاسية في اكتوبر المقبل ويفترض تهيئة اجواء ومناخات صحية حتى يستقبل الناس هذا الحدث بثقة اكبر لكن ما يحدث هو العكس, نصب سلخانة لذبح الصحف تعطي مؤشرات مقلقة وغير طيبة وبخاصة انها المرة الاولى التي يتم فيها تجاوز القضاء واللجوء إلى القرارات الادارية لوقف الصحف أو تجاوز نيابة الصحافة واللجوء إلى البحث الجنائي لاعتقال الصحفيين والتحقيق معهم. اما هشام باشراحيل رئيس تحرير (الايام) فقال ان قانون الصحافة تحول من ضامن وكافل للحريات إلى أداة بيد أجهزة السلطة وذريعة للحد من حرية الصحافة تستخدم ضد الصحف عندما تنشر ما لا يعجب السلطة, واضاف ان الصحف الرسمية كثيرا ما تخرق نصوص القانون وتكيل الشتائم لذوي الرأى المخالف دون ان تلقى اية محاسبة. وقال رئيس تحرير صحيفة (رأي) محمد جسار ان ما يحدث هو حملة منظمة اعدت مسبقا وبشكل دقيق ومحكم تستهدف خلق جو من التوتر والقلق والترقب في الاوساط الصحفية لشغل هذه الاوساط بنفسها وما تتعرض له, والهائها عن قضايا هامة يتوقع ان الايام القادمة سوف تكشف عنها, فالاوساط السياسية والصحفية في حالة ترقب لحدث كبير سوف تشهده الساحة اليمنية وتخاف الدولة ضجة صحفية كبرى حياله وبالتالي استبقت الامور بتوتير الوسط الصحفي. واضاف: كما انه يمكن الربط بين ما يحدث من قمع وارهاب وانتهاكات قانونية ومصادرة لحق الرأي والتعبير وما يطبخ في كواليس السلطة الحاكمة فيما يتعلق بالمؤتمر العام لنقابة الصحفيين اليمنيين الذي تستهدف السلطة عقده حتى في ظل رفض عام من القطاع العريض من كبار الصحافيين ومن خلاله تحكم قبضتها على هذه النقابة وتصادرها مصادرة كاملة. واعتبر ان هذه الاعمال تفضح ان الهامش الديمقراطي الذي نعيشه هش جدا وفاضح للامزجة وتقلباتها وتغيرات الحسابات السياسية وتكتيكاتها المرحلية فحينما تريد السلطة ان تصادر حقا لا تراعي دستورا أو قانونا ولا تهتم لاتفاقيات أو مبادىء ويتجاوز رجال النفوذ كل المؤسسات الرسمية ما يكشف ايضا ان الديمقراطية في البلاد مجرد ديكور أو مكياج يحسّن صورة السلطة لدى دوائر الرصد السياسي الاجنبية وحينما تتعارض هذه الغاية مع مصالح وحسابات اخرى تتعرض الديمقراطية لمذابح يصعب تصديقها في عالمنا المعاصر. وقال رئيس تحرير صحيفة (الاسبوع) حسن العديني انه لا يملك تفسيرا لما يحدث كما استبعد ان يكون وراء جرجرة صحفية إلى النيابة وربما المحكمة بعد ذلك مؤامرة ما. واكد الكاتب والمحامي علي هيثم الغربي ان ما يحدث وراءه دوافع سياسية لا علاقة لها بالقانون من قريب أو من بعيد, وان اعتقال الكتاب والصحفيين وجرجرة الصحف إلى النيابات والمحاكم هدفه ممارسة الترهيب للحد من كشف الممارسات الشمولية. وابدى مدير تحرير صحيفة (الوحدوي) علي السفاف استغرابه مما يحدث وقال: في وقت يعيش فيه القتلة وقطاع الطرق طلقاء يسرحون ويمرحون اصبح الصحافيون فجأة عرضة للملاحقة والحبس كأنهم خطر داهم وشر مستطير وهو امر يبعث على القلق ويثير المخاوف على ما تبقى من هامش الديمقراطية. ودعا السقاف الصحافيين وجميع القوى السياسية والمنظمات الجماهيرية وكافة ابناء الشعب الوقوف بحزم والتصدي لكل المحاولات الرامية إلى تكميم الافواه وخنق الحريات. والمؤكد ان دعوة السقاف لن تلق اجابة فكما اكد نقيب الصحافيين يفتقد الصحافيون التضامن فيما بينهم, مشيرا إلى ان الاجتماع التشاوري الذي عقدته 36 شخصية من كبار قيادات العمل السياسي والاعلامي في البلاد مؤخرا فشل في صياغة بيان ادانة لما يجري كما ان دعوة اطلقها رئيس تحرير صحيفة (رأي) إلى احتجاب الصحف عند الصدور لمدة اسبوع للتعبير عن الاحتجاج لم تلق اية استجابة. هيئة تحرير صحيفة (الشورى) بدورها وجهت نداء إلى الصحفيين لحضور اولى جلسات المحاكمة التي تنظر في القضية التي رفعتها ضد وزارة الاعلام وذلك للتعبير عن التضامن والادانة لكل ما يحدث من ممارسات. والجلسة تعقد السبت 13 مارس, بقاعة محكمة غرب العاصمة وسواء اجيب على النداء أو لم يجب ستظل الصحافة وحريتها في اليمن تدفع ثمن تفكك وتشتت الوسط الصحفي ولهاث الصحافيين وراء المصالح الشخصية الآنية. صنعاء ــ مراد هاشم